loading

 محمود عيسى..  قلمٌ انتصر على العزل

هيئة التحرير: قبل أكثر من تسعة وعشرين عاما، أمضى الأسير الصحفي محمود عيسى من بلدة عناتا قضاء القدس شهر رمضان مع عائلته، دون أن يعلم انه سيكون الأخير، فبعد ثلاثة أشهر فقط، اعتقلته قوات الاحتلال، واخضعته لتحقيق قاس انتهى بالحكم عليه بالسجن المؤبدة لثلاث مرات.

تستذكر شقيقته ام عبادة في حديث لـ “بال جراف” بعض تفاصيل ذلك الشهر قائلة، “حرص محمود على دعوة شقيقاته وارحامه لمائدة إفطار في منزل العائلة، وبعدها صلى بنا جماعة صلاة المغرب وقرأ ما تيسر من سورة آل عمران، بصوته الجميل، فهو يتقن التجويد ويحفظ القران، فكانت قراءته مؤثرة، وكأنها وداع لنا”.

تستذكر أم عبادة كيف كان محمود يفضل طعام الكوسا بكل أشكاله، والمسخن والدوالي، لكنه في المقابل كان يكره اكلة “المجدرة” وفي كل مرة تعدها الوالدة للعائلة، كانت تعد طعاما مخصصا له، لكن محمود حُرم من تناول إفطار رمضان مع عائلته منذ تسعة وعشرين عاما.

15 عاما في العزل الانفرادي

ولد محمود عيسى في بلدة عناتا شمال شرق مدينة القدس، في 21 أيار/مايو 1968، وتلقى تعليمه الابتدائي والاعدادي بها قبل ان ينتقل الى مدرسة الرشيدية في القدس المحتلة، التي شكلت نقلة نوعية في حياته واثرت في شخصيته.

عقب انهاءه الدراسة في المدرسة الرشيدية التي زادت من تعلقه بالمسجد الأقصى، التحق محمود في كلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القدس، لكنه لم يعمل بتخصصه، بل عمل في مجال الصحافة الذي كان شغوفا بها.

في 3 حزيران/يونيو عام 1993 اعتقلت قوات الاحتلال محمود بطريقة قاسية، بعد ان داهمت منزل العائلة واعتقلت والده واشقائه، وعاثوا في المنزل فسادا حتى انهم اقتلعوا البلاط، وقاموا بتكبيلهم امام المنزل، لتبدأ معاناة محمود منذ اليوم الأول لاعتقاله.

تعرض محمود لتحقيق صعب تخلله تعذيب قاس كالشبح والعزل ومنع النوم، بداية في مركز تحقيق المسكوبية، ومن ثم في مركز تحقيق طولكرم (قبل قدوم السلطة الفلسطينية) استمر التحقيق والتعذيب لمدة شهرين متواصلين، انتقل بعدها الى سجن عسقلان.

حكم على محمود بالسجن المؤبد لثلاث مرات و40 عاما، بتهمة تشكيل أول خلية عسكرية لحركة حماس في القدس، والتخطيط لتحرير الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة من سجون الاحتلال آنذاك، من خلال اختطاف الضابط نسيم توليدانو قرب مدينة اللد يوم 13 كانون الأول/ ديسمبر 1992 والمطالبة بالإفراج عن الشيخ ياسين.

أمضى محمود نحو 15 عاما في السجن الانفرادي (العزل)، بدأت بعدة أشهر بعد اعتقاله عام 1993، ثم أعيد إلى العزل الانفرادي مدة شهرين عام 1996 بتهمة التخطيط لمحاولة هرب عن طريق حفر نفق تحت سجن عسقلان، وفي عام 1998، تعرض للعزل من جديد بعد إعادته للتحقيق، واتهامه بالمشاركة في قتل مستوطن قبل عملية خطف الجندي توليدانو، وعزل لعامين متتالين، وفي عام 2002، أعيد عيسى للتحقيق، وأضيف إلى حكمه ست سنوات بتهمة التواصل مع قيادة حماس بالخارج، وقضى على إثر ذلك عشر سنوات بالعزل، حيث خرج بعد الإضراب الكبير الذي خاضه الأسرى الفلسطينيون في مايو/ أيار 2012 ضد العزل الانفرادي.

أقدم الأسرى الصحفيين 

كاتب رغم سنوات العزل الطويلة

يعتبر الأسير محمود عيسى أقدم الأسرى الصحفيين في سجون الاحتلال، فقد عمل قبل اعتقاله في الصحافة المكتوبة في مدينة القدس، وترأس لأكثر من عامين إدارة مكتب صحيفة صوت الحق والحرية، والتي كانت تصدر آنذاك من مدينة ام الفحم بالداخل المحتل.

لم تبدد سنوات الاعتقال والعزل وظروف التحقيق اهتمامه بالكتابة والنشر، فقد أصدر داخل سجون الاحتلال عدة كتب مثل “السياسة بين الواقعية والشرعية: دراسة نقدية لكتاب الأمير لمكيافيلي”، و”تأملات قرآنية”، وسلسلة “وفاء وغدر” و”حكاية صابر” التي اعتبرت سيرته الذاتية، أما أول كتبه فكان “المقاومة بين النظرية والتطبيق” نهاية التسعينيات.

يعيش الاسرى في سجون الاحتلال في زمن مواز، بينما تمضي الحياة بكل تقلباتها خارج القضبان، ويكبر الأطفال، ويشيخ الشباب، فان الأسير لا يواكب كل ذلك خاصة ان كان محروما من الزيارة، اذ تحرم سلطات الاحتلال عيسى من رؤية أبناء وبنات اشقائه وشقيقاته طيلة 29 عاما من اعتقاله، ويحدد الزيارة للاشقاء والشقيقات فقط، لكن ذلك لم يمنع ان يتحول محمود الى قدوة ومصدر فخر للصغار والكبار داخل العائلة.

وخلال سنوات الاعتقال تجرع محمود مرارة رحيل والده بعد عام واحد من اعتقاله، ومن ثم والدته التي فارقت الحياة في 19 كانون الأول /ديسمبر 2021، وهو الخبر الذي أثر به كثيرا.

وتقول أم عبادة “علم محمود بوفاة والدته وهو في سجن “نفحة”، في اليوم الذي تعرض فيه السجن لعملية اقتحام واسعة من قوت القمع، على خلفية عملية الطعن التي شهدها، وما رافقها من عملية تنكيل واسعة تعرض لها الاسرى.

 وتضيف أم عبادة ” توفيت الوالدة بعد سنوات من عدم زيارتها محمود بسبب وضعها الصحي، رحلت دون ان تراه، لكنها لم تنساه يوما ما وبقي في ذاكرتها. في أيامها الأخيرة كانت تنسى كثيرا لكن محمود الوحيد الذي لم تنساه وحين كانت ترى صورته كانت تعرفه وتدعي له، وكان حلمها ان تراه وتضمه وتفرح به، أمضت 29 عاما وهي تنتظر ان يعود، لكنها رحلت”.

تعتقل سلطات الاحتلال 19 صحفيا  حتى بداية نيسان/ابريل 2022  حسب لجنة دعم الصحفيين (مؤسسة عربية)، مشيرة  أن الاحتلال ما زال يعتقل في سجونه (9) صحفيين محكومين بأحكام فعلية وهم: الكاتب وليد دقة (مؤبد)، ومحمود عيسى 3 مؤبدات، وأحمد الصيفي17 عامًا، ومنذر خلف مفلح 30 عامًا، وباسم الخندقجي 3 مؤبدات، وهيثم جابر 28 عامًا، والكاتب والشاعر كميل أبو حنيش السجن المؤبد 9 مرات، ويزن أبو صلاح 4 سنوات ويوسف فواضلة 16 شهرًا ونصف.

وبلغ عدد الصحفيين المعتقلين إداريًا (4)، حيث لم يقدّم لهم لوائح اتّهام ولا يخضعون للمحاكمة ضمن ادعاء “الملف السري” وهم: نضال أبو عكر 4 أشهر للمرة الرابعة، والشاعر محمود كريم عياد 4 أشهر للمرة الرابعة، وبشرى الطويل ثلاثة أشهر ومحمد نمر عصيدة 4 أشهر للمرة الثالثة، علمًا أنه اعتقل أول مرة لمدة 6 أشهر ومدد لاحقًا لمدة 4 أشهر وكذلك مرة أخرى لمدة 4 أشهر.

وما زال (6) صحفيين موقوفين بانتظار الحكم عليهم وهم قسام البرغوثي، ووليد خالد حرب، وعز زياد صدقة، ورامز صدقة، وعمر أبو الرب ومحمد دويك.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة