loading

“عبور مؤجل.. يوم في الشاباك”: عمل أدبي جديد للروائي السوري عبد الله مكسور

هيئة التحرير

“عبور مؤجل.. يوم في الشاباك” تحت هذا العنوان صدر العمل الأدبي الجديد للروائي والصحفي السوري عبد الله مكسور عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة. 

العمل نصّ سردي رفيع يقدّم واحدة من أكثر التجارب الذاتية تعقيدًا وعمقًا في الكتابة العربية المعاصرة، حيث تتقاطع فيه الرحلة مع الاعتراف، والتوثيق مع التأمل، والحدث مع أسئلته المفتوحة.

يأتي هذا العمل باعتباره شهادة مكتوبة من الداخل، لا تراقب التجربة من مسافة بعيدة، وإنما تنخرط فيها بالكامل. فالكاتب لا يقدّم نفسه شاهدًا محايدًا، بل يخوض بذاته الاختبار، ويعيد من خلال تأملاته مساءلة ما يعرفه، معتمدًا على لغة رفيعة تبحث عن صياغة ما يصعب قوله.

 من هذا الموقع، تتشكّل  حكاية شخصية عميقة، تتجاوز السرد المباشر إلى بناء تجربة حسّية وفكرية متكاملة.

ومنذ الصفحات الأولى، يضع مكسور القارئ أمام نصّ يتعامل مع ذاته بقدر عالٍ من الصراحة والمسؤولية، موضحًا أنه أجرى تعديلات على بعض الأسماء والتفاصيل الحساسة، حفاظًا على سلامة أصحابها، مع التزام كامل بصدق الوقائع وجوهرها. 

العبور بين الطريق والفكرة

يتقدّم الكتاب نحو موضوعه الأساسي عبر مسار غير تقليدي، حيث لا تبدأ الرحلة من المطار أو الخارج، وإنما من الداخل؛ من منطقة ملتبسة تتراكم فيها الأسئلة قبل أن تجد تعبيرها.

 فكرة العبور إلى فلسطين تظهر كهاجس طويل يسكن الكاتب، يتشكّل عبر الزمن، ويتحوّل تدريجيًا من تصور ذهني إلى مشروع اختبار فعلي. في هذا السياق، يصبح العبور فعلًا محمّلًا بالمعنى، لا خطوة عابرة في جغرافيا معروفة. كل تفصيل في الطريق يحمل دلالة، وكل قرار يرتبط بسؤال أخلاقي عميق.

فلسطين بحضور يومي مفتوح

يرصد الكاتب في هذا العمل واحدة من أكثر المناطق انغلاقًا وحساسية في الجغرافيا الفلسطينية وربما العالم، مساحة يُحظر فيها التصوير بشكل مطلق، وتُدار تفاصيلها خلف طبقة كثيفة من المنع والرقابة والتفتيش، المحاذير في فضائها أكثر من المسموح، ما يجعل الاقتراب أو المرور منها فعلًا عالي الكلفة وإن حدَثَ بشكل يومي. فهذا المكان الخاضع لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي، لا تُسجَّل اللحظات فيه كما هي، بل تُختزل التجربة جميعها في الذاكرة الفردية، عبر سرد يتحمّل عبء نقل ما لا يُرى.

 ومن داخل هذه البيئة المغلقة، يقدّم النص وصفًا دقيقًا لما يحدث في غرف تحقيق الشاباك، حيث يتحوّل الزمن إلى أداة ضغط، وتُبنى الأسئلة بعناية لاستخراج ما هو أبعد من الإجابات المباشرة، في سياق يعتمد على تفكيك السرد الشخصي واختباره. 

وهنا في هذه المساحة لا يكتفي العمل بالإشارات عن بعد، وإنما يدخل في قلب التحقيق لغويًا، يعيد تشكيله، كاشفًا بنيته بوصفها ممارسة يومية لسلطة الاحتلال، تُدار بصخب، وتترك أثرها العميق في من يمرّ بها، وفي من يحاول أن يكتب عنها. 

العمل يقدّم صورة دقيقة لحياة الفلسطيني المرتبطة بالحاجز البري الوحيد الذي يربطه بالعالم. وما يلفت فيه هو قدرته العالية على التقاط ما يحدث خارج الصورة التقليدية، خارج العدسة، وخارج الخطاب الإعلامي المباشر. 

التجربة فيه لا تُختزل في لحظة ذروة، إنها تتشكّل من تراكم بطيء لتفاصيل متشابهة في قسوتها، حيث يُمارس الإخضاع اليومي بهدوء، دون حاجة إلى استعراض. وهذا التراكم يمنح النص قوته، ويجعل القارئ يقترب من التجربة باعتبارها حالة معيشة يومياً لكنها تحمل من الاستثنائية الشيء الكثير.

تفكيك بنية سلطة الاحتلال اليومية

هذا العمل يقدم رحلة شخصية للكاتب قائمة على قراءة دقيقة لبنية سلطة الاحتلال كما تتجلّى في التفاصيل. من خلال رصد ما يحدث في المساحات الصغيرة، في الإجراءات، في الانتظار، في اللغة المستخدمة، وفي الطريقة التي تُدار بها اللحظة الفلسطينية في جسر اللمبي.

 وهذا الرصد يمنح القارئ فهمًا أعمق لطبيعة التجربة بأسلوب لغوي متماسك وعميق، يجمع بين الدقة الصحفية والاشتغال الأدبي العالي. فالجملة مشغولة بعناية، تحمل كثافة شعورية واضحة، وتتحرك بإيقاع مدروس، ينسجم مع طبيعة الحكاية. إنها لا تنقل الحدث فقط، وإنما تصنعه، تعيد تشكيله، وتمنحه بعدًا إضافيًا. لتتحول إلى مساحة تأمل مفتوحة، حيث يتقاطع الخاص مع العام، والتجربة الفردية مع الأسئلة الكبرى.

يذكر أن عبد الله مكسور هو روائي وصحفي سوري، صدر له سبعة أعمال روائية وكتاب “هندسة المعنى” في تقنيات السرد الصحفي، يعمل في الصحافة المكتوبة والتلفزيونية منذ عام 2007، كما عمل في المسرح البلجيكي، وتُدرَّس أعماله ضمن مساقات الكتابة الحديثة في العديد من الجامعات العربية والغربية.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني