رغد هيثم
تبدأ حكاية الزيتون قبل أن تمتد الأيدي إلى ثماره في الخريف بوقت طويل حين يتفقد الفلاح أغصان شجرته، وينظر إلى حملها، و يقرأ من شكلها ما ينتظره في الموسم، فشجرة الزيتون لا تُترك حتى موعد القطاف؛ بل ترافقها العناية على مدار العام من التقليم والتهذيب إلى المتابعة حتى تأتي أيام الخريف ويحين موعد الجِداد.
ولعل مشهدًا من مسلسل “التغريبة الفلسطينية” يختصر هذه العلاقة القديمة بين الفلاح وشجرته، في أرض عائلة أبو أحمد يقف صالح متفقدًا شجرة الزيتون، بينما يعمل أحمد ومسعود في الأرض، وتصل شقيقتهم خضرة وهي تحمل “بقجة” الطعام، وحولهم فلاحون آخرون يعملون وكأن الأرض كلها دخلت في إيقاع واحد.
المشهد لا يحتاج إلى كثير من الكلام فكل شيء فيه يقول إن الزيتون ليس ثمرة تُقطف في أيام معدودة، وإنما شجرة تعيش مع أهلها عامًا كاملًا ويعيشون معها، و تختصر الأمثال الشعبية هذه العلاقة بقولهم: “الزيتونة مثل ما بدك منها بدها منك”.
الموسم المنتظر
يأتي الخريف و تقترب اللحظة التي انتظرها الفلاح طوال العام؛تتغير ملامح الثمار مع نضجها، وتبدأ العائلات في الاستعداد لأيام الجِداد؛ تُفرش “الشوادر” تحت الأشجار، وتُجهّز السلال والأكياس، وتستعد الأيدي للنزول إلى الأرض.
هنا يبدأ الجِداد موسم قطاف الزيتون الذي ينتظره الفلسطينيون من عام إلى آخر، والجِداد ليس مجرد جمعٍ للثمار؛بل أيام تتحول فيها الأرض إلى مساحة تجمع؛ يعمل الرجال والنساء والأطفال، وتتوزع الأيدي بين الأغصان والشوادر والسلال، فيما يمضي النهار بين حركة القطاف وأحاديث العائلة.
وفي القرى والبلدات التي ترتبط أراضيها بالزيتون على نحو وثيق، تبدو هذه الأيام أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة يخرج أفراد العائلة معًا، ويتجاورون في الأرض ويحملون معهم طعامهم وشايهم، وكأن يوم الجِداد يفتح للبيت امتدادًا آخر بين الأشجار.
و مع طول النهار يبدو الوقت أقصر مما هو عليه؛ حيث تبدأ ساعات العمل منذ الصباح الباكر، ولا يشعر أهل الأرض إلا والشمس تميل نحو الغروب، ومن هنا جاء القول الشعبي :”نهار الزيت إن أصبحت أمسيت”، قول يختصر يومًا طويلًا يَمُرُّ سريعًا بين الأغصان.
خبزة وزيت وحكاية البيت
في أيام الجِداد، تحمل العائلة معها “بقجة” الطعام وما يكفيها لساعات العمل، وحين تحين الاستراحة تُشعل النار بين الأشجار، ويُوضع عليها إبريق الشاي ، وتُحضّر قلاية بندورة بزيت الموسم السابق أو وجبة بسيطة من حواضر البيت؛ فطعام الجِداد يتميز ببساطته، ولا يحتاج إلى كثير من التحضير بقدر ما يحتاج إلى أن يكون سريعًا ودافئًا ومشتركًا.
ولعل مشهد خضرة وهي تحمل بقجة الطعام في “التغريبة الفلسطينية” يشبه كثيرًا هذه الصورة؛ الطعام يغادر البيت إلى الأرض و هناك يأخذ مكانه بين ساعات العمل والاستراحة فيصبح للحبة واللقمة معنى آخر؛ لأنهما تؤكلان في المكان الذي يأتي منه الرزق.
ولهذا بقي الزيت حاضرًا في أمثال الفلسطينيين المرتبطة بالطعام والمونة، مثل :”الخبز والزيت سبعين في البيت”.
وفي مشهدٍ آخر في “التغريبة الفلسطينية”، تختصر جملة قصيرة مكانة الزيت داخل البيت، حين يأتي الحديث عن الحاجة إلى المال وشراء الدفاتر، فيكون الرد:”الدفاتر ألزم يما، بنتعشى زيت ورصيع”.
