loading

مجددًا.. شبح المجاعة يهدد قطاع غزة

هيئة التحرير

لم تكد تغيب مشاهد المجاعة عن ذاكرة الغزيين، حتى عادت تداهمهم من جديد، فبين طوابير الانتظار للحصول على خبز أو طبق طعام قضى الأهالي شهورًا طويلة، إلى جانب عشرات حالات الوفاة بين صفوف الأطفال والنساء نتيجة سوء التغذية.

المجاعة التي نفذها الاحتلال في حرب الإبادة المتواصلة، مع إغلاق المعابر ومنع إدخال المساعدات، ساهمت في رفع أسعار السلع والمواد الغذائية حتى بات الحصول على كيس طحين أشبه بالمعجزة، واستشهد مئات المواطنين في سبيل الحصول عليه.

هذه المشاهد وغيرها من مشاهد المجاعة والاصطفاف في طوابير الحصول على خبز أو قدر طعام وتوقف عدد من المخابز عن العمل وارتفاع أسعار الدقيق ومختلف السلع الغذائية، عادت مجددًا لذاكرة الغزيين مع وجود تقارير جديدة من خطر عودة المجاعة لغزة.

المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان حذر من تجدد خطر المجاعة في قطاع غزة، مع شحّ الدقيق والمواد الغذائية الأساسية وتوقف مخابز عن العمل وانهيار القدرة الشرائية للسكان، في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي والقيود المفروضة على الإمدادات الإنسانية والتجارية.

وأكد أنّ إحكام الحصار والتحكم في كمية الغذاء ونوعيته وانتظام دخوله، بعد تدمير مصادر إنتاجه وسبل الحصول عليه، يُبقي أكثر من مليونَي فلسطيني تحت وطأة الحرمان من مقومات البقاء، ويكرّس استخدام التجويع أداةً في جريمة الإبادة الجماعية المستمرة منذ أكتوبر 2023.

وبيّن أنه رصد شحًّا شديدًا في الخضروات والفواكه ومواد أساسية أخرى، وارتفاع أسعار الأصناف المتبقية بما يتجاوز القدرة الشرائية لغالبية السكان، الذين فقدوا مصادر دخلهم واستُنزفت مدخراتهم بفعل سياسات الحصار والتدمير والتهجير المتكرر والإفقار الممنهج التي تفرضها إسرائيل بالمخالفة للقانون الدولي.

وأفاد المركز أنّ أزمة نفاد الدقيق وشحّ وقود التشغيل أدت إلى إغلاق عدة مخابز أبوابها خلال الأيام القليلة الماضية، بما في ذلك توقف مخبزين رئيسيين عن العمل في مدينة غزة، الأمر الذي أعاد مشاهد طوابير الخبز الطويلة والمرهقة إلى الظهور من جديد وسط غلاء عام وحاد في أسعار الطحين والمواد الغذائية الأساسية المتبقية، مشيرًا إلى أنّ توقف المخابز يحرم آلاف العائلات النازحة والمقيمة من المصدر الغذائي الأهم الذي تعتمد عليه للبقاء على قيد الحياة في ظل غياب غاز الطهي وصعوبة إعداد الطعام داخل الخيام ومراكز الإيواء المكتظة.

وأوضح المركز أن الأهالي عبّروا عن خشيتهم الجدية من الانزلاق مجددًا إلى مراحل الجوع الحاد بعد اختفاء الخضروات والفواكه من الأسواق، وشح الطحين وارتفاع أسعاره، في ظل انهيار قدرتهم على تأمين وجبات أطفالهم، على نحو دفع عائلات كثيرة إلى تقنين وجباتها اليومية إلى الحد الأدنى واللجوء إلى بدائل غذائية تفتقر إلى العناصر الأساسية، فيما تواجه أمهات صعوبات متزايدة في تأمين الغذاء الملائم لأطفالهن، بما يشمل الحليب للرضع الذين يحتاجون إليه والمكملات الغذائية الموصوفة لهم.

وأشار إلى أنّ السلطات الإسرائيلية أوقفت تنسيقات إدخال البضائع التجارية منذ يوم 13 أكتوبر 2026 وحتى الإعلان عن إعادة السماح الجزئي بها يوم 19 أكتوبر الجاري، إلا أنّ هذا الإعلان لم يُنهِ الأزمة فعليًا على الأرض، إذ بقيت كميات البضائع المسموح بدخولها محدودة للغاية مع استمرار منع إدخال الخضروات والفواكه الطازجة.

ونبّه المرصد إلى أنّ معطيات الرصد الميداني وتحليل حركة المعابر تؤكد استمرار إسرائيل في تقليص كمية البضائع ونوعيتها بحيث لا يتجاوز إجمالي ما يدخل إلى قطاع غزة في أحسن الأحوال نحو 37% من حاجته الفعلية، مبيّنًا أنّ السلطات الإسرائيلية تتعمد التحكم في طبيعة الشحنات التجارية عبر السماح المحدود بدخول سلع ثانوية كالمقرمشات والمشروبات الغازية بالتوازي مع تقييد المواد الغذائية الأساسية والسلع الصحية، وهو نمط يعكس سياسة متعمدة لإفقار السكان غذائيًا وإبقائهم في حالة عوز دائم وعدم يقين معيشي، بعيدًا عن أي اعتبارات أمنية أو ترتيبات لوجستية عارضة.

وأفاد بأنّ السماح بدخول سلع ثانوية، بالتوازي مع تقييد الأغذية الأساسية، لا ينفي سياسة التجويع؛ إذ لا تُقاس كفاية الإمدادات بمجرد وجود بضائع في الأسواق، بل بقدرة السكان على الحصول فعليًا على غذاء كافٍ ومتنوع يلبّي احتياجاتهم، مؤكدًا أنّ تقييم هذه القيود يقتضي النظر إلى أثرها المتراكم مع تدمير الإنتاج المحلي ومصادر الدخل، وما يترتب عليها من إبقاء السكان معتمدين على إمدادات تتحكم إسرائيل في كمياتها ونوعيتها ومواعيد دخولها.

وذكر المرصد أنّ هذه التطورات الخطيرة تأتي في وقت ما تزال فيه آثار التجويع السابق ماثلة بوضوح، إذ أعلنت وزارة الصحة في غزة يوم 16 أكتوبر 2026 وفاة ما لا يقل عن 466 فلسطينيًا، بينهم 157 طفلًا، جراء سوء التغذية والمجاعة منذ عام 2024، وتسجيل أكثر من 158 ألف حالة سوء تغذية حاد بين الأطفال دون الخامسة حتى أغسطس 2026 مع تقدير حاجة 74,200 طفل للعلاج حتى أبريل 2027، فضلًا عن ارتفاع نسبة فقر الدم بين الحوامل إلى 61% خلال عام 2026 بعد أن كانت 41% قبل الحرب، وتسجيل قرابة 4,000 حالة فقدان حمل في النصف الأول من العام بزيادة تفوق ثلاثة أضعاف الأشهر الستة السابقة.

ونوه إلى أنّ إخضاع الفلسطينيين عمدًا لظروف معيشية تحرمهم من مقومات البقاء ويُراد بها تدميرهم المادي كليًا أو جزئيًا يندرج ضمن أفعال الإبادة الجماعية المنصوص عليها في المادة الثانية (ج) من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

وأكد المركز على أنّ استمرار فرض هذه الظروف المهلكة، بعد تحقق آثارها المميتة والعلم بها والتحذير المتكرر منها، يشكّل، عند قراءته مع التدمير المنهجي لمقومات الحياة ومنع استعادتها وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين الدالة على نية تدمير الفلسطينيين في قطاع غزة، أدلة متضافرة على القصد الخاص للإبادة الجماعية، بما يجعل إدارة المعابر والإمدادات أداةً لتنفيذ الإبادة الجماعية وإدامة الظروف المؤدية إلى التدمير المادي للسكان.

وأضاف المرصد الأورومتوسطي أنّ استمرار هذه الممارسات يمثّل كذلك عدم امتثال للتدابير المؤقتة الملزمة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في عام 2024، ولا سيما أمرها الصادر في 28 مارس، الذي ألزم إسرائيل باتخاذ جميع التدابير الضرورية والفعالة لضمان تقديم الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية العاجلة على نطاق واسع ودون عوائق، بالتعاون الكامل مع الأمم المتحدة، بما يشمل زيادة قدرة المعابر البرية وعددها وإبقاءها مفتوحة ما دام ذلك ضروريًا.

وطالب المرصد الدول باتخاذ تدابير فعلية لمساءلة إسرائيل عن استمرار الإبادة الجماعية وسياسة التجويع، وفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية عليها، وحظر شامل على تصدير الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية إليها واستيرادها منها، بما يشمل قطع الغيار والتكنولوجيا ذات الاستخدام العسكري وخدمات الصيانة والتدريب، ووقف أشكال التعاون والدعم التي تسهم في ارتكاب الجرائم أو إدامتها.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني