محمد عبد الله
في خطوة تعكس تصاعد الضغوط الدولية على إسرائيل بسبب الاستيطان وعنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، أعلنت 12 دولة، عزمها فرض قيود على تجارة السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية.
يأتي ذلك في وقت ذهبت فيه بريطانيا إلى أبعد من ذلك بإعلان حظر استيراد منتجات المستوطنات، إلى جانب توسيع العقوبات لتشمل جهات وأفرادًا مرتبطين بالمشروع الاستيطاني.
وتضم الدول الموقعة على البيان المشترك كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وآيسلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة، التي أكدت أن الإجراءات تأتي على خلفية ما وصفته بمستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين وتوسع المستوطنات في الضفة الغربية.
وأعلنت هذه الدول أنها تعتزم فرض قيود وطنية على تجارة السلع مع المستوطنات التي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي، أو دعم فرض قيود أوروبية، أو دراسة اتخاذ إجراءات مماثلة وفق آلياتها الوطنية.
ويأتي التحرك الدولي في ظل استمرار الحكومة الإسرائيلية في دفع مشاريع استيطانية جديدة، بما في ذلك في منطقة E1 الواقعة شرق القدس، والتي تحظى بأهمية خاصة نظرًا لموقعها الجغرافي وتأثير أي توسع استيطاني فيها على التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها.
لكن الموقف البريطاني شكّل أبرز حلقات الإعلان الدولي، بعدما أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أمام مجلس العموم فرض حظر على استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي تصريحات وُصفت بأنها غير مسبوقة في حدتها، قال ميليباند إن الحكومة البريطانية تقر بأن “تطهيرًا عرقيًا” يجري في الضفة الغربية، وينفذه مستوطنون، متهمًا الحكومة الإسرائيلية بغض الطرف عن هذه الممارسات، بل وبتبني سياسات وتصريحات قال إنها تشجع على التهجير القسري للفلسطينيين.
ولم يكتفِ الإعلان البريطاني بحظر المنتجات، إذ قال ميليباند إن لندن ستوسع نطاق العقوبات لتشمل جهات تقدم خدمات مرتبطة بتوسيع المستوطنات، بما في ذلك البنية التحتية والتمويل والعقارات.
كما أعلن أن بريطانيا سترفض أي صادرات أسلحة يمكن أن تساهم في احتلال الضفة الغربية، في إشارة إلى انتقال الموقف البريطاني من مجرد الإدانة السياسية للاستيطان إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية وسياسية مباشرة تستهدف المنظومة المرتبطة به.
وأكد وزير الخارجية البريطاني في الوقت نفسه تمسك بلاده بحل الدولتين، مشددًا على أن الخلاف البريطاني ليس مع دولة إسرائيل، وإنما مع سلوك الحكومة الإسرائيلية وسياساتها.
ويعكس هذا الموقف تحولًا لافتًا في طبيعة الخطاب البريطاني تجاه الحكومة الإسرائيلية، خصوصًا أن بريطانيا تعد من أبرز الدول الغربية التي تربطها علاقات تاريخية وسياسية وأمنية وثيقة بإسرائيل.
إسرائيل ترد بأربع خطوات ضد بريطانيا
الرد الإسرائيلي جاء سريعًا وحادًا، إذ أعلنت الحكومة الإسرائيلية سلسلة إجراءات ضد بريطانيا، في تصعيد دبلوماسي غير مسبوق بين الجانبين.
وأعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أربع خطوات رئيسية ردًا على الإجراءات البريطانية.
أولى هذه الخطوات كانت إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية المحتلة، في إجراء يحمل دلالة سياسية ورمزية كبيرة، نظرًا للدور الذي تؤديه القنصلية في العلاقات البريطانية مع الفلسطينيين وفي متابعة الملفات المتعلقة بالضفة الغربية والقدس.
أما الخطوة الثانية فتتمثل في إبعاد الممثلين البريطانيين من مركز التنسيق المدني العسكري المتعلق بقطاع غزة في كريات غا، وهو المركز الذي تشارك فيه جهات دولية في تنسيق المساعدات والقضايا المدنية المرتبطة بالقطاع.
والخطوة الثالثة كانت وقف مشاركة الفريق البريطاني في تدريب قوات تابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، بما يعني إنهاء أحد أوجه التعاون الأمني البريطاني مع السلطة الفلسطينية.
أما الخطوة الرابعة فتتمثل في منع دخول 12 شخصية بريطانية منتخبة وشخصيات أخرى إلى إسرائيل، ومن بين الأسماء التي أُعلنت أعضاء في البرلمان البريطاني، من بينهم جيريمي كوربن وديان أبوت وجون ماكدونيل وريتشارد بورغون وزارا سلطانة وناز شاه، إضافة إلى فهد أنصاري، مدير منظمة “Riverway to the Sea”.
وبرر ساعر هذه الإجراءات بأنها رد مباشر على الخطوات البريطانية تجاه المستوطنات، واتهم لندن بمحاولة التأثير على السياسة والانتخابات الإسرائيلية، من دون تقديم أدلة على هذه المزاعم.
ورفع وزير الخارجية الإسرائيلي سقف التصعيد السياسي، قائلًا إن الرسالة إلى الحكومات التي تتخذ إجراءات ضد إسرائيل واضحة، وهي أن إسرائيل سترد على من “يعمل ضدها”.
كما هاجم ساعر الحكومة البريطانية بشدة، واتهمها باتباع سياسات وصفها بأنها معادية لإسرائيل ومعادية للسامية، معتبرًا أن حظر منتجات المستوطنات يمثل شكلًا من أشكال المقاطعة.
وفي محاولة للدفاع عن المشروع الاستيطاني، كرر ساعر الموقف الإسرائيلي القائم على اعتبار أن لليهود حقًا في العيش في أنحاء ما يسميه “أرض إسرائيل”، مستندًا إلى روايات تاريخية ودينية وإلى وعد بلفور والانتداب البريطاني.
كما رفض الانتقادات الدولية المتعلقة بمشروع E1، وقال إن الإجراءات المتعلقة به بدأت قبل أكثر من عام، وإن الحديث عن قطع التواصل الجغرافي الفلسطيني لا أساس له، مستشهدًا بخطط إسرائيلية لشق طرق بديلة في المنطقة.
وذهب ساعر إلى وضع الإجراءات البريطانية في سياق أوسع من الخلافات المتراكمة بين حكومة بنيامين نتنياهو وحكومة حزب العمال البريطانية، مشيرًا إلى اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين، واستئناف تمويل الأونروا، وتعليق بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وفرض عقوبات على مسؤولين إسرائيليين، إضافة إلى إجراءات أخرى تتعلق بالعلاقات العسكرية والأمنية بين البلدين.
كما لوّح باتخاذ إجراءات إضافية ضد السلطة الفلسطينية، قائلًا إن الجهات الفلسطينية التي تقف خلف مثل هذه الخطوات لن تكون محصنة من الرد الإسرائيلي.
الرئاسة الفلسطينية ترحب
في المقابل، رحبت الرئاسة الفلسطينية بإعلان الدول الـ12 فرض قيود على التجارة مع المستوطنات، معتبرة أن القرار يمثل خطوة مهمة في مواجهة منظومة الاستيطان والانتهاكات بحق الفلسطينيين.
وثمنت الرئاسة بشكل خاص الموقف البريطاني، معتبرة أنه يؤكد عدم شرعية المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وضرورة الانتقال من المواقف السياسية إلى خطوات عملية لمساءلة المسؤولين عن الاستيطان وعنف المستوطنين.
واعتبرت الرئاسة أن حظر استيراد منتجات المستوطنات، إلى جانب الإجراءات البريطانية الأخرى، ينسجم مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ويوجه رسالة بأن المجتمع الدولي لن يقبل باستمرار الاستيطان والاستيلاء على الأراضي وتهجير الفلسطينيين.
ودعت الدول الأوروبية والدول الصديقة إلى اتخاذ خطوات مماثلة، وفرض عقوبات على المستوطنين المتورطين في أعمال العنف، ووقف التعامل التجاري والاقتصادي مع المستوطنات ومنتجاتها.
كما رحبت الرئاسة بالتأكيد البريطاني على حل الدولتين، معتبرة أن وقف الاستيطان وإنهاء الاحتلال يمثلان شرطًا أساسيًا لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.




