عمار جمهور
يمثل تنظيم وافتتاح كأس العالم لكرة القدم 2026 انعكاسًا جليًا وواضحًا لثقافة الدولة المستضيفة، فكل دول تحاول استغلال هذا الحد للترويج لمنظوماتها الحضارية والثقافية والقيمية والحداثية، من خلال إدارة الانطباعات والتصورات الإدراكية وتعزيز الصور الذهنية، وتوظيف كافة المنصات الإعلامية الرقمية، والتقنيات التكنولوجية لتعزيز أواصر التواصل مع دول والشعوب، لتحسين صورة الدول والترويج لها، وتعزيز الحوار الثقافي حول العالم رقميًا، وتشييد علاقات دولية قائمة على ثقافة القبول والتسامح.
ويعد كأس العالم لكرة القدم FIFA 2026))، النموذج الأحدث لتوظيف التكنولوجيا الحديثة وتعزيز الحوار العالمي رقميًا. وبطبيعة الحال فإن هذا الحدث يعتبر المثال الأبرز لتسليط الضوء على الدبلوماسية الرياضية الرقمية، فهو يجمع ما بين الإعلام الرقمي والرياضة باعتبارها أداة للقوة الناعمة، والدبلوماسية العامة.
ومن أبرز سمات ومظاهر الدبلوماسية الرقمية في كأس العالم 2026، الحوار العالمي والتفاعل القائم عبر المنصات الرقمية، والذي تَمثَل في اعتماد الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA لرزمة من الاستراتيجيات الرقمية بغية الوصول إلى جماهير جديدة عبر الألعاب الإلكترونية، ومنصات البث والشبكات الاجتماعية. وتعزيز الهوية المشتركة بين الدول المضيفة “المكسيك، أمريكا، كندا”.
فهذه هي المرة الأولى الذي يقام فيها المونديال بتنظيم مشترك، الأمر الذي يساهم في خلق نموذجًا رقميًا قائمًا على التعاون الإقليمي من خلال الحملات الإعلامية المشتركة والتواصل المباشر مع الجماهير حول العالم.
كما يشهد هذا المونديال توظيفًا واسعًا لتقنيات متقدمة من الذكاء الاصطناعي، والنماذج ثلاثية الأبعاد للاعبين، والتحليلات الفورية، وتقنيات الواقع المعزز، بهدف تقديم تجربة تفاعلية غير مسبوقة للمشجعين حول العالم.
كما أطلقت FIFA)) نظامFIFA Fan ID) )، الذي يمنح المشجعين تجربة رقمية موحدة تتضمن المحتوى الحصري والمكافآت والتفاعل مع فعاليات البطولة، مما يعزز الانتماء العالمي للحدث. ويرتكز هذا المونديال على شراكات إعلامية رقمية واسعة النطاق للوصول إلى جماهير تتجاوز 220 دولة وإقليمًا، مع التركيز على المحتوى التفاعلي وصناع المحتوى الرقميين لاستقطاب الأجيال الشابة.
وبطبيعة الحال فان الصورة لم تكتمل حتى الآن ولكن الدول المنظمة، تطمح إلى تحقيق سلسلة من الأهداف والإنجازات، ولا سيما الأهداف المتعلقة بتعزيز صورتها عالميًا. وتعميق الحوار بين الشعوب بثقافتها المختلفة، وتوسيع قاعدة النفوذ الثقافي الرياضي للدول المنظمة. وإظهار القدرات التكنولوجية الإبداعية والابتكارية كتعبير واضح للقوة الناعمة. وبناء مجتمعات رقمية عالمية تقوم بالأساس على الرياضة كفعل ومفهوم جاذب للمهتمين والمشجعين…الخ.
ومن أبرز القضايا التي تشكل تحديًا واضحًا في تنظيم هذا المونديال الخطر المتمثل بالأمن السيبراني الذي يعتبر تحديًا مواكبًا للحداثة وما بعدها، وحماية بيانات الجماهير، الذي يهدد السيادة الرقمية للدول المنظمة للمونديال هذا العام، بالإضافة إلى المعضلة الملازمة للتطور الحداثي المتمثل بتدفق الأخبار المفبركة والمضللة والمزيفة. ووجود ما يعرف بالفجوة الرقمية بين الدول المنظمة من جهة، وبعض الدول الأخرى سواء كانت مشاركة أم لا من جهة أخرى. والأمر الأكثر تعقيدًا المتمثل في إدارة الخطاب الجماهيري على منصات التواصل الاجتماعي والتحكم به والسيطرة عليه أو التأثير في مجرياته.
يمتاز كأس العالم 2026 بكونه يشكل أكثر من مجرد بطولة رياضية، بل هو أيضًا منصة عالمية للدبلوماسية العامة ” الدبلوماسية الرقمية الرياضية”، وذلك بفعل تداخل التكنولوجيا والإعلام والرياضة في بناء جسور التواصل بين الشعوب وتعزيز القوة الناعمة للدول والمؤسسات الرياضية. ويمكن اعتبار هذه النسخة من المونديال نموذجًا متقدمًا لكيفية توظيف الأدوات الرقمية في خدمة العلاقات الدولية والتقارب الثقافي العالمي.
ومع ذلك كله، فلا تزال السياسية تلقي بظلالها في مجريات الأحداث الرياضية في هذا المونديال، فمنع دخول الحكم الصومالي إلى الولايات المتحدة بالرغم من حصوله على دعوة رسمية من “الفيفا”. ومنع رئيس اتحاد كرة القدم الفلسطيني جبريل الرجوب من حضور المونديال يظهر ازدواجية المعايير وتناقض قيمي صارخ يعيد طرح أسئلة حول إثر الرياضة في السياسة او “العكس” أثر السياسية في الرياضة.




