محمد عبد الله
ما زالت أزمة المحروقات في الضفة الغربية تلقي بظلالها على الحياة اليومية للمواطنين، في ظل استمرار إغلاق عدد من محطات الوقود أو عملها بشكل متقطع نتيجة نقص الإمدادات، فيما تشهد المحطات التي تتوفر فيها كميات من الوقود طوابير طويلة من المركبات تمتد لساعات قبل نفاد الكميات المتاحة.
وتسببت الأزمة بحالة من الاستياء الواسع في أوساط المواطنين الذين عبّروا عن تذمرهم من طريقة إدارة الأزمة والتعامل معها، وسط تساؤلات متزايدة حول أسباب النقص الحاصل، ومدى جاهزية الجهات الرسمية للتعامل مع الأزمات المرتبطة بقطاع حيوي يمس مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والخدماتية.
وفي خضم استمرار الأزمة، أصدر الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة “أمان” بيانًا اعتبر فيه أن ما تشهده السوق الفلسطينية لا يمكن النظر إليه باعتباره أزمة مؤقتة ناجمة عن ظروف طارئة فقط، بل هو انعكاس لمشكلات بنيوية تراكمت على مدار عقود في إدارة قطاع البترول الفلسطيني.
وقال الائتلاف إن الأزمة أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول آليات إدارة هذا القطاع الاستراتيجي، ومدى توفر منظومة حوكمة قادرة على ضمان الشفافية والمساءلة وحماية المال العام ومنع إساءة استخدام السلطة أو النفوذ لتحقيق مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة.
وأشار “أمان” إلى أن قطاع البترول ظل يُدار لعقود طويلة دون إصلاح مؤسسي حقيقي، لافتًا إلى أن الهيئة العامة للبترول مارست صلاحيات واسعة لسنوات طويلة قبل صدور أول قانون ينظم عملها عام 2023، بعد أكثر من ربع قرن من غياب إطار تشريعي متكامل.
وبحسب البيان، فإن استمرار تركز الصلاحيات وتداخل الأدوار بين رسم السياسات والإشراف والتنفيذ والرقابة أضعف أدوات المساءلة وأخّر بناء منظومة حديثة لإدارة المخاطر والأزمات، وهو ما انعكس بصورة واضحة خلال الأزمة الحالية.
ورأى الائتلاف أن قرار مجلس الوزراء في أيار/مايو الماضي بالمصادقة على تشكيل مجلس إدارة تأسيسي للشركة الوطنية للمحروقات يمثل خطوة تستوجب إعادة هيكلة واضحة للقطاع، بما يضمن الفصل بين المهام التنظيمية التي تتولاها الهيئة العامة للبترول والمهام التجارية والاستثمارية التي يمكن أن تضطلع بها الشركة الحكومية الجديدة، مع الحفاظ على دور القطاع الخاص وتعزيز المنافسة العادلة والشفافية في إدارة العقود والعطاءات.
وأكد “أمان” أن ضعف الحوكمة يهيئ بيئة مناسبة لنمو الفساد وتعاظم مراكز النفوذ الاقتصادي، مشيرًا إلى أن قضايا فساد سابقة شهدها القطاع كانت مؤشرًا على الحاجة إلى إصلاحات مؤسسية عميقة تعالج أسباب الخلل وليس فقط نتائجه.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه معاناة المواطنين للحصول على الوقود، حذر الائتلاف من أن استمرار الاختلالات التنظيمية قد يؤدي إلى مزيد من التأثيرات السلبية على الاقتصاد الفلسطيني وعلى قدرة المؤسسات العامة في إدارة الأزمات، داعيًا إلى عدم الاكتفاء بالحلول المؤقتة أو معالجة تداعيات الأزمة الحالية بصورة آنية.
وشدد البيان على ضرورة إطلاق مراجعة وطنية شاملة لمنظومة حوكمة قطاع البترول، واستكمال إعادة هيكلته بما يحقق الفصل بين رسم السياسات والتنظيم والرقابة والتنفيذ، إضافة إلى تعزيز الشفافية والإفصاح عن العقود وآليات التسعير والمخزون الاستراتيجي والبيانات المالية، وتمكين مؤسسات الرقابة من ممارسة دورها باستقلالية وفاعلية.
كما دعا إلى وضع استراتيجية وطنية لأمن الطاقة وإدارة المخاطر تضمن استدامة الإمدادات وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات المستقبلية، خاصة في ظل التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها الأراضي الفلسطينية.
وفي سياق متصل، أكد “أمان” أن أي قضايا أو شبهات مرتبطة بقطاع المحروقات يجب أن تعالج حصرًا عبر النيابة العامة والقضاء، بعيدًا عن أي تسويات أو ترتيبات خارج إطار القانون، حفاظًا على المال العام وتعزيزًا لثقة المواطنين بمنظومة العدالة.
ومع استمرار الأزمة دون حلول نهائية حتى الآن، تتزايد المطالب الشعبية والرسمية باتخاذ إجراءات عاجلة تضمن انتظام إمدادات الوقود وإنهاء حالة الازدحام التي تشهدها المحطات، بالتوازي مع معالجة الأسباب البنيوية التي كشفتها الأزمة الحالية، والتي يرى مراقبون أنها تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات الرسمية على إدارة قطاع استراتيجي يمس حياة المواطنين والاقتصاد الوطني بصورة مباشرة.