قد تبدو الجملة عابرة في سياق الحوار لكنها تفتح بابًا على حياة كاملة؛ فالزيت هنا ليس مجرد محصول يخرج من الأرض ثم يجد طريقه إلى السوق بل طعامٌ يمكن أن تعتمد عليه الأسرة، و مونةٌ تحفظها لأيامها، ورزقٌ يدخل في حسابات البيت مثل الخبز والطحين.
خريطة الزيتون الفلسطيني
في فلسطين لا تبدو شجرة الزيتون واحدة تمامًا حتى وإن تشابهت أغصانها من بعيد، ففي موسمها تحمل الأشجار ثمارًا قد تبدو متشابهة للعين؛ لكن لكل ثمرة حكايتها في شكلها وحجمها و موعد نضجها و حتى في الطريق الذي تسلكه بعد القطاف، بين زيت يُعصر وزيتون يُكبَّس و أصناف تجمع بين الاثنين.
وعلى امتداد الأراضي الفلسطينية تنوعت أصناف الزيتون على مر السنين حتى أصبح لكل صنف خصائص تميزه عن غيره؛فبعضها يلائم المناطق الحارة، وأخرى تتحمل الجفاف والظروف الصعبة فيما تتميز أصناف بإنتاج الزيت وتبرز أخرى على موائد الكبيس.
وإلى جانب الأصناف المحلية، دخلت إلى فلسطين أصناف من مناطق أخرى، لتتسع بذلك خريطة الزيتون وتتنوع حكاياتها.
النبالي البلدي
يُعد النبالي البلدي من الأصناف المحلية الرئيسية والأكثر انتشاراً في فلسطين، وارتبط اسمه بأكثر من رواية؛ فهناك من ينسبه إلى بيرنبالا قرب القدس، فيما يربطه آخرون بمدينة نابلس، بينما عُرف في بعض المناطق باسم “الرومي”. وتظهر المراجع الزراعية أن النبالي البلدي من الأصناف ثنائية الغرض، أي أن ثماره تصلح لإنتاج الزيت والكبيس.
وتتميز ثماره بحجم متوسط، فيما تختلف صفاته باختلاف البيئة التي تنمو فيها الأشجار. ويُعد من الأصناف التي تكيفت مع ظروف الزراعة الفلسطينية، وخصوصاً في المناطق الجبلية.
ويبدأ نضج ثماره في الخريف، وتُستخدم في إنتاج الزيت كما تدخل في إعداد الكبيس، لتبقى الشجرة حاضرة في أكثر من مرحلة من مراحل المونة الفلسطينية.
النبالي المحسن
ومن الأصناف المنتشرة في فلسطين النبالي المحسن، الذي يزرع خاصة في المناطق التي تتوافر فيها مياه الري أو الري التكميلي، ويُعرف أيضًا باسم “الرضيعي” في بعض المراجع. وهو من الأصناف ثنائية الغرض؛ إذ تستخدم ثماره للكبيس ولإنتاج الزيت.
وتتميز ثماره بكبر حجمها مقارنة بالنبالي البلدي، كما يتميز بإنتاجية مرتفعة، وهو ما ساعد على انتشاره في عدد من المناطق الفلسطينية.
وعند استخدام الثمار للكبيس تُقطف قبل اكتمال نضجها، بينما تُترك حتى تنضج عندما يكون الهدف استخراج الزيت. وتبلغ نسبة الزيت فيه عند النضج نحو 18–20% وفق بيانات إحصائية زراعية فلسطينية.
الرصيصي أو الرصيعي
ومن الأسماء المرتبطة بعائلة النبالي الرصيصي أو الرصيعي، وهي تسمية لا تشير بالضرورة إلى صنف مستقل؛ إذ تُطلق على أصناف وسلالات من النبالي تصلح للكبيس الأخضر، ومن بينها النبالي المحسن.
وهنا تكشف التسمية نفسها جانبًا من تنوع أسماء الزيتون في فلسطين؛ فقد يحمل الصنف الواحد أكثر من اسم بحسب المنطقة أو الاستخدام أو ما تناقله المزارعون عبر الأجيال.
السوري “السُّري” أو الصوري
وبالقرب من النبالي في الشكل والصفات يأتي السوري، الذي يُعرف أيضاً باسم “الصوري”، وهو من الأصناف القديمة المنتشرة في فلسطين وبلاد الشام.
ويتميز الصنف بثماره المستطيلة نسبيًا، ويستخدم لإنتاج الزيت والكبيس. وتُظهر البيانات الزراعية الفلسطينية ارتفاع نسبة الزيت فيه، مع اختلاف خصائصه بحسب المنطقة وظروف الزراعة.
ويرتبط اسم “الصوري” برواية تنسب أصل التسمية إلى مدينة صور في لبنان، فيما تشير دراسات الزيتون في فلسطين إلى أن الصوري من الأصناف الرئيسية التي تنتشر إلى جانب النبالي البلدي والنبالي المحسن.
وتتأخر مواعيد نضجه باختلاف المناطق ودرجات الحرارة، لذلك قد يمتد موسم قطافه في المناطق الأبرد إلى وقت متأخر من الخريف.
ولا ينتهي طريق الصوري عند المعصرة؛ فثماره تدخل أيضًا في إعداد الكبيس، ليجمع الصنف بين استخدامين أساسيين في المائدة الفلسطينية.
المَلِيسِي
يظهر المَلِيسِيّ في المناطق الأكثر دفئًا، وهو صنف محلي قديم عُرف في بعض المناطق بأسماء أخرى. وتساعد صفات شجرته وأوراقه وثمارِه على تمييزه عن الأصناف الأخرى.
ويُعد المليسي من الأصناف المحلية المعروفة في فلسطين، إلى جانب النبالي البلدي والنبالي المحسن والصوري. وتشير المصادر إلى ملاءمته للمناطق الحارة، فيما يستخدم بصورة أساسية لإنتاج الزيت.
وهكذا يحتفظ المليسي بمكانه ضمن التنوع المحلي للزيتون الفلسطيني، حتى وإن كان أقل انتشارًا من الأصناف الرئيسية.
البَرِّيّ
وفي المناطق الجبلية تظهر أشجار الزيتون البري، وهو اسم يضم أشكالًا وسلالات برية تختلف في صفات الشجرة والأوراق والثمار.
وتكمن أهميته الزراعية في قدرته على النمو في ظروف قاسية، وهو ما جعله مرتبطًا تاريخيًا بعمليات إكثار الزيتون وتطعيم الأصناف المزروعة.
ومن هنا لا تكون قيمة الشجرة في كمية الثمار التي تنتجها فقط؛ فالشجرة البرية قد تكون بداية لشجرة أخرى تحمل صنفًا مرغوبًا من المزارع، بعد تطعيمها بالصنف الذي يريد زراعته.
الذكاري (الدكاري)
ولا تتوقف حكاية الزيتون عند الأصناف التي تصل ثمارها إلى المعصرة أو المائدة؛ فهناك أشجار ارتبط وجودها بوظيفة أخرى داخل البستان.
ومن بينها ما يُعرف محليًا باسم الذكاري أو الدكاري، وتشير المصادر الزراعية الفلسطينية إلى أن الاسم أُطلق على عدة أصناف أو سلالات موجودة بأعداد قليلة في مناطق مختلفة، و تتميز بقوة حيوية حبوب اللقاح في الأزهار المذكرة، وهو ما يُعتقد أنه أحد أسباب وجودها في البساتين.
وترتبط بعض أشكال الزيتون البري في الممارسة الزراعية باستخدامها كأصول تُطعّم عليها أصناف أخرى، مستفيدةً من قوة الجذور وقدرتها على التكيف مع الظروف الصعبة.
وبذلك لا تُقاس أهمية هذه الأشجار بكمية الزيت التي تنتجها؛ و إنما بدورها في إكثار الزيتون والمحافظة على الأشجار وإسناد أصناف أخرى من خلال التطعيم.
النَّصُوحِيّ جبع
وبعيدًا عن الأصناف الأكثر انتشارًا، بقيت أصناف أخرى بأعداد محدودة تحفظها أشجار قديمة في مناطق معينة، من بينها النصوحي جبع.
ويظهر اسم النصوحي جبع ضمن الأصناف المحلية التي وثقتها المراجع المتخصصة في التنوع الوراثي للزيتون الفلسطيني، إلى جانب أصناف أخرى أقل انتشارًا من النبالي البلدي والنبالي المحسن والصوري.
ويحمل الصنف اسم الباحث والكاتب علي نصوح الطاهر، صاحب كتاب “شجرة الزيتون”، الذي وثق عددًا كبيرًا من أصناف الزيتون في فلسطين.
وتكشف هذه الأصناف الأقل انتشارًا أن خريطة الزيتون الفلسطيني لا تختصر في الأنواع التي تملأ الحقول اليوم؛ فبعض الأصناف بقي محفوظًا في أشجار محدودة، تحمل معها أسماء وذاكرة زراعية مرتبطة بمناطق بعينها.
ضيف إسباني في بساتين فلسطين
ولم تبقَ خريطة الزيتون في فلسطين محصورة في الأصناف المحلية فقد وصلت إليها أصناف من خارج المنطقة من بينها أربكوين Arbequinaالقادم من إسبانيا، والذي يوجد في فلسطين بأعداد محدودة.
تتميز شجرته بقدرتها على تحمل الحرارة والجفاف والصقيع، كما و تتمتع بإنتاج جيد ومنتظم ؛أما ثماره فصغيرة ومستديرة وغنية بالزيت، و يستخدم الصنف أساسًا لإنتاج الزيت.
وهكذا أضاف الأربكوين اسمًا جديدًا إلى قائمة الأصناف الموجودة في فلسطين إلى جانب عشرات الأصناف والسلالات التي عاشت في الأرض قبل وصوله بسنوات طويلة.
ومع توسع الزراعة ودخول أصناف جديدة، ظهرت في فلسطين أصناف عالمية أخرى مثل المانزانيلا ((Manzanilla المعروف باستخدامه الواسع في إنتاج زيتون المائدة، إلى جانب أصناف مثل كالاماتا (Kalamata) اليوناني المعروف بثماره الداكنة واستخدامه كزيتون مائدة.
وهذه الأصناف تمثل جانبًا أحدث من خريطة الزيتون، إلى جانب مجموعة الأصناف المحلية التي تشكل الجزء الأقدم من هذا التنوع.
وهذه الأسماء ليست مجرد تصنيفات زراعية فقد دخل بعضها في الذاكرة الشعبية واللغة اليومية، وصار الفلاح يصف الصنف من خلال زيته، وثمرته، وحتى سهولة قطافه، ومن هنا جاء القول: “الزيتون النبالي زيته سيّال ولقاطه بهدّي البال”.
إيقاع العمل
لا يمضي الجِداد كله في صمت فبين الأغصان والشوادر، رافقت الأهازيج موسم الزيتون، وصارت الكلمات جزءًا من إيقاع العمل، و منها:
” يا زيتون الحوّاري صَبّح جدّادك ساري
يا زيتونِ الصواوين ع جدّادكِ الله بعين
يا زيتونِ العماير لجّدادك أنا ساير
يا زيتونِ المحفّر عن جدّادك ما بتأخر
يا زيتونْ اللي بالواد جدّيتَك وأنا الجدّاد
يا زيتونْ الحرايق جمعنا عليكِ الخلايقُ”.
حتى آخر حبة
ولا تنتهي الحكاية عند آخر أغنية أو شادر فمع انتهاء الجِداد وحمل الأكياس بعيدًا عن الأرض قد تبقى بعض حبات الزيتون على الأغصان أو بين الأعشاب والحجارة، وهنا يبدأ التَبَعُّر -بلهجة أهل الريف- أي البحث عمّا غفل عنه القاطفون، وقد كان التَبَعُّر قديمًا من مهام النساء والفتيات، اللواتي كُنَّ يخرجن إلى حقول القرية والقرى المجاورة لجمع ما تبقى من الزيتون، في ما يصفه الكاتب وليد سيف بأنه “عملية مُضنِية” فلم يكن موسم الزيتون ينتهي بانتهاء القطاف؛ بل تمتد أيامه حتى تُجمع آخر حباته.
وبعد أن تغادر الثمار الأشجار تبدأ رحلة أخرى نحو المعصرة، تُحمل الأكياس من الأرض ويصبح السؤال: كيف تتحول هذه الحبات التي جمعتها الأيدي إلى زيت؟
قديمًا اعتمدت المعاصر الفلسطينية على الحجر، و من بينها نظام البَدّ، حيث تُطحن الثمار وتُعصر بوسائل تعتمد على الحجر، ثم يُفصل الزيت عن بقايا الثمار، ومع مرور الزمن دخلت الآلات الحديثة وتطورت المعاصر لكن بقيت الرحلة في جوهرها واحدة: من الثمرة إلى الزيت.
ولم تكن المعصرة مجرد مكان للعصر بل محطة يرتبط بها مصير المحصول نفسه، ويظهر ذلك في مشهد آخر من “التغريبة الفلسطينية” حين يصل صالح وأبناؤه بزيتونهم إلى المعصرة فيمنعهم أبو عايد من عصره، فتتعطل رحلتهم من الثمر إلى الزيت و يجدون أنفسهم أمام خسارة محصولهم؛ وبينما يخرجون من المكان يتقدم إليهم بعض التجار ويسألونهم إن كان الزيتون للبيع، في مشهد قصيرتتحول المعصرة من مكان للعصر إلى نقطة يتحدد عندها مصير تعب موسم كامل.
