لما رباح وسابرينا سليبتشينكو، وتشارلز بوتو، وفراس الطويل، وإيلينا دي بري.
لا خيارات لديه، أغلقت القوات الإسرائيلية أزقة الحي وشوارعه بالمكعبات الإسمنتية والأسيجة الشائكة. ويبقّى منفذ وحيد لمئة وأربعين عائلة تسكن الحي؛ حاجز “160”، المغلق مجدداً من دون سبب معلوم.
يكفي أن يقرر الجنود إغلاقه حسب مزاجهم، أو بزعم عطل تقني في أجهزة التفتيش، أو لحدث ما.
يقول عارف إن هذا المنفذ قد أغلق ليومين على الأقل أسبوعياً على مدار السنوات الثلاث الماضية. لذا ابتكر الأهالي شبكة من الطرق البديلة؛ يعبرها جابر (51 عاماً) بعد الاستئذان من جيرانه، فيراقبون النوافذ تحسباً للجنود، ويصعد هو السلالم قاطعاً الأسطح. يقول جابر: “ولمّا أدخل الدار في الآخر، بكون محقق إنجاز كبير”.
يعدّ تطويق حي جابر نموذجاً مصغّراً لما تؤول إليه حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة. وبينما يسلب عنف المستوطنين الدموي أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتستمر الإبادة في غزة، توسع إسرائيل منظومة سيطرتها وهيمنتها العسكرية.
منذ عام 2023، استكمل الاحتلال نهجه في تقسيم فلسطين بوتيرة متسارعة، وتشرذمت الضفة، حيث يعيش نحو 3.5 مليون فلسطيني، ولم تعد رقعة جغرافية متصلة. اليوم، يقطع أوصالها 925 حاجزاً عسكرياً، بحسب الأمم المتحدة في آخر إحصاء لها في كانون الأول/ديسمبر 2025؛ بينها حواجز ثابتة ومؤقتة وبوابات حديدية وسواتر ترابية. علماً أن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، أعلنت في أيلول/سبتمبر من العام الجاري ارتفاع عدد تلك الحواجز إلى 942. تشتت هذه المنظومة شمل العائلات، وتعطّل الاقتصاد، وتعوق وصول الفلسطينيين إلى الخدمات الأساسية، بما فيها المدارس والمستشفيات.
ولم يسبق لإسرائيل أن نشرت قائمة بحواجزها العسكرية، ولا بأوقات فتحها أو إغلاقها. أما في خرائط غوغل، فلا ذِكر للحواجز، ولا تنفع الفلسطينيين على أي حال؛ لأنها غالباً ما تقودهم إلى طرق المستوطنات الإسرائيلية المحظورة عليهم. لذا بنى الفلسطينيون شبكات تواصل خاصة بهم، يتبادلون عبرها أخبار الإغلاقات وأحوال الطرق.
ووفق علمنا، لم تجمع أيّ جهة بين هذه الشبكات وأي بيانات حديثة وعمل ميداني، لقياس أثر الحواجز في الحياة اليومية بالضفة.
لذا، وعلى مدار عام ونصف، تولّينا -في أريج ووايرد ولايت هاوس ريبورتس ومختبر فلسطين للصحافة- التحقيق في المنظومة التي عزلت الضفة الغربية في “كانتونات”، ووثقنا آثارها.
حلّلنا عشرات آلاف الرسائل التي تبادلها الفلسطينيون على تلغرام، للتعامل مع الإغلاقات اليومية.
📍
حوارة مغلق البديل عورتا و لكنها أزمة
📍 Huwwara is closed, the alternative is Awarta, but it’s congested
📍
عورتا أزمة خانقة الآن. حاجز المربعة سالك
📍 Awarta is severely congested now. Al-Muraba’ah checkpoint is open
📍
حاجز المربعة أزمة
📍 Al-Muraba’ah checkpoint is congested now
ثم استطلعنا، بالشراكة مع معهد التقدم الاجتماعي والاقتصادي (ISEP)، مئات الأشخاص من أنحاء الضفة لنعرف تبعات الحواجز على حياتهم.
وتحققنا يدوياً من مواقع أكثر من 800 حاجز، مستعينين بصور الأقمار الصناعية والتغطيات الميدانية، كما رصدنا 2.6 مليار إشارة تحديد موقع (GPS) على الخريطة، صادرة عن سيارات في الضفة تشقّ طريقها عبر الإغلاقات.
174 ساتراً ترابياً
126 بوابة طرق مغلقة
115 عائقاً إسمنتياً لإغلاق الطرق
91 حاجزاً
74 بوابة طرق مفتوحة
69 حاجزاً جزئياً
63 عائقاً على الطرق
44 حاجزاً جزئيًا مع بوابة مغلقة
40 حاجزاً جزئياً مع بوابة مفتوحة
26 جداراً ترابياً
9 خنادق
1 حاجز طيّار
3 عوائق أخرى/لا توجد بيانات
كما رصدنا 2.6 مليار إشارة تحديد موقع (GPS) على الخريطة، صادرة عن سيارات في الضفة تشقّ طريقها عبر الإغلاقات.
وتحققنا يدوياً من مواقع أكثر من 800 حاجز، مستعينين بصور الأقمار الصناعية والتغطيات الميدانية.
174 ساتراً ترابياً
126 بوابة طرق مغلقة
115 عائقاً إسمنتياً لإغلاق الطرق
91 حاجزاً
74 بوابة طرق مفتوحة
69 حاجزاً جزئياً
63 عائقاً على الطرق
44 حاجزاً جزئيًا مع بوابة مغلقة
40 حاجزاً جزئياً مع بوابة مفتوحة
26 جداراً ترابياً
9 خنادق
1 حاجز طيّار
3 عوائق أخرى/لا توجد بيانات
يفوق عدد الحواجز الإسرائيلية الجديدة في السنوات الثلاث الأخيرة، عدد الحواجز المُضافة خلال الأعوام الـ 18 السابقة مجتمعة.
211 حاجزًا في عام 2023
624 حاجزًا في عام 2025
في المتوسط، يخسر السائق الفلسطيني في الضفة الغربية، مَن يتنقّل بسيارته عدة مرات أسبوعياً، نحو ساعة ونصف كل أسبوع فوق مدّة الرحلة الأصلية، في محاولة لتجنّب الحواجز. يعادل ذلك 77 ساعة مهدرة في السنة.
وفي حالات أخرى، يطول التأخير أكثر؛ فالطريق بين رام الله والعيزرية شرقي القدس، والتي كانت تستغرق 48 دقيقة لقطع مسافة 27 كيلومتراً، باتت تتطلب ساعة وأربعين دقيقة عبر مسار بديل طوله 45 كيلومتراً.
تُظهر بياناتنا أن السائقين في الضفة يضطرون لسلوك طرق معقدة لتفادي الحواجز العسكرية.
ووفقاً للمسار الوسيط المسجلة في بياناتنا، فإن من يتنقل ذهاباً وإياباً أربعة أيام في الأسبوع يخسر نحو سبع ساعات إضافية من وقته أسبوعياً.
أما من يتنقّل أربعة مرات أسبوعياً بين رام الله والخليل، فتُسلب منه أكثر من 12 ساعة إضافية أسبوعياً.
ولا تفصل بين بلدتَي عنبتا وبيت ليد شرق طولكرم سوى خمسة كيلومترات تقريباً.
كانت تُقطع سابقاً في 10 دقائق، لكنّها تستغرق اليوم 50 دقيقة في كل اتجاه.
وفي المحصلة، يخسر الفلسطينيون في الضفة الغربية، مجتمعين، ممن يتنقلون بانتظام وغيرهم، ما يعادل 30 عاماً من أعمارهم كل يوم.
بإمكان البيانات إحصاء الحواجز، وتوثيق الساعات الضائعة عند البوابات المغلقة؛ لكن كيف تقلب هذه المنظومة حياة عائلة واحدة وتعيد تشكيلها؟
طريق الجامعة المسدود
قبل نحو عشر سنوات، عادت أمل مع عائلتها من الولايات المتحدة إلى قرية الجانية شمال غرب رام الله، وبنوا بيتاً له حديقة، وقبالته إطلالة جبلية بديعة.
حين وصلت العائلة، كان قد مضى على إغلاق المدخل الرئيسي للجانية أكثر من عشر سنوات. أغلق الاحتلال الطريق الشرقية عام 2003، لتصبح اليوم مدخلاً لمستوطنة “تلمون” المقامة على أراضي القرية.
لم تعرف عائلة أمل* إلا الطريق غرباً، عبر قرية راس كركر المجاورة. خمس عشرة دقيقة كانت تفصلهم عن محل يملكه زوجها في رام الله.
ثم تواصل ابنتها لينا* المسار ذاته في طريقها إلى الجامعة، حيث تدرس هندسة الحاسوب.
في حال فتح الطرق، تستغرق رحلة لينا اليومية نحو 20 دقيقة لقطع 12 كيلومتراً.
غير أن الطرق الالتفافية حول الإغلاقات ضاعفت المسافة إلى 32 كيلومتراً، تستنزف 47 دقيقة.
أما ابنتها دانا*، فتقطع الطريق الأطول إلى جامعة أخرى، لتصبح أول طبيبة أسنان في العائلة.
بإمكان دانا إتمام رحلتها لـ 35.5 كيلومتر في 47 دقيقة. لكنّها غالباً ما تستغرق 90 دقيقة الآن.
