جيفارا سمارة
يرى المتزمتون أنَّ الأنظمة المسيطرة على العالم تستخدم كرة القدم أفيونًا للشعوب؛ تخدّرهم وتلهيهم عن أزماتهم في “هلوسة كروية جماعية”، انعكست أرقامًا قياسية غير مسبوقة في أعداد المشجعين والمتابعين لمونديال 2026، بعد أن تحطمت أرقام نسخة عام 1994، ليتجاوز عدد المشجعين 4.6 ملايين مشجع تابعوا المباريات، فيما استقطب تطبيق “الفيفا” 130 مليون زائر، أي أكثر بـ100 مليون زائر عن مونديال قطر، وبلغ حجم التفاعل والمشاهدات على مختلف المنصات 17 مليارًا، وفقًا للإحصائيات الواردة في البيان الرسمي للفيفا بتاريخ 28 حزيران.
فيما يدعم المؤرخون تلك النظرية بالتدليل على قِدمها وإن تغيرت الرياضة، مستندين إلى المقولة الرومانية الشهيرة “الخبز والألعاب” للشاعر جوفينال، وهو تحليل مضى عليه 1911 سنة، يصف كيف تنازل الشعب الروماني عن حقوقه السياسية وحريته مقابل الغذاء المجاني والتسلية الدموية، في استراتيجية حكم للسيطرة على الجماهير وضمان ولائهم، بالاعتماد على عروض المُجالدين (ذوي النفوذ والشهرة مثل ميسي ورونالدو ومارادونا… في زماننا هذا)، مما جعل الحلبة أداة لإفراغ الغضب الاجتماعي، ووسيلة فعالة لجعل الشعوب تحتفل بالإنجازات الرياضية كبديل زائف عن الإصلاحات البنيوية، وتغطيةً على الفساد وتراجع الحقوق.
بالمقابل، يختلف عشاق الساحرة المستديرة مع ما يعتبرونه “فذلكات” مثقفين، ويرون أنَّ الـ90 دقيقة هي ملاذٌ لمتعة الرياضة من شظَف العيش، وأنَّ للرياضة دورًا صحيًا وثقافيًا يتجاوز حدود الملعب (الكولوسيوم في هذه الأيام).
إلا أن الأيام الأخيرة في عمر المونديال، وتحديدًا الساعات التي أعقبت مباراة مصر والأرجنتين، والتي سبقها التدخل الأميركي “الترمبي” السافر في شؤون رياضة يُفترض بها أن تكون للجميع تحت قوانين اللعبة دون تمييز، جعلت الأطراف كلها تتفق على نظرية المؤامرة التي تفسد إنسانية اللعبة وجماليتها، التي يُفترض أن توحد الشعوب وتقارب المسافات؛ فما هي “الفيفا”؟ وما دورها الخفي في السياسة؟!
الفيفا دعمت الصهيونية في فلسطين منذ عشرينيات القرن الماضي وأيدت جريمة النكبة عام 1948
لم يكن الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) ليغفر للمدرب المصري حسام حسن عندما تجرأ على انتقاد كيان الاحتلال، وتحدث عن محظور جرائم الإبادة بحق الشعب الفلسطيني، بل ورفعه للعلم الفلسطيني، وجريمة حديثه الوحدوي لشعوب الأمة؛ فالفيفا تملك باعًا طويلًا وتاريخًا ممتدًا في دعم إسرائيل حتى قبل قيامها بعشرات السنين، ليس آخرها تجريد إندونيسيا من حق تنظيم كأس العالم للشباب 2023 بسبب رفضها استضافة المنتخب الإسرائيلي، وهو ما اعتُبر عقوبة للمتضامنين مع القضية الفلسطينية.
وفي عام 1928، في ظل الانتداب البريطاني وتغلغل الحركة الصهيونية في فلسطين، تأسس ما سُمي آنذاك بـ”الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم”، ممثلًا بفرق كرة قدم صهيونية لتثبيت وجود سياسي وثقافي على الأرض، ليحصل هذا الاتحاد على اعتراف الفيفا بعد عام واحد فقط من إنشائه ممثلًا رسميًا لمنتخب فلسطين في المحافل الدولية، ليبرز بعدها “الاتحاد الرياضي الفلسطيني العربي” ردًا على هذا التزوير والاحتلال الرياضي والثقافي، فحاربته قوة الاحتلال البريطاني آنذاك ومنعت إنشاء أي منتخب وطني فلسطيني حقيقي (الجزيرة بلس، 25 تشرين الثاني 2025).
بل وكان على الأندية الفلسطينية الحصول على تراخيص من الاتحاد الصهيوني لإقامة بطولات أو دعوة فرق، بل إن الفيفا أصدرت مراسيم وفرمانات تحظر على الفرق العربية وغير العربية أن تُلاعب الفرق الفلسطينية، وأن عقوبة هذه “الجريمة” بنظر الفيفا ستكون طرد هذه الفرق من الاتحاد الدولي، لقطع الطريق على كل ما هو فلسطيني خدمة للمشروع الصهيوني. ومع إنشاء كيان الاحتلال عقب نكبة عام 1948، سارعت الفيفا فورًا للاعتراف بإسرائيل، وتغيير اسم الاتحاد من “الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم” إلى “الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم” (الجزيرة الوثائقية، 7 تموز 2026).
الفيفا تعاقب روسيا وتتجاهل الإبادة في غزة
منذ شباط 2022، ودون أي سند أو مبرر قانوني يعود للمحاكم والهيئات القضائية الدولية لما وصفته الفيفا بأنه “جرائم حرب روسية” في أوكرانيا، سارعت الفيفا إلى فرض عقوبات وحظر شبه كامل على كرة القدم الروسية وعلى بيلاروسيا، بعد 4 أيام فقط من اندلاع الحرب التي تعتبرها روسيا دفاعية، وعلقت الفيفا مشاركة جميع المنتخبات الروسية (الرجال، السيدات، والفئات العمرية) في البطولات كافة حتى إشعار آخر، ومنعت إقامة أي مباريات دولية على الأراضي الروسية، بل وحظرت رفع العلم الروسي أو عزف النشيد الوطني.
وعلى المقلب الآخر، تبدو الفيفا عمياء صماء تجاه ما يجري من إبادة في قطاع غزة، التي أقرت المؤسسات والمنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة بأن ما جرى ويجري فيها هي فعلًا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؛ إذ رفضت الفيفا فرض أي عقوبة على إسرائيل، ولو حتى تعليق عضويتها، وبدلًا من ذلك، قدمت وعودًا جوفاء ومؤجلة بإعادة بناء البنية التحتية لكرة القدم في غزة وفلسطين. وقد أعلن رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، عن إنشاء صندوق لدعم الملاعب الجديدة وبرامج الشباب، ووقّع الفيفا شراكة استراتيجية مع ما يسمى “مجلس السلام” في رسالة سياسية واضحة لدعم المساعي الأميركية والإسرائيلية لإقصاء أي دور وطني فلسطيني أو حتى للأمم المتحدة.
وكان خبراء الأمم المتحدة قد دعوا في سبتمبر 2025 الفيفا والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) إلى تعليق مشاركة إسرائيل في المسابقات الدولية كـ”رد ضروري” على الإبادة الجماعية، فيما طالبت منظمة العفو الدولية (أمنستي) في أكتوبر 2025 فيفا ويويفا بتتعليق عضوية الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، مشيرة إلى أن وجود أندية من المستوطنات في الضفة الغربية ضمن الدوريات الإسرائيلية يُشكل انتهاكاً للقانون الدولي ولوائح فيفا.
كما تقدم الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في عام 2024 بحجج تتهم الاتحاد الإسرائيلي بانتهاك لوائح فيفا بسبب الحرب على غزة وإدراج أندية من مستوطنات غير قانونية في دوريه، لكن الفيفا ترفض، وتغمض عينيها عن إبادة إسرائيل لأكثر من 1,007 رياضيين، بينهم نحو 500 لاعب كرة قدم، فيما بلغ عدد الأطفال الرياضيين الشهداء ما لا يقل عن 103 أطفال، وتم تدمير ما مجموعه 269 منشأة رياضية بشكل كلي أو جزئي في قطاع غزة (أي أكثر من 90%)، وتحويل ما تبقى لاحقاً إلى مراكز اعتقال واحتجاز من قبل الجيش الإسرائيلي.