موسمٌ يسند عامًا
و وراء الفرح الذي يصاحب موسم الزيتون هناك حسابات تبدأ مع أول حبة تُجمع: كم أعطت الشجرة؟ كم سيخرج منها من الزيت؟ كم سيذهب إلى البيت، و كم يمكن أن يُباع؟
فالزيتون إلى جانب قيمته الغذائية كان ولا يزال جزءًا من دخل الأُسَر الفلسطينية ومؤونتها، و لذلك يحمل الموسم معه شيئًا من الانتظار والأمل، وشيئًا من القلق أيضًا.
و من هنا جاء المثل: “خلّي الزيت بجراره حتى تجي أسعاره” فالزيت ليس محصولًا ينتهي عند خروجه من المعصرة؛ قد يصبح مالًا أو مؤونة أو شيئًا يُحتفظ به للعام المقبل.
موسمٌ يَسكُن الكلام
ولأن الزيتون رافق حياة الفلسطينيين طويلًا دخل موسمه في اللغة كما دخل في الأرض، فصارت الأمثال تلتقط تفاصيله الصغيرة من العناية بالشجرة إلى تعب القطاف، بالإضافة إلى قيمة الزيت في البيت.
فيقال : “الزيتون زيتُه طيّب بس لقاطُه بشيّب” في اختصار ما يحتاجه الموسم من جهد، أما في البيت فحَضَرَ الزيت بوصفه جزءاَ من المونة، فقيل:”الزيت عمود البيت”، و “إذا عندي طحين وزيت صفّقت وغنّيت”.
الزيت لا يترك شيئًا وراءه
حتى بعد أن تخرج آخر قطرة زيت من الثمرة لا تنتهي حكاية الزيتون، إذ يبقى الجِفت، وهو ما يتبقى من الثمار بعد العصر، ويمكن الاستفادة منه بعد كبسه وتجفيفه، ليُستخدم وقوداً للتدفئة؛ فيمنح حرارة ويستمر احتراقه مدة أطول من الحطب.
وهكذا لا تنتهي قيمة الزيتون عند الزيت وحده؛ فالثمرة تترك وراءها أكثر من أثر، وكل جزء منها يمكن أن يجد طريقًا جديدًا إلى الاستخدام، كأن موسم الزيتون من بدايته إلى نهايته يعرف كيف يحوّل ما لديه إلى شيء آخر.
الزيتون كما حفظته الدراما
ولعل “التغريبة الفلسطينية” من الأعمال التي التقطت هذه التفاصيل اليومية وحفظتها داخل حكاية أكبر، فالزيتون فيها لا يظهر بوصفه خلفية للمشهد؛ بل يدخل في حياة الشخصيات في الأرض وفي الطعام وفي العمل وفي المعصرة وفي حسابات البيت.
وفي هذا العمل الذي كتبه وليد سيف وأخرجه الراحل حاتم علي، تبدو الأرض جزءًا من حياة أصحابها لا مكانًا منفصلًا عنها؛لذلك تأتي مشاهد الزيتون والمعصرة والطعام قريبة من تفاصيل الحياة اليومية، و تمنح الدراما فرصة لاستعادة أشياء ربما لا تحفظها الكتب، لكن تحفظها الذاكرة.
مشهدٌ لفلاح يقف عند شجرته، وامرأة تحمل بقجة الطعام، وأيدٍ تعمل بين الأغصان، و زيتون ينتظر طريقه إلى المعصرة؛تفاصيل صغيرة لكنها تقول الكثير عن حياة كاملة.
الحق الممتنع
ولا تقتصر مشقة موسم الزيتون على تعب الجِداد وانتظار الثمر؛ إذ يواجه المزارعون صعوبات تتكرر مع كل موسم، من تقييد الوصول إلى بعض الأراضي، إلى الاعتداء على الأشجار والممتلكات الزراعية، و تتجدد صورها من موسم إلى آخر.
ومع موسم القطف الحالي تظهر هذه القيود في مناطق مختلفة من الضفة الغربية؛ فالمزارعون في الأراضي الواقعة خلف الجدار يحتاجون إلى تصاريح أو تنسيق مسبق للوصول إلى أراضيهم، فيما تفرض إجراءات أخرى قيودًا على الوصول إلى أراضٍ قريبة من المستوطنات.
وفي شهر آب وحده سُجلت مئات الاعتداءات على الأراضي والممتلكات الزراعية في الضفة الغربية، التي تسببت بأضرار لآلاف الأشجار من بينها نحو 19 ألف شجرة زيتون ، كما وثق مكتب الأمم المتحدة خلال الشهر نفسه إتلاف أكثر من 200 شجرة زيتون في دير شرف بمحافظة نابلس، بعد تهديد أصحاب الأرض ومنعهم من العودة إليها.
وخلف هذه الأرقام أشجار لها عمر وحكاية، ففي نيسان من العام الحالي، شهدت بلدة برقة شمال غرب نابلس عملية اقتلاع وتجريف طالت أكثر من 500 شجرة، من بينها أشجار زيتون معمّرة وفق توثيق مركز أبحاث الأراضي، وكانت هذه الأشجار جزءًا من أراضي العائلات ومصدرًا لثمارها، وبعضها بقي في الأرض لعقود طويلة.
و في موسم عام 2025 وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسان 167 اعتداءً مرتبطًا بموسم قطاف الزيتون بين تشرين الأول و تشرين الثاني، طالت 87 قرية وبلدة فلسطينية، وشملت الاعتداء على المزارعين وسرقة المحاصيل ومعدات القطاف وتخريب الأشجار والشتلات.
ولا تعني خسارة هذه الأشجار فقدان محصول فحسب؛ فالعناية بالزيتونة تبدأ قبل موسم القطاف بوقت طويل، من التقليم والحراثة إلى انتظار ثمرها عامًا بعد عام، و حين تُقتلع شجرة معمّرة تذهب معها سنوات من العمل والانتظار، ويخسر أصحابها موردًا كان يمكن أن يستمر في إعالتهم ومساندتهم.
ولا تقتصر الخسارة على محصول موسم واحد؛ فالوصول إلى الأرض جزء أساسي من العمل الزراعي، ومن دونه يصعب على المزارع رعاية أشجاره وحراثة أرضه وجمع محصوله والاستفادة منه، و مع تكرار هذه القيود والاعتداءات يصبح الاستمرار في زراعة الأرض وتأمين الرزق منها أكثر صعوبة.
لهذا يرتبط موسم الزيتون أيضًا بحقوق أساسية تتصل بالأرض والعمل وسبل العيش والملكية والانتفاع بثمارها، فالزيتونة ليست محصولًا موسميًا فقط ؛ بل شجرة تحتاج إلى سنوات حتى تكبر، و قد تنتقل العناية بها من جيل إلى آخر فيما يبقى محصولها جزءًا من دخل الأسرة ومؤونتها.
ومن هنا تصبح حماية الأرض والوصول إليها جزءًا من استمرار حكاية الزيتون نفسها؛ فالشجرة التي زرعها جيل تحتاج إلى من يصل إليها ويعتني بها ويحصد ثمرها في الجيل الذي يليه.
نهاية ودوام الحكاية
ينتهي الجِداد، تُطوى الشوادر، و تفرغ السلال، و تعود الأيدي من الحقول إلى البيوت؛ لكن شيئًا من الموسم يبقى هناك بين الأغصان، تبقى الشجرة في مكانها كما كانت دائمًا تستريح بعد عام من العطاء وتستعد لانتظار موسم جديد.
و يكبر الطفل الذي كان يركض بين الأشجار، وتكبر معه اليد التي حملت السلة، و قد يغيب وجه اعتاد أن يكون حاضرًا في كل موسم؛ لكن الزيتونة تظل شاهدة على من مرّوا بها تحفظ في جذوعها وأغصانها حكايات العائلة ومواسمها؛ فمن شجرة زرعها الجد، إلى يد اعتنت بها ثم حفيد جاء ليحصد من ثمرها.
تنتقل الحكاية بهدوء من جيل إلى آخر؛ فيبقى الزيتون أكثر من محصول، وتبقى أيام الجِداد جزءًا من ذاكرة الناس، كرائحة النار بين الأشجار، ولقمة الخبز المغموسة بالزيت، وصوت الأغاني التي كانت ترافق ساعات العمل، وحين تهدأ الحقول بعد انتهاء الموسم لا تنتهي الحكاية؛ فالشجرة التي أعطت ثمرها تبقى هناك، في المكان نفسه تنتظر موسمًا آخر، ووجوهًا أخرى، وأيدٍ ستعود إليها من جديد.




