محمد عبد الله
أطلقت وزارة المالية والتخطيط، اليوم الأحد، المرحلة التجريبية من تطبيق “يبوس”، في خطوة تمثل أحدث محاولات الحكومة الفلسطينية للتعامل مع الأزمة المالية الخانقة التي تعصف بالسلطة الفلسطينية منذ سنوات، وسط آمال بأن يسهم التطبيق في تخفيف الأعباء عن موظفي القطاع العام، مقابل تساؤلات حول مدى قدرته على إحداث أثر ملموس في ظل استمرار أزمة السيولة واحتجاز أموال المقاصة.
وبدأت الوزارة تشغيل التطبيق بشكل تجريبي لموظفي أربع مؤسسات حكومية هي: جهاز الدفاع المدني، وجهاز الضابطة الجمركية، ومحافظة القدس، ووزارة شؤون القدس، على أن تستمر المرحلة التجريبية أسبوعًا قبل تقييم النتائج تمهيدًا لتوسيع نطاق التطبيق ليشمل بقية موظفي القطاع العام.
وقال وزير المالية والتخطيط اصطفان سلامة إن التطبيق يمثل خطوة فلسطينية متواضعة تهدف إلى دعم صمود موظفي القطاع العام والحفاظ على كرامتهم، موضحًا أن اسم “يبوس” مستوحى من الاسم الكنعاني التاريخي لمدينة القدس.
وأضاف سلامة، أن التطبيق يهدف إلى ضمان عدم انقطاع الخدمات الأساسية عن الموظف، في ظل استمرار الأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة.
ويأتي إطلاق التطبيق في وقت تواصل فيه الحكومة الفلسطينية صرف أجزاء من رواتب موظفيها بدلاً من الرواتب الكاملة، نتيجة استمرار احتجاز إسرائيل جزءًا كبيرًا من أموال المقاصة، التي تشكل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة، إلى جانب الانكماش الاقتصادي الحاد وتراجع المساعدات الخارجية.
ويشرح الخبير الاقتصادي مؤيد عفانة أن “يبوس” عبارة عن محفظة مالية رقمية مخصصة لموظفي القطاع العام، تتيح لهم تسديد قيمة عدد من الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والاتصالات، باستخدام جزء من مستحقاتهم المالية المتراكمة لدى الحكومة، دون المساس بنسبة الراتب النقدي التي يتقاضونها.
ووفق عفانة، يستفيد من المرحلة التجريبية نحو ثلاثة آلاف موظف، فيما تهدف الحكومة إلى تعميم التطبيق لاحقًا على نحو 150 ألف موظف عمومي بعد تقييم التجربة ورصد نقاط القوة والضعف والأخطاء الفنية المحتملة.
ويؤكد عفانة في حوار خاص مع “بالغراف”، أن الخطوة تأتي استجابة لأزمة مستمرة منذ نحو خمس سنوات، أصبحت خلالها الرواتب المجتزأة واقعًا دائمًا، مضيفًا أن أي إجراء يخفف العبء عن الموظفين يمثل مكسبًا، خاصة في ظل غياب مؤشرات على انفراج قريب للأزمة المالية.
ويشير إلى أن الأموال المستخدمة عبر التطبيق لن تُقتطع من الراتب الجاري، وإنما من المستحقات المتراكمة للموظفين لدى الحكومة، وبسقف أولي يبلغ 500 شيقل، موضحًا أن ذلك يسمح للموظف بتسديد فواتيره الأساسية من المحفظة الرقمية، والإبقاء على كامل الراتب النقدي الذي يتقاضاه لتغطية احتياجاته الأخرى.
ويرى عفانة أن التطبيق قد يشكل نواة لتوسيع نطاق الخدمات مستقبلًا، بحيث يشمل الرسوم الحكومية والبلديات والمحروقات، معربًا عن أمله بانضمام مزيد من شركات القطاع الخاص إلى المنظومة بما يعزز الاستفادة منها.
وتابع عفانة “بحسب وزارة المالية، جرى حتى الآن توقيع اتفاقيات مع 16 شركة تعمل في قطاعات الكهرباء والمياه والاتصالات، على أن تتم تسوية المستحقات عبر نظام تقاص رقمي متعدد الأطراف، يشمل الضرائب والديون المستحقة بين الحكومة وتلك الجهات، أو من خلال التزامات مالية مستقبلية”.
ويشير خبراء إلى أن نجاح التجربة سيعتمد على مدى توسع شبكة الشركات المشاركة، وسهولة استخدام التطبيق، وقدرته على تلبية احتياجات الموظفين اليومية، إلى جانب استمرار التزام الحكومة بتمويل المحفظة من المستحقات المتراكمة.
وتواجه السلطة الفلسطينية واحدة من أشد أزماتها المالية، بعد استمرار إسرائيل في احتجاز واقتطاع أجزاء من أموال المقاصة، وهي الضرائب والجمارك التي تجبيها نيابة عن السلطة الفلسطينية بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي، وتشكل نحو 70 بالمئة من الإيرادات العامة.
وأدى استمرار هذه السياسة، إلى جانب الانكماش الاقتصادي وتراجع دخول الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل، إلى تعميق الأزمة المالية، وإجبار الحكومة على الاستمرار في صرف رواتب مجتزأة، مع تراكم مستحقات الموظفين عامًا بعد آخر.
وقبل أسبوع قال رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، إن إسرائيل تحتجز نحو 11 مليار دولار من الأموال الفلسطينية، ما يشكل تهديدا خطيرا لقدرة المؤسسات الفلسطينية على الاستمرار.
ورغم أن “يبوس” لا يوفر سيولة نقدية جديدة، ولا يشكل حلًا جذريًا للأزمة المالية، إلا أنه يمثل محاولة لتخفيف آثارها عبر توفير آلية بديلة لسداد جزء من النفقات الأساسية للموظفين، في انتظار حلول سياسية ومالية أوسع تعيد انتظام الإيرادات الحكومية وتمكن السلطة من العودة إلى صرف الرواتب كاملة.