الفيفا ترفض قرارات الأمم المتحدة وترى في فرق المستوطنات أمرًا شرعيًا
منذ تقديم الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم (PFA) شكوى رسمية ومطالبة مدعومة من منظمات حقوقية دولية (مثل منظمة العفو الدولية) لتعليق عضوية الاتحاد الإسرائيلي (IFA) وعزله دوليًا، جاء الموقف الرسمي للفيفا كالآتي: “ترفض اللجنة الانضباطية في الفيفا اتخاذ أي قرار بتجميد أو تعليق نشاط المنتخبات أو الأندية الإسرائيلية دوليًا، وترى أن الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية مسألة معقدة لم تُحل بعد في القانون الدولي العام”، متجاهلة تمامًا قرارات الأمم المتحدة بضرورة انسحاب الاحتلال من الأراضي المحتلة لعام 1967، والفتاوى القانونية الصادرة عن محكمة العدل الدولية.
وفي خطوة لتجميل وجه الفيفا، اعتمدت عقوبات مالية وإجرائية مخففة بدلًا من العزل الرياضي، واكتفت لجنة الانضباط بالفيفا بفرض غرامة مالية قدرها 150,000 فرنك سويسري على الاتحاد الإسرائيلي، مع توجيه “تحذير” له، وإلزامه برفع لافتة “كرة القدم توحد العالم – لا للتمييز” في مبارياته الثلاث المقبلة.
واستندت الفيفا في هذه الغرامة والتحذير إلى انتهاك الاتحاد الإسرائيلي للمادتين (13) الخاصة بالسلوك الهجومي ومبادئ اللعب النظيف، و(15) المتعلقة بالتمييز والإساءات العنصرية، دون التطرق مباشرة لجرائم استهداف المنشآت واللاعبين في قطاع غزة كأسباب لعقوبات رياضية سيادية (على غرار ما تم اتخاذه سريعاً ضد روسيا).
وأكدت تقارير “هيومن رايتس ووتش” ومنظمة العفو الدولية وجود 6 أندية إسرائيلية على الأقل مقرها في مستوطنات غير قانونية بالضفة الغربية وتلعب مبارياتها على “أراضٍ مسروقة” من الفلسطينيين، وهو ما اعتبرته المنظمات الحقوقية انتهاكًا لنظام الفيفا الأساسي؛ إذ تمنع المادة 64.2 الأندية من اللعب في أراضي اتحاد عضو آخر (فلسطين عضو منذ 1998) دون إذنه.
واعتبر ناشطون أن صمت الفيفا يساهم في “تطبيع الاحتلال والمحو”، وقد صرّح رئيس الفيفا جياني إنفانتينو بأن “الفيفا لا يمكنه التدخل في القضايا الجيوسياسية”، مدعيًا أن دور الاتحاد هو تعزيز كرة القدم وتسخير قيمها الموحدة بعيدًا عن الصراعات السياسية.
الفيفا إمبراطورية بمليارات الدولارات وولاء للقوى العظمى
ويأتي الجدل حول تواطؤ الفيفا والتدخلات السياسية في عملها وسط تحولها إلى “إمبراطورية مليارية” تتعاظم ثروتها وموجوداتها المالية بشكل كبير، لا سيما في السنوات الأخيرة، وتُعد الاحتياطيات المالية المؤشر الأبرز على ثروة الاتحاد، وقد شهدت نموًا هائلًا؛ حيث تتوقع الفيفا جني 13 مليار دولار للدورة المالية كاملة، وللمقارنة، كانت الاحتياطيات تبلغ 76 مليون دولار فقط في عام 2003، في مؤشر على أن تحول المونديال في كثير من الأحيان من “مهرجان كروي” إلى ساحة لتلميع الأنظمة أو تصفية الحسابات الجيوسياسية، أمر يعود بالنفع على الفيفا ماليًّا. وهو ما انعكس نفوذًا أميركيًا بعد رضوخ الاتحاد الدولي لضغوط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإعادة المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون إلى اللعب بعد حصوله على البطاقة الحمراء، وهو ما اعتبره مدربون مثل يورغن كلوب وتوماس توخيل “أمرًا جنونيًا” ينسف نزاهة اللعبة.
كما طالب نواب في البرلمان الأوروبي بفتح تحقيق رسمي في دور إنفانتينو وآلية اتخاذ القرار في قضية بالوغون، محذرين من انتهاك قواعد الحياد السياسي. وخلص منتقدون ومنهم الصحفي سيمون بولي، إلى أن “المال والولاءات السياسية” أصبحا المعيار الأول للفيفا، مما أدى إلى فقدان كرة القدم لجوهرها التنافسي وتحويلها إلى أداة لخدمة القوى العظمى والأنظمة التي تضخ الأموال.




