حين تشاهد مقاطع الفيديو لجنود الجيش الإسرائيلي وهم يوزعون المتفجرات لتفجير قرى كاملة في جنوب لبنان، وتلمح حالة “النشوة والسعادة” الطاغية عليهم أثناء التنفيذ، يتبادر إلى الذهن سؤال بديهي: ما حجم التهديد الوجودي الذي تمثله قرية صغيرة خالية من سكانها ومقاتليها أمام جيش يحتل المرتبة 15 عالميا على مؤشر Global Fire Power؟
نحن نتحدث عن الجيش الأقوى إقليميا، بميزانيات مفتوحة، وتمويل أميركي مستدام يتجاوز الناتج القومي لعدة دول عربية مجتمعة، وترسانة تضم أحدث مقاتلات الـF35 والـ F15 المعدلة بمديات تتجاوز 2000 كلم، فضلا عن ريادة تكنولوجية وسيبرانية وتنسيق استخباري مباشر مع أقوى أجهزة الأمن في العالم.
الإجابة لا تكمن في الحسابات العسكرية المجردة، بل في مكان آخر تماما: إنه “الوصم” وعقدة الهزيمة التي تسكن هواجس أبرز قادة الجيش الإسرائيلي ورؤساء أركانه على مدار العشرين عاما الأخيرة. العقدين اللذين كان عنوانهما الدائم في غرف التدريب: “الاستعداد للحرب ضد حزب الله” كمحاولة بائسة لترميم وعي مأزوم ومجروح.
شهادة مايكل أورين.. زلزال 1973 وتوارث الصدمة
على شبكة الإنترنت، التي لا تنسى ولا تسامح، لا تحتاج لقراءة مجلدات ضخمة لتعرف كيف تحول انسحاب عام 2000 من مجرد “إجراء تكتيكي” إلى مبرر لإعادة هندسة العقيدة العسكرية الإسرائيلية برمتها، وصياغة مفاهيم مثل “عقيدة الضاحية” ومعاقبة الحاضنة الشعبية.
لتفكيك هذه الذهنية، يكفي أن تبحث عن مقاطع ولقاءات مايكل أورين (السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن، والمتحدث العسكري باسم الجيش في حرب 2006). أورين، بجانب كونه ضابطا ودبلوماسيا، فهو مؤرخ وأديب وسياسي يمتلك وعيا حادا بالبنية النفسية لكيانه. في محاضرة ألقاها عام 2023 في معبد بمدينة نيويورك، شرّح أورين تأثير حرب السادس من أكتوبر 1973 على الوعي الجمعي والإجماع السياسي والعسكري الإسرائيلي، موضحا نقاطا في غاية الأهمية:
انهيار الأسطورة: مثلت حرب أكتوبر زلزالا هز الوعي الإسرائيلي وأعاده إلى “مرحلة التيه” التي ميزت النصف الأول من الستينات. لقد انهارت صورة “الجيش الذي لا يقهر” عندما تمكن عشرات الآلاف من جنود الجيش المصري من تجاوز خط برليف تحت مظلة كثيفة من قذائف الطائرات والمدفعية؛ في مشهد جاء كرد فعل صاعق على مشاهد عام 1967، حين كان الطيران الإسرائيلي يتصيد الجنود المصريين والسوريين في سيناء والجولان نتيجة تدمير سلاح الجو المصري في اليوم الأول للحرب.
ولادة “جيل سيناء”: يتحدث أورين عن تأثير خبر الهجوم السوري-المصري المشترك عليه شخصيا، وكيف هرع للراديو ليتأكد أن إسرائيل “Under Attack”، وهي الصدمة التي دفعته للتضحية بمواطنته الأميركية والهجرة لإسرائيل للانضمام لجيشها. لكن أورين يربط قصته بقصة أكبر: قصة “جيل سيناء”، وكيف شكل هذا الجيل المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية خلال الثمانينات والتسعينات.
تَبَلور الوعي السياسي لـ “جيل سيناء” في ظل الهزيمة الصادمة أمام المصريين والسوريين، ومشاهد طوابير الأسرى والطائرات المحترقة والدبابات المحطمة، وهي الأجواء المأزومة التي خلّدها الكندي ليونارد كوهين في ألبومه الشهير New Skin for the Old Ceremony، والذي ألفه عقب جولة استمرت ثلاثة أشهر بين جنود الاحتلال في سيناء للترفيه عنهم وسط انكسارهم النفسي عام 1973.
هذا الجيل (جيل سيناء) هو الذي أفرز عناصر الخريطة السياسية والعسكرية التي أدارت الحروب في لبنان وغزة والضفة، بالتوازي مع توقيع اتفاقيات التسوية السياسية (من كامب ديفيد إلى وادي عربة وأوسلو)، ومارس اللعبة السياسية بتقسيماتها الإعلامية بين “صقور وحمائم”. وهو الجيل الذي شنّ حروبا مفتوحة ضد كيان جنوب لبنان منذ عام 1978 دون تراجع أو تغيير في تركيبة صانعي القرار، وصولا إلى التيارات المهيمنة على المشهد الراهن اليوم من جماعة “البيبيست” (الموالين لنتنياهو) وأصحاب “صهيونية الحد الأقصى” من الكهانيين الفاشيين أمثال بن غفير وسموتريتش.
من أوهام “العصر الشرق أوسطي” إلى “مختبر السيطرة”
انتسب الضباط اللاحقون، جيل الحزام الأمني، للجيش الإسرائيلي في مرحلة فارقة ومغرية. فقد انتهت الحرب الباردة، وسقطت التهديدات الجدية من الجيوش النظامية المحيطة (مصر، وسوريا، والعراق الذي لم يكن يوما تهديدا جديّا لكيانهم)، وحتى انتفاضة أطفال الحجارة الفلسطينية لم تكن تعادل كابوس مواجهة جيوش نظامية تضم عشرات الآلاف من المقاتلين.
ذهب هؤلاء الضباط إلى لبنان وفي مخيلتهم أنهم طليعة ومقدمة “العصر الإسرائيلي الشرق أوسطي”، العصر الذي شُيّد برصيد غطرسة حملة سيناء 1956، وحرب 1967، وثغرة الدفرسوار 1973، وصولا إلى اجتياح بيروت 1982 كثاني عاصمة عربية يحتلها الكيان بعد القدس.
بنت إسرائيل حزامها الأمني في الجنوب ليتم استخدامه كـ “مختبر تجارب” لحروبها المقبلة، حيث تخوض مواجهاتها وهي تتمتع باليد العليا والتفوق الكامل بمواجهة مقاتلي منظمة التحرير والمجموعات اللبنانية. دخل هؤلاء الضباط لبنان وفي وعيهم الاستعلائي أن وجودهم هناك هو “لتجديد دماء السيطرة الإسرائيلية”، ولم يخطر ببالهم أنهم يذهبون لكتابة شهادة وفاة تجربة السيطرة التي بدأت من اجتياح 1978 وانكسرت عام 2000.
“صنّاع الهزيمة ومعدومو النصر”
بينما كانوا يمنّون أنفسهم بأمجاد جنرالات الرعيل الأول، منحهم لبنان لقبا مغايرا تماما: صنّاع الهزيمة ومعدومو النصر.
على مدار خدمتهم العسكرية في الجنوب، لم يقاتل هؤلاء الضباط ضد جيوش كبرى، ولم يواجهوا منظومات تسليح معقدة، ولم يخططوا لتجاوز ردع كمّي وكيفي. ومع ذلك، انتهت تجربتهم العسكرية بالانكسار على يد مقاومة التي لا تملك سلاحًا مدرعًا يضم آلاف الدبابات، ولا سلاحًا جويًا يشمل مئات الطائرات أو دفاعا جويا يحمي مدنها وحواضرها، واقتصاد حرب مجهز لتوفير احتياجاتها وتشغيل فائض قوة عملها، ولا جهازًا تنظيميًا يتولى تهيئة المجتمع لحرب التحرير الممتدة لسنوات، أو أجهزة سياسية توفر لها اتصالات مفتوحة بالقوى الدولية والإقليمية وتجنبها الخضوع لعقوبات وتسمح لها ببناء أحلاف وصلات مع الفاعلين الدوليين والإقليميين فتحيد بعضهم وتكسب البعض الآخر، ولا عمقًا استراتيجيًا يصل إلى 100 ألف كيلومتر أو أكثر. بل خاضت حربها بمواجهتهم ببضعة آلاف من المقاتلين المسلحين بأسلحة محمولة على الكتف، وبإتقان تام لفنون القتال اللا متناظر (Asymmetric Warfare)، القتال الذي يراهن على “صنع المقاتل” لا “امتلاك المقاتلة”.
هذا الفشل الميداني الشامل أنهى فرص هؤلاء الضباط في محاكاة رموز الغطرسة الصهيونية: لم يتسنَّ لأحدهم أن يكون مثل موشيه ديان (قائد حملة سيناء)، أو إسحاق رابين (مهندس حرب 1967)، أو أرييل شارون الذي دخل بيروت غازيا ليرى السياسيين اللبنانيين يصطفون لنيل بركته وأوامره.
عُقدة فرويد وجيل “الحزام الأمني” المأزوم
يبسط هذه العقدة فيديو صغير على شبكة الإنترنت للقاء بين قائد الجبهة الشمالية وقتها شاوول موفاز وعدد من ضباط جيش لبنان الجنوبي (العميل)، يظهر موفاز وبجانبه ضابطان شابان: غابي أشكنازي وبيني غانتس. وفي فيديو آخر يظهر مراسم حفل أقيم في الجنوب لضباط جيش لحد والإسرائيليين، وتلمح فيه ضابطا شابا يلهو ويمرح اسمه غادي آيزنكوت.
ما الرابط المشترك بين أسماء مثل أفيف كوخافي، إيال زامير، هرتسي هليفي، موشيه يعلون، بيني غانتس، غادي آيزنكوت، وغابي أشكنازي؟ كلهم خدموا في جنوب لبنان، وقاتلوا في مرحلة “الحزام الأمني”، وتولوا رئاسة الأركان واحدا تلو الآخر على مدار الـ25 عاما الماضية، وظل الانسحاب الأحادي من جنوب لبنان هو النقطة التي شكلت وعيهم المأزوم وحددت مواقفهم. هنا تبرز نظرية الذاكرة عند سيغموند فرويد في أقصى تجلياتها المرضية.
الذاكرة ليست أرشيفا باردا لحفظ الذكريات واسترجاعها طوعا، بل هي إطار نفسي شامل يتطور مع الإنسان ويتحكم به وبأفكاره المتوارثة والمكتسبة. وعندما تكون الذكرى عبارة عن “صدمة نفسية حادة” كصدمة انسحاب عام 2000 دون قيد أو شرط، فإن الذاكرة تتحول إلى محرك انتقامي أعمى يعبر عن الرغبات المقموعة والإيذاء النفسي الممتد.
لقد تجرع ضباط القيادة الشمالية كأس السم في الجنوب أكثر من مرة، وتحت ضغط نضال حركة “الأمهات الأربع” ضد البقاء في “الوحل اللبناني”. وفي كل مرة كان الحزب يرفع فيها أعلامه فوق القرى المحررة، كانت تلك تذكرة صارخة بأن الجنوب هو الساحة التي حرمتهم من النصر، ووصمتهم بالعار الذي لم يمحُه حتى اغتيال القيادات الكبرى، بل يستوجب وفق عقليتهم المأزومة انتقاما ساديا يمحو الأرض والضيعة والمنزل والإنسان الجنوبي نفسه قبل الحديث عن أي تسوية.
صراخ الـ (Never Again) والقتل بديل القتال
مع كل جولة مواجهة جديدة، كانت تل أبيب تستدعي أحدا من هؤلاء الضباط ليتولى القيادة، متعهدا بألا يفشل مثل من سبقوه على طريقة شعار الضحية المستعار صهيونيا “Never Again”. وكان الحل الوحيد أمامهم لتغطية عجزهم العسكري هو وضع خطط تدمير أقوى، وأشرس، وأعنف مما سبق، لمحو عار هزيمة 2000 و2006، ومحاولة حجب مشاهد فرار جنودهم المعاصرين ذعرا من الطائرات المسيرة الرخيصة.
تحول هؤلاء الضباط إلى مطوري استراتيجيات تدمير البنية التحتية، امتدادا لأفكار موشيه آرينز في حكومات الليكود، والتي قضت بأن كل ضربة ضد الحزام الأمني تواجه بتدمير البنية التحتية اللبنانية، كما يوثق الباحث رافائيل ماركوس في كتابه “Israel’s Long War with Hezbollah”.
حين يعجز الجيش الإسرائيلي عن حسم المواجهة الميدانية المباشرة ضد مقاتلي الحزب ومسيراته، يعمد الجنود إلى تفجير القرى، نهب البيوت، وتحطيم الرموز الدينية لتعويض هذا العجز. الخلل ليس في الجنود، بل في “العقيدة” التي لُقنوا إياها من قادتهم: أن صورة الحرب هي القضاء على الإنسان الجنوبي ومحو جيرته وتاريخه (بما في ذلك محاولة محو تاريخ معتقل الخيام الذي كان مسلخاً للتعذيب).
في حرب 2006: طُبقت “عقيدة الضاحية” كرد انتقامي مباشر على هزيمة 2000، بتدمير البنية التحتية، لكنها فشلت في كسر إرادة المقاتل.
في حرب 2023 – 2026: انتقلت الآلة العسكرية إلى محاولة إعادة “زرع الرعب” عبر عمليات قطع الرأس (تفجيرات البيجر، اغتيال قادة قوة الرضوان، وتصفية الأمين العام للحزب حسن نصر الله). واليوم، يطبق الجيش بقيادة إيال زامير (رئيس الأركان الحالي الذي خدم في لبنان كغيره) نسخته الأكثر تطرفا وتدميرا لعقيدة الضاحية لتشمل كل قرى الجنوب.
هذا السلوك يعيدنا إلى الدرس الذي صاغه أورين كيسلر في كتابه Palestine 1936: “أن كل مواجهة بين إسرائيل والعرب يجب أن ينتج عنها خراب أكبر مما سبق، لنزع إرادة الحرب من قلوبهم ولإثبات أن كل هزيمة لاحقة ستكون أمرّ مما قبلها”.إذا أردنا اختصار هذا المشهد المعقد وعلاقة هؤلاء الجنرالات بجنوب لبنان في عبارة واحدة:
لقد عادوا لينتقموا لهزيمتهم الشخصية والعسكرية المذلة في 25 أيار 2000. عادوا اليوم كصنّاع سياسة بعد أن فشلوا كمطوري حرب، ليقودوا جيشا عاجزا عن الحسم الميداني، فصاغوا عقيدته على أساس “القتل بدلا من القتال”، و”التخريب بدلا من المواجهة”، و”الإيذاء الشامل بدلا من النصر العسكري”.




