loading

عيد بلا بهجة.. رواتب متآكلة وأسواق مكتظة بلا مشترين

محمد عبد الله

مع حلول عيد الفطر، بدت الأسواق الفلسطينية في مدن الضفة الغربية، وخاصة في نابلس والخليل ورام الله، مزدحمة بالمارة لكنها تفتقر إلى أهم عنصر للحياة الاقتصادية: القوة الشرائية. 

مشهد يتكرر هذا العام بصورة أكثر قسوة، حيث تتقاطع الأزمات المالية مع الظروف السياسية والأمنية، لتنعكس مباشرة على حياة المواطنين وحركة الأسواق، وتُحوّل موسم العيد من فرصة للفرح إلى عبء اقتصادي ثقيل.

في المجمعات التجارية والشوارع الرئيسية، يخرج المواطنون للتسوق، لكن كثيرين منهم يكتفون بالمشاهدة أو البحث عن الأرخص، في ظل تراجع حاد في القدرة على الإنفاق. 

هذا الواقع يعكسه الموظف الحكومي حسن قنديل، الذي يصف وضع الموظفين بأنه “سيئ جداً”، خاصة لمن لا يمتلك مصدر دخل إضافي.

ويقول قنديل لـ “بالغراف” إن المصروف خلال شهر رمضان يوازي مصروف شهرين في الأيام العادية، نتيجة الالتزامات اليومية من طعام ومستلزمات إضافية، إلى جانب التحضيرات للعيد. 

ويضيف أن آخر دفعة راتب صُرفت قبل نحو 40 يوماً، وكانت بقيمة 2000 شيقل فقط، اقتطع البنك جزءاً منها لسداد القروض، ما جعل المبلغ المتبقي غير كافٍ لتغطية احتياجات أساسية كالبنزين أو مصاريف الأطفال وشهر رمضان.

ويؤكد أن راتباً بقيمة 2000 شيقل لا يمكن أن يغطي نفقات شهر رمضان، فكيف مع قدوم العيد، مشيراً إلى أن الدفعة الأخيرة بالكاد تكفي “لتمرير العيد” لبضعة أيام وإدخال فرحة مؤقتة على الأطفال. 

ويشير قنديل إلى أن الأزمة المستمرة منذ سنوات دفعت الكثيرين إلى البحث عن أعمال إضافية، قائلاً إنه لولا عمله في مجال البناء “لكان الوضع كارثياً”، بينما يعاني من يعتمد فقط على راتب الحكومة من ضائقة شديدة.

ولا تتوقف الأزمة عند حدود الرواتب، بل تمتد إلى ارتفاع الأسعار، حيث يشير قنديل إلى زيادة ملحوظة في أسعار الدجاج والخضروات وبعض المواد الغذائية، وسط توقعات بارتفاعات إضافية، ما يفاقم العبء على الأسر.

في المقابل، يعكس التجار صورة لا تقل قتامة. أيمن المصري، أحد تجار المجمع المركزي في نابلس، يؤكد أن الموسم الحالي يُعد من الأضعف مقارنة بالسنوات الماضية، مشيراً إلى أن حجم المبيعات انخفض إلى نحو 30% فقط.

ويضرب المصري مثالاً بأن من كان يحقق مبيعات بقيمة 10 آلاف شيقل في رمضان سابق، بالكاد يصل اليوم إلى 3 آلاف.

ويعزو المصري في حوار مع “بالغراف” هذا التراجع إلى عدة عوامل، أبرزها الحواجز والإغلاقات التي تعيق حركة المواطنين بين المدن، إلى جانب اعتداءات المستوطنين التي تخلق حالة من الخوف، فضلاً عن تداعيات الحرب وتذبذب صرف الرواتب، وتعطل آلاف العمال عن العمل داخل الخط الأخضر منذ أكثر من عامين، ما أدى إلى شح السيولة النقدية لدى المواطنين.

ويشير إلى تغير أولويات العائلات، حيث لم يعد العيد وشراء الملابس والحلويات في مقدمة الاهتمامات، بل بات التركيز على تأمين الاحتياجات الأساسية. 

ورغم وجود حركة في الأسواق، إلا أن نسبة من يحملون أكياس التسوق قليلة، ما يعكس ضعف الشراء الفعلي- يقول المصري.

كما يلفت المصري إلى تراجع السياحة الداخلية، التي كانت تشكل رافعة أساسية لاقتصاد المدينة، خاصة خلال رمضان والأعياد، من خلال مبادرات مثل “يلا على نابلس”، التي كانت تستقطب مئات الزوار من مختلف المناطق، ما كان ينعش الفنادق والمطاعم والأسواق. أما اليوم، فقد تراجعت هذه الحركة بشكل ملحوظ، في ظل القيود المفروضة على التنقل.

وفي الخليل، لا يختلف المشهد كثيراً، إذ يصف يوسف أبو عيشة، رئيس لجنة تجار باب الزاوية، الحالة التجارية بأنها “حركة على الفاضي”. ويوضح أن الشوارع والأسواق تشهد اكتظاظاً، لكن دون ترجمة ذلك إلى مبيعات حقيقية، نتيجة غلاء الأسعار وضعف القدرة الشرائية.

ويقول أبو عيشة في حوار مع “بالغراف” إن المواطن يرغب في شراء احتياجات أطفاله، لكنه يبحث عن الأسعار المتدنية بشكل كبير، حتى وإن كان ذلك على حساب الجودة. ويعطي مثالاً بأن رب الأسرة يريد شراء ملابس لطفله بسعر 50 شيقلاً، رغم أن سعرها الحقيقي قد يصل إلى 150 شيقلاً.

ويضيف أن شريحة واسعة من المتسوقين هم من الموظفين الذين لم يتلقوا رواتبهم كاملة، أو من العمال العاطلين عن العمل، ما يجعل قدرتهم على الشراء محدودة جداً. فالعائلة التي تضم خمسة أطفال تحتاج إلى ما لا يقل عن 1250 شيقلاً لتأمين ملابس وأحذية لهم (250 شيقل لكل فرد)، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر في ظل الظروف الحالية.

ويؤكد أبو عيشة أن الاحتياجات الأساسية باتت أولوية قصوى، حيث أصبح المواطن يبحث عن تأمين الغذاء قبل التفكير في شراء الملابس، في ظل تزايد أعداد المحتاجين بشكل كبير مقارنة بالسنوات الماضية.

وبين مشهد الأسواق المزدحمة والجيوب الفارغة، تتجسد مفارقة قاسية تعيشها المدن الفلسطينية هذا العيد. فالحركة موجودة، لكن المال غائب، والفرح مؤجل، في انتظار تحسن اقتصادي يبدو بعيد المنال في ظل استمرار الأزمات السياسية والمالية.

ومع ذلك، يبقى العيد مناسبة يحاول فيها الفلسطينيون، رغم كل الصعوبات، الحفاظ على الحد الأدنى من الفرح، خاصة للأطفال، ولو بوسائل بسيطة. لكن المؤكد أن هذا العام يحمل معه واقعاً اقتصادياً أكثر قسوة، يعكس عمق الأزمة التي باتت تمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين والتجار على حد سواء.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني