شهد معالي
في ذات المكان الذي كان يقف فيه “مطعم حمودي”، لم يبقَ سوى ذكريات لسنوات من العمل والاجتهاد، باتت اليوم أكوامًا من الركام، بعد أن هدمته قوات الاحتلال، ليصبح هذا الركام شاهدًا على خسارة لا تُقاس بالأموال أو الحجارة، بل هي أكبر من ذلك.
بالنسبة لعلي أبو حجاب، من الحي الشرقي في مدينة جنين ومالك “مطعم حمودي”، لم يكن المطعم مجرد مساحة للعمل، بل كان نتاج سنوات من الجد والاجتهاد، ومصدر دخل لعائلته وعائلات العاملين فيه، قبل أن ينتهي كل شيء في يوم واحد.
لم تكن هذه الخسائر مادية فقط إلى أبو حجاب، فالأمر أكبر من ذلك، يقول أبو حجاب ” اللي خسرناه أغلى من المال، والاحتلال طبيعي مش رح يهديك الورد” خسارة لثماني سنوات من العمل.
يتحدث أبو حجاب عن الأيام التي سبقت الهدم، وعن استفزاز الاحتلال لشخصه بشكل متعمد فهو والد الشهيد محمد أبو حجاب الذي استشهد قبل عامين على أرض مدينة جنين، فكان استهداف المطعم بشكل مخصوص لكون مالكه والد شهيد، فبعد العديد من التهديدات من ضباط الاحتلال، قرر أبو حجاب العمل على نقل بعض المعدات من المطعم، ومحاولة إنقاذ ما يمكن انقاذه.
لم ينتهِ الأمر بتهدياتٍ واستفزازات، بل تسلم أبو حجاب قرارًا بالهدم، وبعد فترة تفاجأ باتصال أحد الأصدقاء، يخبره ببدء الهدم لمطعمه، الهدم الذي قامت به قوات الاحتلال باستخدام ثلاث آليات هدم، وبحد تعبير أبو حجاب ” يقدروا يهدوا بآلية صغيرة، ولكن الحقد اللي عندهم خلاهم يهدموا بثلاث آليات”.
جاء هدم المطعم مع العديد من المنشآت التجارية الأخرى المقامة على دوار الالتفافي، المعروف بدوار البداية والذي يقع في الجانب الشرقي لمدينة جنين ويربط بين العديد من القرى أهمها الجلمة، دير أبو ضعيف، دير غزالة، وفقوعة، ويأتي هذا الهدم تمهيدًا لشق طرق جديدة موازية لافتتاح المستوطنات المعاد إقامتها على أراضي محافظة جنين.
وفي الطرف المقابل من الحكاية، لا تظهر التغييرات في مدينة جنين على الجميع بالطريقة نفسها، بالنسبة لجنى محاميد طالبة الصحافة في كلية يبوس التطبيقية، ظهرت المصاعب في التفاصيل اليومية التي تبدو بسيطة ولكنها تتكرر مع كل يوم في طريقها إلى الجامعة.
الطريق الذي تسلكه للوصول إلى دراستها ليس مجرد وسيلة للانتقال من مكانٍ إلى آخر، بل بات عبئًا من الحسابات اليومية، كم من الوقت ستحتاج؟ وأي الطرق ستسلك اليوم؟ وهل ستتمكن أصلًا من الوصول لمركز المدينة والجامعة؟ تفاصيل تبدو عابرة للبعض، لكنها بالنسبة لجنى وغيرها أصبحت واقعًا تعيشه بشكل متكرر، تقول جنى “حياتنا تغيرت من بعد إضافة المستوطنات والاعتداءات اللي كل يوم نتعرض لها”.
جنى التي تبعد قريتها عن مركز المدينة ما يقارب 20 دقيقة كحدٍ أقصى، باتت المسافة تحتاج لساعة ونص أو حتى ساعتين، فيضطر سائق العمومي إلى تحويل الطريق المباشر من قرية دير أبو ضعيف إلى مدينة جنين، فيسلك العديد من القرى الأخرى الخارجة عن المسار المباشر، مثل دير غزالة، عرانة، الجلمة، وصولًا إلى جنين، تتعدد الطرق الالتفافية، ويجبر المواطنين على التغيير المستمر للطرق، ومتابعة الحالة الأمنية، ومدى استنفار قوات الاحتلال أو حتى المستوطنين.
لكن قصة أبو حجاب ومحاميد لا تقف عند حدود تجاربهما الشخصية، فهما انعكاس لواقع حياة يرتبط بصورة كبيرة بما تشهده محافظة جنين، فالتغييرات التي طالت الأرض والطرق والمناطق الحيوية المحيطة بالسكان، تترك آثارها على مصادر رزق المواطنين وتحركاتهم داخل المحافظة وقراها، فباتت التفاصيل الاعتيادية تحدياتٍ يومية يصعب على المواطن الفلسطيني في جنين تجاوزها.
وفهمًا لهذه التغيرات وما تشهده جنين من تطورات على أرض الواقع، يشير المستشار القانوني في هيئة الجدار والاستيطان د. محمد الأطرش إلى واقعٍ جديد يفرض نفسه على المحافظة وقراها. مؤكدًا أن ما تشهده المحافظة اليوم يأتي بعد سنوات طويلة من تراجع النشاط الاستيطاني فيها، إذ بقيت محافظة جنين منذ عام 2005 على خلو من التوسع الاستيطاني بشكل مباشر، قبل أن تعود الإجراءات الاستيطانية بوتيرة متسارعة خلال العامين الأخيرين.
وأوضح أن هذه الإجراءات لم تقتصر على إنشاء بؤر استيطانية جديدة أو إعادة تفعيل المستوطنات التي سبق إخلاؤها، بل شملت أيضًا أوامر عسكرية بوقف البناء والهدم، ووضع اليد على الأراضي، بالإضافة إلى شق واستحداث طرق استيطانية تهدف إلى ربط المستوطنات والبؤر ببعضها البعض.
ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان فقد سجّلت جنين في شهر آب الماضي أعلى حصيلة من عمليات الهدم في الضفة الغربية، إذ طالت عمليات الهدم 29 منشأة، ولم تقتصر الاعتداءات على عمليات الهدم وأوامر الإخلاء، بل طالت مختلف جوانب الحياة اليومية والأراضي الزراعية.
كما ووثّقت الهيئة 230 اعتداءً خلال شهر آب الماضي، تمثلت في الاعتداء على 4241 شجرةً في الأراضي الزراعية، كما أصدرت سلطات الاحتلال أوامرَ وضع يد استهدفت ما يزيد على 300 دونم في المحافظة وقراها.
وفي دوار الالتفافي لا تبدو آثار هذه الإجراءات مجرد أوامر مكتوبة أو أرقام في السجلات الرسمية، بالنسبة لأبو حجاب الذي كان يعتمد على محله في تأمين مصدر رزق عائلته، تحول المكان إلى ركامٍ ورماد، تاركًا وراءه خسارة مادية وأسئلة بلا إجابات، وإذا كان قد واجه أثر هذه الإجراءات في مكان عمله، فإن جنى لا زالت تختبر الآثار المترتبة على التغييرات، في الطريق الذي تسلكه يوميًا، وفي الوقت الذي تحتاجه لتصل إلى جامعتها ومركز المدينة.
وبين طرقٍ التفافية ومحالٍ لم يبقى منها سوى أثر، تتشابه الحكايات في جنين والعديد من مناطق الضفة الغربية، التي أصبحت تواجه مرض الاستيطان الذي يتفشى في أراضيها كالسرطان، وهنا يتضح أن ما تغيّر على الأرض لا يبقى على الأرض فقط، بل ينعكس على الحياة والممارسات اليومية، التي تفرض واقعًا جديدًا يحاول الفلسطيني مواجهته بكل ما أوتيَ من قوة.




