مصعب شاور
في أم الخير، جنوب شرق يطا، لا يحتاج فهد ماجد شعيب الهذالين، البالغ من العمر 17 عامًا، إلى أكثر من كرة ومرمى كي يشعر بأنه يعيش حلمه. لكن الطريق إلى المدرسة والملعب لم يعد سهلًا كما كان.
فهد يستعد لامتحانات التوجيهي هذا العام، ويحاول أن يحافظ على دراسته رغم انقطاعه المتكرر عن المدرسة بسبب إغلاق الطرق والمضايقات التي يقول إنها ترتبط بوجود المستوطنين والجيش في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، يتمسك بكرة القدم، وبحلم أن يصبح حارس مرمى، مثل حارسه المفضل إيكر كاسياس. “حلمي أصير لاعب كرة قدم، وتحديدًا حارس مرمى.”
منذ طفولته، كان ملعب أم الخير جزءًا من حياته. الملعب، الذي يزيد عمره على 20 عامًا، كان في السابق أرضًا من الحجارة والتراب، قبل أن تتم إعادة تأهيله ووضع أرضية من العشب الصناعي في بداية عام 2026.
لكن بعد إقامة كرفانات بالقرب منه في أكتوبر 2025، يقول سكان أم الخير إن الاعتداءات والمضايقات على الملعب بدأت تتكرر. وفي فبراير 2026، صدر أمر بهدم الملعب بحجة أن البناء غير قانوني، بحسب خليل الهذالين، رئيس مجلس أم الخير في مسافر يطا.
يقول خليل إن محاولات دخول المستوطنين إلى الملعب والاعتداءات والمضايقات استمرت، وإن آخر حادثة وقعت صباح يوم المقابلة، عندما دخل مستوطنون إلى ملعب الأطفال وأقاموا صلواتهم وطقوسهم فيه.
بالنسبة لفهد، الملعب ليس مجرد مساحة للعب. هو المكان الذي يهرب إليه من ضغط الدراسة والخوف، والمساحة التي يستطيع فيها أن يكون فقط شابًا يحب كرة القدم ويحلم بالمستقبل. لكن حتى هذه المساحة لم تعد آمنة تمامًا.
أحمد الهذالين، مدرب الألعاب والأنشطة الرياضية، بيّن أن الملعب يمثل المتنفس الوحيد تقريبًا للأطفال في أم الخير، وإن أجيالًا متعاقبة لعبت فيه. مضيفًا أن الأطفال كثيرًا ما يفقدون كراتهم عندما تخرج من حدود الملعب باتجاه المنطقة التي يوجد فيها المستوطنون.
“الكرة التي تخرج أثناء اللعب خلف الملعب ربما تكلفنا حياة أحد الأطفال، نتيجة تهديدهم بالقتل من قبل المستوطنين.”مفيدًا بأن الكرات صودرت عشرات المرات ولم تُعد إلى الأطفال.
وعندما سمع الأطفال بقرار هدم الملعب، كانت ردة فعلهم، بحسب أحمد، البكاء والصراخ، في تعبير عن مدى تعلقهم بالمكان وحاجتهم إليه رغم بساطته.
“افتقدت المعلمين”
خارج الملعب، يحاول فهد أن يتمسك بدراسته. فقبل انتهاء العام الدراسي السابق بنحو شهر، أُغلقت الطرق التي يستخدمها الطلاب، فانقطعوا عن المدرسة لنحو شهر، ثم عادوا إلى الدوام لمدة أسبوع قبل أن ينقطعوا مرة أخرى، لتصل فترة الانقطاع، إلى ثلاثة أشهر تقريبًا.
خلال الأيام التي لا يستطيع فيها فهد الوصول إلى المدرسة، يحاول أن يدرس بمفرده. يستيقظ مبكرًا، يصلي الفجر، يتناول الإفطار، يستمع إلى الأخبار، ثم يدرس لنحو ساعتين. وبعد الغداء والراحة والصلاة، يعود إلى الدراسة لنحو ساعة أخرى، قبل أن يخرج للعب كرة القدم.
لكن أكثر ما يفتقده في المدرسة ليس الكتب. فيقول “أفتقد المعلمين وأسلوبهم في التعليم.” كما يفتقد أصدقاءه، المزاح والضحك داخل المدرسة، وحتى عقاب المعلمين عندما لا ينجزون واجباتهم.
فهد يحب التعليم، لكنه يشعر أن الدراسة نفسها أصبحت أصعب. فالطريق إلى المدرسة يمر بالقرب من الكرفانات والمستوطنين، وهو ما يضيف إلى يومه الدراسي شعورًا دائمًا بالتوتر.
“بطلنا نحس بأمان”
أكثر ما غيّر شعور فهد بعدم الأمان كان استشهاد معلمه عودة الهذالين. كان عودة، معلم اللغة الإنجليزية، من أكثر المعلمين قربًا من الطلاب.
يضيف “كان الأستاذ المفضل، حتى المعلمين كانوا يحترموه، الكبير والزغير، لأنه عنده أسلوب محترم في التعليم.”
عندما سمع الطلاب صوت إطلاق النار ورأوا عودة على الأرض، اعتقدوا في البداية أنه أصيب، وأنه سيعود إلى المدرسة بعد فترة. “قلنا يمكن إصابة، وبعد شهر شهرين بيرجع يدرس.” لكنه لم يعد.
يقول فهد إن الطلاب دخلوا في صدمة، وإن فقدان معلمهم ترك فراغًا كبيرًا لديهم. “حسيت كآبة وحزن، وحسيت إنه التعليم صار ناقص بدون هذا الأستاذ.”
ومنذ ذلك الوقت، يقول فهد، لم يعد الشعور بالأمان كما كان. “من بعد استشهاد عودة بطلنا نحس بأمان.”
أصبح السكان يتناوبون على المراقبة في أوقات مختلفة من اليوم، لأنهم لا يعرفون متى يمكن أن يأتي المستوطنون. حتى الليل، الذي يفترض أن يكون وقتًا للراحة، لم يعد كذلك بالنسبة له.
يتحدث فهد عن مستوطنين يمرون بالقرب من المنطقة، يشغلون الأغاني ويطلقون أبواق سياراتهم، ما يجعل النوم والأكل والدراسة أكثر صعوبة. “الواحد ما يعرفش ينام، ما يعرفش يأكل، ما يعرفش يشرب، ما يعرفش يقرأ ويدرس حتى.”
ويقول إن الخوف يمكن أن يصل إلى داخل البيت نفسه.
“بيضربوك وإنت في بيتك… شو بدك أكثر من هيك؟”
وبالنسبة لطالب توجيهي، لا يتوقف أثر ذلك عند الخوف.
“ممكن المستوطن يجي اليوم، بتتشتت ذهنك، فبتصير ما بتعرف تقرأ.”
“صرنا مثل غنم في الحوش”
مع اتساع وجود المستوطنين، يشعر فهد بأن المساحات المتاحة لهم تضيق أكثر. “صاروا ياخذوا مساحات من الأراضي.” ويصف حالهم بصورة بسيطة لكنها قاسية:
“صرنا مثل غنم في الحوش.” كما لو أن حياتهم مرتبطة بالبوابة؛ إذا فُتحت استطاعوا الخروج، وإذا أُغلقت بقوا داخلها.
ومع ذلك، لا يريد فهد أن يتخلى عن حلمه. يريد أن يصبح مدرسًا لمادة التربية الدينية، وأن يكون داعية، وفي الوقت نفسه يحلم بأن يصبح حارس مرمى محترفًا.
وعندما يُسأل عن الحارس الذي يتمنى أن يشبهه، يذكر إيكر كاسياس، حارس ريال مدريد ومنتخب إسبانيا السابق.
لكنه يتحدث أيضًا بإعجاب عن لاعب آخر لا ينتمي إلى النادي الذي يشجعه. فهد مدريدي، لكنه يحترم لامين يامال لأنه رفع العلم الفلسطيني.
“أنا ما بحب برشلونة، بس لأنه رفع علم فلسطين صرت أحترمه.” بالنسبة لفهد، الانتماء إلى فريق لا يلغي احترام موقف يراه مهمًا.
بين المدرسة والملعب
في أم الخير، يحاول فهد أن يحافظ على ما يستطيع من حياته الطبيعية. يدرس عندما يستطيع الوصول إلى المدرسة، ويدرس وحده عندما تُغلق الطرق، ثم يذهب إلى الملعب ليلعب كرة القدم.
لكن الملعب نفسه مهدد، والطرق التي توصله إلى المدرسة ليست دائمًا مفتوحة. وبينما يقف فهد أمام المرمى، لا يبدو حلمه بعيدًا فقط بسبب صعوبة الوصول إلى الاحتراف.
هناك أيضًا واقع يومي يفرض عليه أن يدافع عن حقه في الدراسة واللعب والحياة الطبيعية.
هو يريد أن يصبح حارس مرمى. وفي مكان تتقلص فيه المساحات من حوله، يبدو أن فهد لا يحاول فقط حراسة مرمى في لعبة كرة القدم، بل يحاول أيضًا أن يحرس طريقه إلى التعليم، وأن يبقي حلمه واقفًا خلف مرمى يهدده الهدم.




