هدى مرمر
لن أتحدّث عن ظهري الذي انحنى أكثر، أو الشيب الذي اقتحم رأسي، أو الرجفة التي تمكّنت من أطرافي، أو البرودة التي أيبست نظرتي.. سأحكي عن علاقتي التوكسيك مع هذه الحبوب الكاتمة، التي تخفي تحت غلافها الميرميّ، مسحوقًا عجيبًا لبنيًّا يجبرني على النهوض من سجني الداخلي كلّما وسوس لي عقلي بأن ألبّي نداء الفراغ.
لكثرة تعلّقي المرضيّ بالبروزاك، أصف علاقتنا بالتوكسيك. لا أستطيع العيش معه أو من دونه. في الوقت عينه، كان اكسير حياتي في السنوات الستّ الأخيرة؛ هو اكسير بالمعنى الحرفيّ دون استعارات وتنميقات. ليس أول “حبّ” يملأ عصبوناتي، لكن يبدو أنّه الأخير. إذ يومًا بعد يوم يتّضح لي أنّني لا أستطيع مفارقته مهما لبّد مشاعري وشوّه تعاطيّ مع المحسوس – وكأنّ إحساسي قبله كان غير مشوّه!! سأكون صريحةً، أنقذني البروزاك من شرور هذه البقعة الملعونة من العالم… هذا كان قبل الإبادة..
في ٧ أكتوبر غلبت الحماسة وعلا الشعور العروبي في دمي إلى مستويات لم أعهدها من قبل حتى في قمّة الهايبومانيا. هل بالفعل ستتحرّر غزّة من قضبانها؟ هل سيقايضون الأسرى الصهاينة بالأسرى الفلسطينيين؟ أسئلة كثيرة صدّعها واقع ٨ أكتوبر الذي سطّر بداية هزيمة آخر ذرّة أمل بالعدالة في نفسي.. وخلافًا لأزمتي السابقة مع العدالة الإلهية في أوائل عشرينيّاتي، هذه المرة لن أحمّل الله سخطي وأكفر بعدالته، بل سأكفر بخليقته. لن أقتل الأم والأب لأحيا، بل سأرجو موتًا رحيمًا وأترك هذه الدنيا الدنيئة لمجرميها…
لن أسهب في الحديث وأعدّد يوميات الحرب على غزّة ولا تبعاتها على لبنان والعدوان في جولتَين – حتى الآن – أو اندلاع هذه الحرب الاقليمية… فنحن قاسيناها معًا، كلٌّ في بقعته.. ما أودّ مشاركته فعلًا هو أنّ البروزاك حاليًا حائلي الوحيد بيني وبين نكستي وأنا أخطو نحو عقدي الرابع؛ سنّ اليأس بات حقيقةً دامغة لا تتعلّق بالتصابي بل هي نتيجة طفولة مبكرة تحت الدرج وفي الكوريدور وفي الملجأ، تبعتها صور مجزرة قانا ١٩٩٦ مباشرةً على هواء تلفزيون لبنان، وعزّزها مشهد محمد الدرّة. هكذا تشكّل وعيي، وهو سيرة موتٍ بطيء لا يوقفه الزمن. فما سبق هذه الإبادة، كان مجموعة إبادات صغيرة متنقّلة بين الجنوب اللبنانيّ وعلى امتداد الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، في السودان وليبيا، في العراق واليمن، وصولًا إلى سوريا.. أعيش من حرب إلى أخرى، عدّاد الموت يسجّل، بينما السيروتونين والدوبامين يُبادون في دماغي الثنائي القطب.
هل الحكاية حكايتي الشخصية أم حكايتنا نحن جيل الألفيّة الصعاليك؟ كففت من زمن عن البحث في عيون الآخرين عمّا يشبهني وعمّن يفهمني. ما أريده فعلًا هو غرفة في بيت هادئ لا يطاله القصف، بيت أأتمنه على كتبي وأبني فيه رفوفًا خشبية تضمّها. هل أمنيتي أنانية بينما أشلاء البيوت والبشر في الطرقات؟ ربما هي بالفعل كذلك، دون أن يعني أنّني سأستغني عن رفاهية الحلم. نعم قلت أنّني فقدتُ الأمل، لكنّني ما زلت أحلم بورودٍ بيضاء في حديقة الضيعة الحدودية، بكوب من الملّيسة الطازجة “قطفة اليوم، وحياتك!”، مع كتابٍ تلهيني عنه القطة البريّة الشقراء المصابة في إحدى عينيها. سأجالسها ما يكفي كي تتقبّل اقترابي منها وتخرخر تحت لمستي. ربما يعيد ذلك بعضًا من الحرارة إلى قلبي الذي قسى حتى تشظّى مثل شبّاك غرفتي هناك في حارتي الحبيبة التي حُرمتها.
كلّ شهر أحضّر أدويتي في مستوعبات صغيرة لتكفيني الشهر، حتى لا أضطرّ للنظر إليها يوميًّا قبل تجرّعها والشعور بالأسف على نفسي كوني أحتاج وسأحتاج هذه العقاقير للأبد. كم أخاف من فكرة أن ينفد البروزاك، وهو ما حصل خلال عدّة أزمات مرّت على البلد. أتحوّل دون جرعتي السحريّة منه إلى كتلة بؤسٍ تتدحرج في الهواء البائت وتنخرها صعقات كهربائية في كلّ مسامها. وهل أسوء من أن أكون في تلك الحالة في زمن الإبادة؟ حينها سنفقد، أنا والبروزاك، السيطرة على هذا الجهاز العصبيّ! مصيبة! لا أريد مجرّد التفكير بالأمر. لكنّ هذا الكابوس يؤرّقنني، ويتركني في العراء طفلةً أنهكها صوت القذائف فهربت في نومها إلى غابةٍ لا بشر فيها، وحوشها أكثر إنسانيّة من جنسها.
لا بدّ لي من بعض العرفان تجاه عقّاري العجائبي، فاليأس والبرودة ترفٌ لن أتنازل عنه. كيف لي وهو من ناشدت طويلًا مستغرقة في دموع حارّة بين غروبٍ وشروق، يومًا بعد يوم؟ البعض يعتبر علاقتنا إدمانًا، أو ضعفًا، أو حتى استسلامًا. “شدّي حالك، كوني قوية، استغني عن الدوا!” ماذا يعرفون عن فرط الحساسية تجاه ظلم العالم وإرساء اللاعدالة على طول الأبيض المتوسّط؟ ماذا يعرفون عن حقيقة هذا العالم المتوحش؟ لقد رأوا بعض جنونه أيام جائحة كورونا، وقد أيقنوا بشاعة الوجود في هذا الجحيم؛ إذًا لم يلومونني؟ لقد سبق و”شدّيت حالي” وتكبّرت على أقارب البروزاك، لأفقد توازني النفسي والجسدي وأهرول عائدةً إلى العيادة الباهتة الباردة التي برعت جوخة الحارثي بوصفها في رواية “نارنجة” قائلةً: “عمَّ تحدّثنا في الغرفة البيضاء، حين كنّا نعالج الحزن؟”
تقتحم الزنّانة خلوتي من جديد. هذه الإم كامل بلا حياء، تحاول تلقيمي ما أكتب. باتت جزءًا من حياتي القابعة على حافة الرجاء. تذكّرني دومًا ألّا أنسى قدرتها على محوي، والأصعب، على محو كلّ ما أحبّ.. يمكنها اغتيال الهواء حتى. رأيتها بأمّ العين. لأول مرة عشت تجربة ما قبل الموت التي يتحدّثون عنها. استفقت على صوت قذائف البارجة الحربية. ثمّ هرولت الطائرة الحربية الاسرائيليّة اشتياقًا للزنّانة. أخذ صوتها يقترب ويقترب حتى سمعت الصواريخ تنطلق وتموج غرفتي في لحظة صمت مطبق، وفكّرت: إذًا هذا كلّ ما في الأمر! سخرَت منّي وقهقهت وخرقت جدار الصوت قبل أن تكمل طريقها باتجاه بيروت لاقتراف ما عُرف بالأربعاء الأسود.
عدوّي الحبيب، يحدث أن أنساك، فتذكّرني الرعشة في أصابعي أنّني لست على ما يرام، وحين أتوه في سحابة من الضباب القاتم والذعر، تنذرني ساعتي الداخليّة المبرمجة على غريزتي للبقاء عوضًا عن غريزة الأمومة.. حينها، أبحث عنك في كلّ زاوية وعلى كل سطح حادّ، منكسرةً مقرّةً بضعفي. اكتم غيظي، دجّن غضبي، اطرد وساوسي وأحلامي، التهم ليلي ونهاري، امح رائحة الدماء التي تطاردني. ساعدني لأنسى أنّني نجوت للمرة الألف.. أعدك ألّا أتخلى عنك، دعني فقط أكتب قليلًا، وأقرأ كثيرًا.