الجانيةراس كركررام اللهجامعة بيرزيتجامعة القدس
في كل يوم تتجه فيه دانا ولينا إلى الجامعة، تخسران نحو ساعة يومياً عند الحواجز وفي الطرق الالتفافية. وبحساب الساعات على مدار العام الدراسي، تخسر كل منهما نحو ثلاثة أيام بلياليها.
تقول أمل: “إحنا لفّينا لفّينا ورجعنا لنفس النقطة… والله بدوخ، أنا بدوخ… بس توصليها، بتزعلي. بتصيري تقولي شو هالعيشة؟”. “بتحمّل مرة مرتين، سنة، سنتين، بس لمّا يزيد الشيء على حدّه، بتقدريش تتحملي”.
قال 30 في المئة من الفلسطينيين المستطلعين في الضفة إن الحواجز منعتهم من بدء تعليمهم الجامعي أو استكماله. إذ يضطر معظم الطلبة، المقيمين خارج المدن الكبرى، إلى اجتياز حاجز عسكري واحد على الأقل للوصول إلى أقرب جامعة.
الصيف الماضي (2026)، قررت عائلة أمل الانتقال إلى رام الله، كي لا تتكبد عناء سنة دراسية أخرى في الجانية. تقول أمل: “صحيح الواحد بزعل إنه طلع من بلده، بس غصب عنه”.
واحد من كل عشرة أشخاص في الضفة يقولون إنهم انتقلوا إلى مدن أو محافظات أخرى بسبب الحواجز، إضافةً إلى 31 في المئة يفكرون في الانتقال للسبب ذاته.
عالمٌ أضيق، فأضيق
أُغلقت الطرق التي كانت تربط فلسطين ببعضها؛ بالحدود العسكرية والقيود، وعبر التصاريح الإسرائيلية، وأخيراً بفرض مئات الحواجز.
تابع خليل التفكجي، خبير الأراضي والاستيطان، بناء هذه المنظومة على مدار العقود الماضية، ويقول إن الحواجز في الضفة تهدف إلى قطع التواصل بين المحافظات وخلق حالة من التشظي، إلى أن يبدأ المجتمع بالانغلاق على ذاته: “الانتماء بيصير للمدينة نفسها، مش للوطن”.
تراكمت طبقات المنظومة التي تحاصر الفلسطينيين على مدى عقود. أغلق الاستعمار البريطاني الطرق في بعض الأحيان، وانتهج عمليات التفتيش، وفرض قيوداً وتصاريح تحدد حق الفلسطينيين بالتنقّل والقيادة.
أيار/مايو 1948: النكبة
1948
في نكبة 1948، هجّرت العصابات الصهيونية أكثر من 750 ألف فلسطيني من بيوتهم، وأفرغت مئات القرى من أهلها أو دمّرتها.
أما مَن بقوا في فلسطين، ففرض عليهم الاحتلال حكماً عسكرياً دام ثمانية عشر عاماً، يمنعهم من العمل أو التجارة أو الدراسة أو العلاج خارج حدود بلداتهم، من دون تصريح إسرائيلي.
حزيران/يونيو 1967: حرب الأيام الستة / النكسة
1967
وحين احتُلت الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة عام 1967، طبقت إسرائيل منظومة التصاريح ذاتها هناك، فقسّمت الفلسطينيين إلى فئات، لكلٍّ منها لون بطاقة هوية مختلف، تحدد نطاق حركتهم وفقاً له.
كانون الأول/ديسمبر 1987: الانتفاضة الأولى
1988
وفي عام 1988، صنّفت تقارير اللجنة الخاصة، التابعة للأمم المتحدة، إغلاق مناطق في الأراضي المحتلة بأنه عقاب جماعي صريح.
1995
جاءت المرحلة الثانية من اتفاقات أوسلو عام 1995، والتي بموجب إطارها، تمهّد لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، غير أنها عمّقت تشرذم الفلسطينيين عبر تقطيع أوصال الضفة الغربية إلى معازل.
أيلول/سبتمبر 2000: الانتفاضة الثانية
2002
ومع مطلع الألفية، أصبحت الإغلاقات والتصاريح أمراً واقعاً، ففي 2002، شرعت إسرائيل في بناء جدار الضم والتوسع الممتد بطول 713 كيلومتراً، ويمرّ 85 في المئة منه داخل عمق الضفة الغربية.
2007
وفرضت حصاراً مستمراً يعزل قطاع غزة عن بقية فلسطين منذ عام 2007.
تشرين الأول/أكتوبر 2023: 7 أكتوبر
2023
ومن حينها، اشتدت تقييدات الاحتلال أكثر فأكثر.
2
0
2
6
منذ عام 1948، يرث كل جيل فلسطيني عالماً أضيق مما قبله. يروي الأجداد في جنين حكايات عن غداء في القدس، أو إجازة في بيروت.
وبينما يحن الآباء في الضفة لزيارة إلى غزة قبل سنوات، يتذكر أبناؤهم رحلات مدرسية إلى آثار أريحا، ومدينة الملاهي في طولكرم، وحديقة الحيوان في قلقيلية. أما اليوم، فلم يسبق لمعظم أهالي الضفة زيارة غزة قط، وفقاً لاستطلاع (ISEP). يقول أكثر من 40 في المئة ممن شملهم الاستطلاع إنهم لم يزوروا البحر في حياتهم، مع أنّهم يستطيعون رؤية ساحل المتوسط في الأفق من أعالي جبال الضفة.
تعيش الضفة اليوم فصلاً جديداً من التشظي، ثلاثة أرباع سكانها لهم أقارب في محافظات أخرى. لكنّ ربع الآباء والأمهات قالوا إن أبناءهم لم يلتقوا الأقارب من مناطق أخرى من الضفة. إنه جيل يُحاصر داخل جغرافيا ضيقة؛ إذ يقول نحو ثلث الشباب، دون الخامسة والعشرين، إنهم لم يغادروا محافظتهم طوال حياتهم.
في رده على أسئلة “وايرد”، قال الجيش الإسرائيلي إن “القرارات المتعلقة بنصب الحواجز وفتحها أو إغلاقها تُتَّخذ وفقاً لتقييمات الموقف الميداني والاعتبارات الأمنية فحسب”، مشيراً إلى أن هذه السياسة “تخضع للتعديل المستمر بناء على التقييم الميداني، مراعاة للموازنة بين حرية حركة السكان والمتطلبات الأمنية”.
وفي رسالة وجّهها إلى قيادة المنطقة الوسطى في حزيران/يونيو، بحسب ما أوردته صحيفة هآرتس، أوضح المستشار القانوني للجيش الإسرائيلي، كوبي ماركوس، أن تشديد منظومة الحواجز الحالي تجاوز أي مسوغ قانوني. وأضافت الصحيفة أنه حذر من أن تزايد قيود الحركة، المفروضة على السكان دون تخويل رسمي منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، قد ينتهك الحقوق الأساسية ومبادئ القانون الدولي.
وتصف ريما حمامي، أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة بيرزيت، الوضع الراهن بغير المسبوق: “كل تجمع سكاني، وكل قرية، وكل مدينة فلسطينية ستتحول إلى سجن منفصل. وإن لم تكن هناك مواجهة، سيستمرون في فرض ذلك دون توقف”.
شهدت مناطق أخرى من العالم حواجز عسكرية، كما في سريلانكا والعراق، لكن حمامي تؤكد أن لا مكان يضاهي المنظومة المقامة في الضفة الغربية من حيث “كثافتها، واتساع نطاقها، وشموليتها”.
تشتيت العائلة
على مدار ست سنوات ، تمحورت حياة الطبيبة ريم ياسين حول شارع 60 الاستيطاني، الممتد من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها، والطريق الرئيسة بين نابلس ورام الله.
عملت ياسين طبيبة مقيمة في قسم التخدير بمستشفى النجاح، أحد أهم المشافي في نابلس، على بُعد 45 كيلومتراً من منزلها في رام الله.
حين باشرت إقامتها الطبية عام 2020، قالت ريم إنّ رحلتها إلى العمل كانت تستغرق نحو أربعين دقيقة فقط. بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، أقام الجيش الإسرائيلي ثلاثة حواجز إضافية على أقصر طريق بين رام الله ونابلس، وتصاعدت وتيرة إغلاق الحواجز القائمة بينهما.
ومع ولادة ابنتها الأولى، يارا، بدأت ريم باصطحابها إلى منزل الجدة في عصيرة القبلية جنوبي نابلس يومياً، ليُضاف إلى الرحلة حاجزٌ جديد؛ “المربَّعة”، المتفرع من شارع 60.
يُظهر تحليل البيانات أن حاجز المربعة بات من أكثر الحواجز ازدحاماً في الضفة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023؛ إذ تحوّل مراراً إلى عنق زجاجة، يُخنق عبره المنفذ الوحيد لمدينة نابلس مع إغلاق الطرق الأخرى. يستغرق اجتيازه بين عشرين وثلاثين دقيقة في الظروف المعتادة، إلا أن التأخير لساعات لم يكن أمراً نادراً.
كانت ريم تحضّر حقيبتها ليلاً، كمن تستعد لرحلة طيران: وجبات خفيفة، ومضخة حليب، وملابس احتياطية لها وليارا. ثم تغادر شقتها في رام الله قبيل السادسة صباحاً، لإيصال ابنتها إلى عصيرة قبل اجتياز “المربَّعة”.
تقول: “بطّل عندي حياة، بشوف بنتي ساعة بالليل وبروح على الشغل، وباقي الوقت عالحاجز”. وهي واحدة من ثلث الأمهات والآباء في الضفة، الذين يقولون إن الحواجز تحرمهم بانتظام من رؤية أطفالهم قبل مواعيد النوم.
لا يمكن للفلسطينيين التنبؤ بأحوال الطرق، فلا أنماط متوقعة؛ قد تجتاز السيارات الحاجز فوراً من دون تأخير يُذكر، ثم تتغير الأحوال في لحظة، وتؤخرهم الإغلاقات المفاجئة لساعات على الحاجز نفسه. وفي 13 و14 حزيران/يونيو 2025، عندما بدأت إسرائيل بشنّ غاراتها الجوية على إيران، أُغلِقَ نحو 70 في المئة من الحواجز العسكرية بشكل مفاجئ، وفقاً لتحليلنا للبيانات المأخوذة من تليغرام؛ أي بزيادة قدرها 350 في المئة تقريباً، مقارنة بالأسبوع الذي سبق.
تَرى ألكسندرا رايكه، أستاذة الجغرافيا الثقافية التي أمضت سنوات في دراسة الحواجز بالضفة، أنّ انعدام القدرة على التنبؤ آلية أساسية يتّبعها الاحتلال؛ فعدم معرفة الفلسطيني إن كان بمقدوره الوصول إلى العمل أو المدرسة اليوم، وتعذّر توقعه لما قد يُعرّضه للعقاب، يترك أثراً بالغاً في حياة الناس. تقول رايكه: “إنّ التعسّف بحد ذاته عنف مفرط”.
تلتقي الطرق الواصلة بين محافظات الضفة الغربية بأكملها عند عدد من الحواجز.
إغلاقها كفيل بفصل الشمال عن الجنوب، ودفع السائقين بعيداً عن وجهتهم قبل أن يتمكنوا من العودة نحوها، وترك مدينة كاملة رهينة مخارج قليلة مراقَبة.
حاجز واحد يشطر الضفة
تضيق كل رحلة من جنوب الضفة نحو الوسط والشمال عند حاجز الكونتينر في وادي النار.
حاجز واحد يشطر الضفة
وحين تُغلق بواباته، تنقسم الضفة إلى شطريْن منفصليْن.
للاتجاه جنوباً، اتجه شمالاً
تمرّ أسرع طريق من رام الله نحو القدس الشرقية وجنوب الضفة بحاجز جبع.
للاتجاه جنوباً، اتجه شمالاً
وعند إغلاقه، غالباً لتأمين طريق سلسٍ للمستوطنين، يضطر الفلسطينيون إلى اتخاذ طرق التفافية بالاتجاه المعاكس: يتوجهون شمالاً ثم ينعطفون شرقاً، عودةً إلى وجهتهم في الجنوب.
مخارج قليلة تطوّق المدينة
ترتبط مدينة قلقيلية ببقية الضفة الغربية عبر منافذ معدودة.
مخارج قليلة تطوّق المدينة
وعند إغلاق مدخلها الرئيسي، يُدفع السائقون جنوباً قبل العودة شرقاً.
مخارج قليلة تطوّق المدينة
ومع إغلاق منفذها المتبقي، تكاد تصبح مدينة، يسكنها ستون ألف فلسطيني، معزولة تماماً.
كثيراً ما شاهدت رجالاً مثبّتين بوجوههم على مقدمات السيارات، وأيديهم مكبلة خلف ظهورهم، وسط صراخ الجنود. وفي طريق عودتها، كانت أحياناً تجد الرجال أنفسهم في المكان ذاته، على حالهم رهن الاحتجاز.
قال نحو ثلثي المشاركين في الاستطلاع إن الخوف والإهانة أكثر المشاعر الغالبة عليهم عند الحواجز. ومن بين الذين أُوقفوا على حاجز خلال الأشهر الستة الماضية (2026)، أفاد نحو 40 في المئة بأن مركباتهم خضعت للتفتيش، وذكر أكثر من 20 في المئة أنهم تعرّضوا للتفتيش الجسدي، فيما قال واحدٌ من كل سبعة تقريباً إن جندياً وجّه السلاح صوبه.
مع الوقت، لم يعد إيصال ابنتها إلى عصيرة مجدياً. فلجأت ريم في معظم الليالي إلى المبيت في منزل العائلة الأقرب إلى نابلس، وظل زوجها منتصر في رام الله، يزورها في بعض عطل الأسبوع، وينهي زيارته صباح السبت، قبل أن تشتد حركة المستوطنين على شارع 60 وتسوء أحوال الحواجز.
ولمّا كبرت يارا، بدأت بطرح الأسئلة: “يومياً، كل ما نفتح عينينا الصبح، بتسألني: ماما، لیش ما أخذتینا عند بابا؟”.
في النهاية، فاقت الحواجز قدرة ريم على الاحتمال. لم يكفِ الانتقال إلى بيت العائلة، وظلت تخسر ساعات على الحواجز. وبعد ولادة طفلها الثاني مطلع هذا العام (2026)، قررت عدم العودة إلى العمل، ومدّدت إجازة الأمومة، لتعيد التفكير فيما سيأتي: إما استراحة مؤقتة، أو البحث عن وظيفة أقرب إن وُجدت، أو ربما فرصة خارج فلسطين. تقول: “خلص ما بدي أعيد تجربتي مع يارا”. منذ ذلك الحين، استقالت ريم من عملها في المستشفى.
تأخير قاتل
في صيف 2024، أطلقت القوات الإسرائيلية النار على شاب من قرية عصيرة القبلية. كانت إصابة في الساق ولا تشكّل خطراً على حياته، لكن بعد احتجاز الاحتلال سيارة الإسعاف التي تنقله عند أحد الحواجز لنحو ساعة، تفاقمت حالته إلى “صدمة نزفية” حادة، كما تروي ريم.
وكانت ريم الطبيبة التي استقبلته، ضمن فترة تدريبها في مستشفى رفيديا الحكومي بنابلس. حاولت إنعاشه، لكن هبط ضغط دمه إلى مستويات حرجة.
تستذكر ريم تلك اللحظات قائلة: “كنا راح نفقده بلحظات معينة، بدك تضلي تعطیه دم دم دم”. نجا الشاب، لكن ما حدث معه ليس استثناء؛ إذ يقول نحو ثلثي السكان في الضفة الغربية إن الحواجز العسكرية شكلت عائقاً أمام وصولهم إلى الرعاية الطبية.
بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وأيلول/سبتمبر 2026، وثّقت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني 237 حالة منعت فيها قوات الاحتلال وصول طواقم الهلال الطبية للمصابين والمرضى، و240 حالة تأخير لمهماتها الطبية على الحواجز وغيرها. ومن الحوادث التي شهدها مطلع 2026: احتجاز جنود لطاقم طبي عند حاجز صرّة، وإلقاء الجنود مفاتيح سيارات الإسعاف أسفل منحدر جبلي عند حاجز حوارة، واضطرار المسعفين لنقل امرأة فلسطينية في مخاض الولادة بين مركبتين عبر بوابات مغلقة. وردّاً على أسئلة “وايرد” بشأن إعاقة الطواقم الطبية، قال الجيش الإسرائيلي: “وفقاً للقانون الدولي، يتيح الجيش الإسرائيلي حرية الحركة للمركبات الطبية؛ بما فيها سيارات الإسعاف، بغرض تقديم العلاج الطبي وإخلاء الجرحى”.
تخلّف هذه الإعاقات عواقبَ قاتلة، إذ يعزو الهلال الأحمر وفاة 25 شخصاً منذ عام 2023 إلى عرقلة الاحتلال لعمل طواقمه الطبية. في تموز/يوليو 2026، أفادت أنباء بوفاة الرضيع الفلسطيني أحمد زيد، إثر منع المركبة التي كانت تقله من عبور أحد الحواجز لأكثر من ساعة.
استجابة لهذه الظروف، أنشأ الهلال الأحمر نقاط إسعاف ميدانية قريبة من التجمعات السكانية، بعدما تكررت عرقلة سيارات الإسعاف، ولم يعد الوصول إلى المستشفيات مضموناً. كما بدأت منظمة أطباء بلا حدود بتدريب متطوعين على الإسعافات الأولية؛ لتمكينهم من التعامل مع الحالات الطارئة عند تأخير سيارات الإسعاف أو منعها من اجتياز الحواجز.
المبيت في الشركة
منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، سجّلت حواجز نابلس معدلات تأخير هي الأعلى في الضفة الغربية. يقضي سكان المدينة، في المتوسط، أكثر من ساعة وخمسين دقيقة أسبوعياً في محاولة لتفادي الحواجز، فيما يبلّغ مَن يتنقلون بانتظام للعمل أو الدراسة عن فترات تأخير أطول. من بين هؤلاء، علي الحاج علي، الذي يعمل منذ عشر سنوات في شركة “سما للصناعات الدوائية” شرق المدينة، ويشرف اليوم، في السابعة والثلاثين من عمره، على صيانة خطوط الإنتاج. يغادر عند انتهاء المناوبة في الرابعة والنصف عصراً، ولا يتوقع الوصول إلى بيته قبل الثامنة مساء في أحسن الأحوال، رغم أن المسافة لا تتجاوز ستة عشر كيلومتراً، من منزله في بلدة جماعين.
وفي بعض الليالي، يتعذّر عليه الوصول إلى بيته أصلاً، فيضطر إلى النوم في الشركة، داخل مساحة جُهّزت بالأساس إبان جائحة كورونا؛ لا تتضمن سوى سرير واثني عشر فراشاً، تجدّدت الحاجة إليها لمن انقطعت بهم سبل العودة إلى منازلهم.
غرفة داخل شركة سما للصناعات الدوائية جُهزت بمفارش للنوم.
عندما تُغلق الحواجز، يضطر موظفو شركة “سما” أحياناً إلى المبيت في مكان العمل. تصوير: لما رباح
يقول علي الحاج علي: “أولادي، وزوجتي، وأمي وأبوي، يا دوب كنت أشوفهم. وأنسى صحاب، أنسى أعراس، مناسبات”. لكنّه لا يستطيع التخلي عن وظيفته، ولا خيار أمامه.
يتحدث علي عن تجربته وهو يجلس في غرفة الاجتماعات بشركة “سما” إلى جانب زميلته عهود خطاطبة. سرعان ما بدأ كل منهما يكمل تفاصيل حكاية الآخر، يستحضران “أزمة حواجز نابلس”، كما يسميّانها، في عامي 2024 و2025. كان علي يصل إلى الحاجز في بعض الصباحات، فينتظر لساعات، قبل أن يُحبط ويعود أدراجه إلى المنزل.
يقول: “فش إشي مضمون، بلادنا هيك.. بلادنا يا نَصيب”.
عهود، مديرة ضمان الجودة في المصنع، في الثامنة والثلاثين من عمرها وأم لثلاثة أبناء. تقع بلدتها، بيت فوريك، جنوب شرقيّ نابلس، وتجثم على مدخل البلدة بوابة واحدة للدخول والخروج، تتحكم بمسار يومها بأكمله.
اضطرت البلدة إلى وضع بروتوكول خاص، كما تسميه عهود: مقابل كل ثلاث سيارات خاصة تعبر سيارة أجرة واحدة. أما الإيقاع فخارج سيطرتهم، يقطعه تبديل الجنود للمناوبات.
في أفضل الأحوال، حين تكون البوابة مفتوحة والسير سالكاً، تستغرق الطريق من شركة سما إلى بيت فوريك خمس عشرة دقيقة. لكنها استغرقت منها أكثر من خمس ساعات يومياً على مدار عام ونصف، ووصلت في أشد الأيام سوءاً إلى عشر ساعات من الانتظار. في عام 2024، أنهى ابنها امتحانه النهائي في مادة الأحياء بمدرسته في نابلس قبيل انتهاء مناوبتها. كان لقاؤهما عند بوابة بيت فوريك في الرابعة والنصف عصراً، وسط طابور تكدست فيه السيارات، جميعها تحاول اجتياز المنفذ الوحيد لبلدة يسكنها نحو ستة عشر ألف نسمة.
انتظرا هناك معاً، حتى الثالثة فجراً.
تقول: “الموظف العادي، الي ما بفصله عن الشغل حاجز، بيكون رّوح وأكل وتحمم ونام وصار يحلم، وأنا لسا على الحاجز”.
أعادت الحواجز تشكيل سياسات التوظيف في الضفة الغربية، إذ اضطرت شركة “سما” إلى رفض مرشحين ذوي كفاءات عالية، بعد تقييم الحواجز التي يتوجب عليهم اجتيازها للوصول إلى العمل، بحسب عهود، وأدرجت شرطاً صريحاً في إعلانات التوظيف؛ أن يكون المتقدمون من سكان المحافظة نفسها، ولديهم القدرة على تحمّل ضغط التنقّل.
أواخر عام 2025، أصيب ابن عهود الأصغر، أوس، باليرقان بعد مولده بأسبوع. اصطحبته مع زوجها إلى المستشفى. في طريق العودة، كان الجنود يشرعون في إغلاق البوابة.
“ارجعوا”، صرخ الجندي بالعربية عبر البوابة.
“وين نرجع؟” سأل الزوج. “معانا ولد مريض”.
رفع الجندي سلاحه مصوباً نحوهما، حسبما ذكرت عهود، فقالت لزوجها: “مشان الله، نرجع”، لكنه حاول مرة أخرى، عارضاً أن يعود أدراجه وحده إن سمح الجنود لعهود والرضيع بعبور البوابة سيراً على الأقدام. فقد الجندي أعصابه: “قال له بطُّخَك”.
عادا للانتظار في الطابور لمدة ساعة ونصف، الرضيع يبكي بين ذراعيْ أمه، إلى أن فتح الجندي البوابة من جديد.
حياة ثانية
يقول عارف جابر إنه بحلول عام 2000، أُغلقت كل الطرق إلى حي جابر في الخليل، الذي يحمل اسم عائلته، بالسواتر الترابية والمكعبات الإسمنتية. وفي عام 2010، كانت قوات الاحتلال قد نصبت بوابات حديدية وحواجز يتمركز عندها الجنود. وقبل ثلاث سنوات، فُرضت إغلاقات جديدة على مداخل البيوت نفسها، وأُحيطت البوابات بسياج حديدي مُحكم.
يقع الحي بين الحرم الإبراهيمي والبؤر الاستيطانية في قلب المدينة ومستوطنة كريات أربع. يتاح إليه منفذ واحد: باب دوّار، وغرفة تفتيش مزودة بأجهزة مسح إلكتروني، وبوابة حديدية، وبرج مراقبة عسكري، تشكّل مجتمعةً حاجز 160. يقول جابر عن اجتيازه: “كأننا بندخل من بلد لبلد”، غير أن البلد على الجهة الأخرى ليست سوى بيته.
فرضت القوات الإسرائيلية، لأشهر أعقبت تشرين الأول/أكتوبر 2023، حظر تجول ليلياً على الحي من العاشرة حتى السابعة صباحاً. أما اليوم، فيُغلق الحاجز كل نهاية أسبوع، بدءاً من ظهيرة يوم الجمعة حتى صباح الأحد، فيُحظر على الأهالي الخروج من الحي أو الدخول إليه. يقول عارف إن من توافيهم المنيّة يوم الأحد محظوظون، إذ يمكن دفنهم في اليوم نفسه؛ أما من يموت يوم السبت فعلى ذويه تأجيل دفنه حتى يعاد فتح الحاجز.
وينتظر أهالي الحي موافقة إسرائيلية على كل كبيرة وصغيرة، من إخلاء مريض، أو إقامة جنازة، إلى إدخال أسطوانة غاز للطبخ. يعبرون الحاجز على الأقدام، يصعدون التلة، حاملين مرضاهم ومشترياتهم إلى الحي، ويجرّون حقائبهم نزولاً نحو الحاجز. كان عارف ينوي تسجيل حفيده، ذي الستة أعوام، في مدرسة أساسية على بعد خمسين متراً من المنزل، لكنها خلف ساتر ترابي ملفوف بالأسلاك الشائكة، ما يعني أن الوصول إليها يتطلب قطع مسافة ثلاثة كيلومترات على طرق تحت سيطرة المستوطنين. يلوّح عارف لأبناء عمومته، الذين يسكنون خلف الساتر الترابي، قائلاً: “عندهم حياة ثانية هناك، إحنا في المنطقة المغلقة”.
انتشر المقطع في أنحاء الضفة خلال ساعة. ساد الارتباك، هل هذا حقاً ما يحدث؟ أزال الاحتلال حواجزه في الضفة؟
عند الساعة 5:57، كان مشرفو مجموعة “أحوال الطرق” على تليغرام يتبادلون المزاح، يقول أحدهم إنّ عليه البدء بشطب الحواجز من دفتره.
الساعة 6:10، نشرت المجموعة أن الجنود قد عادوا. وبعدها بدقيقتيْن: أُغلقت البوابات.
لم يُنشر أي تفسير رسمي لما حدث. رجّح البعض أنه مجرد تدريب للقوات الإسرائيلية، وظنّ آخرون أنه تبديل ورديات فحسب. لكن الناس سمحوا لأنفسهم، لساعات قليلة، بتخيّل الضفة الغربية بلا حواجز؛ ضفة تُقطع من أقصى جنوبها إلى شمالها، مسافة مئة وثلاثين كيلومتراً، في أقل من ساعتيْن.
وللحظة، اختبروا عالماً يملكون فيه رفاهية التخطيط لليوم التالي وللساعة المقبلة؛ عالماً تصل فيه ابنة أمل إلى المحاضرة في دقائق معدودة، ولا تضطر فيه ريم إلى ترك عملها لتجتمع بزوجها وابنتيْها. تخيلوا عالماً يصل فيه عَلي قبل موعد نوم أطفاله، وتأخذ فيه عهود ابنها إلى المستشفى من دون أن تُصوّب نحوها بندقية. عالم يمكنك فيه مواصلة القيادة، ربما إلى حيفا، وغزة، وحيثما شئت.
وعندها، يمشي عارف جابر في شارعه، ماراً بتلك السلالم التي لم يعد بحاجة إليها. سيفتح باب المنزل، ويغدو أخيراً في بيته.
أُنتج هذا التحقيق بالشراكة بين أريج ومختبر فلسطين للصحافة ولايت هاوس ريبورتس، ونُشر بالإنجليزية في موقع وايرد




