loading

من “الشيقل” إلى “يا طالعين”..هكذا يزور الاستعمار الثقافة

جيفارا سمارة

“للأغاني أبعادٌ تتجاوز الترفيه؛ لتُشكّل إرثًا تشهد عليه ترنيمة “نيكال” كأقدم أنشودة مدوّنة اكتُشِفت في أوغاريت السورية قبل 3500 عام، غير أن الصوت سبق الحرف إذ ظلت ذاكرة الشعوب تنتقل عبر الأجيال حيّة، تبدأ ببيتٍ واحد تتراكم عليه الكلمات والأسماء والأمكنة، مكسبةً إياه صدقيةً جمعية وهويةً عبر آلاف السنين، تتطور الى حاملٍ ثقافي ووعاءٍ حيّ للذاكرة، يختزن التاريخ بانتصاراته، ومراثيه، ومقاومته..وصولًا لأعمق المعتقدات.”

توليفة يطمع بها مشروعٌ استيطاني، قام على اختلاط هجرات من الشرق والغرب، لمحاولة رتق فجوته التاريخية وهندسة الجغرافيا ثقافيًا، في رهان على الوقت وسيلة لفرض واقعٍ مزيف، بدأ بسرقة “الشَّقْل” (وحدة الوزن الكنعانية التي تعني الثِّقْل المستخدم في التعاملات التجارية قبل ظهور العملات)، ليُعيد تزويرًا إلى “الشيقل الإسرائيلي”، في عملية غسيلٍ نمطية للرموز والتاريخ، لتمنحه شرعية الانتماء.

وتبرز أحدثُ محاولات القرصنة هذه وأوقحُها في السطو على لحنِ أغنية “يا طالعين الجبل”؛ وهي ترويدةٌ نابعةٌ من أعمق طبقات التراث الشعبي الفلسطيني، أغنية ابتكرتها النساءُ كرسائلَ مشفرة يُلقينَها أمام سجون الاحتلال البريطاني لتهريب المعلومات للأسرى دون أن يفهم السجّان، متخذاتٍ من أسلوب الملالاة، وسيلةً للتمويه ونغمةً للتمويه والرمز؛ تُسلب اليوم جهارًا في محاولةٍ مكشوفة لطمس سياقها النضالي، لترافقها كلمات عبرية وصور مستوطنين يرعون أغنامًا مسروقة من مزارعين فلسطينيين، وارض مسروقة من أصحابها في الضفة الغربية المحتلة.

ويراهن المزوِّر على أن الجيل الأصلي الذي يمتلك الحق الشفهي أو التاريخي سيموت أو يتعب، وأن الأجيال القادمة (من الطرفين، أو على المستوى الدولي) ستولد لتجد اللحن أو الأغنية تُؤدّى باللغة الجديدة وفي المهرجانات الجديدة، فتفترض بالعادة أنها أصلية، وهو ما يُسمى في علم الاجتماع السياسي “الاستنزاف الذاكراتي”؛ أي الرهان على أن التكرار المستمر للباطل عبر عقود سينسخ الحقيقة الأولى، كحال “الشقل الكنعاني” كنسخة أصلية، و”الشيقل الإسرائيلي” كتزوير واستعمار للرموز.

ويرى الأكاديمي والمؤرخ شريف كناعنة الفولكلور بوصفه أرشيفًا اجتماعيًا وإثباتًا وجوديًا، فالأغنية مدخل إلى فهم بنية المجتمع وشكل من أشكال الأرشيف غير الرسمي، تحفظ كيف كان الناس يزرعون، ويحتفلون، ويتزوجون، ويتخيلون العالم، وما الألفاظ التي استخدموها وأسماء النباتات والأدوات والأماكن التي عرفوها، وهذه الكثافة في التفاصيل تمنح التراث قوته بوصفه شهادة على أن الأرض لم تكن فراغًا، بل كانت فضاءً مأهولًا بعلاقات اجتماعية وذاكرة ولغة وطقوس. 

وعندما تُنتزع أغنية فلسطينية من سياقها وتُنسب إلى رواية ثقافية أخرى، لا تجري سرقة لحن منفرد فحسب، بل يُفصل اللحن عن شبكة كاملة من المكان واللهجة والعمل والطقوس. فالاستيلاء الثقافي يبدأ غالبًا بحذف اسم الجماعة التي أنتجت الأثر، ثم عرضه كتراث مجهول الأصل أو كجزء طبيعي من ثقافة المستولي.

فيما تنطلق روزماري صايغ في كتابها “الفلسطينيون”: من الفلاحين إلى الثوار” ينطلق مشروع روزماري صايغ من اختلال أساسي في كتابة التاريخ: الدولة والمؤسسات المهيمنة تمتلك الأرشيف والإعلام والقدرة على تصنيف الأحداث، بينما يجد اللاجئ أو الفلاح أو المرأة المهجّرة نفسه خارج الوثيقة الرسمية.

 لذلك عملت صايغ على نقل مركز الرواية من المؤسسة إلى أصحاب التجربة، ولا سيما اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان والنساء اللواتي حملن ذاكرة الحياة السابقة للنكبة والاقتلاع والمنفى، وهنا تكتسب الأغنية والأهزوجة قيمة خاصة؛ فهما لا تنقلان المعلومات وحدها، بل تحفظان ما قد تعجز المقابلة المباشرة عن تسجيله: نبرة الحزن، والإيقاع الجماعي، وطريقة النداء والاستجابة، والعبارات التي استخدمها الناس للتعامل مع الموت والفقد. فالأغنية ليست بديلًا بسيطًا عن الوثيقة، وإنما نوع مختلف من الشهادة، يجمع بين الحدث وأثره النفسي والاجتماعي.

وفي كتاب عن مطبعة جامعة إنديانا عام 2013، وحرره مصلح كناعنة وآخرون بعنوان: “الموسيقى والأغنية الفلسطينية: التعبير والمقاومة منذ عام 1900″، يقدم الكتاب تمييزًا أساسيًا بين أغنية تتحدث عن المقاومة وموسيقى تمارس المقاومة بالفعل، فالأولى قد تصف الشهيد أو الأسير، أما الثانية فتؤدي وظيفة اجتماعية وسياسية أثناء أدائها تجمع الناس، وتنقل رسالة يصعب نشرها، وتعيد تعريف هوية الجماعة، وتخلق إحساسًا بالقدرة المشتركة.

كما يوسّع الكتاب معنى المقاومة فهي لا تقتصر على المواجهة المسلحة، بل تشمل الإضراب والمقاطعة والعصيان المدني، وكذلك البقاء ورفض الاختفاء والتمسك بالحياة الطبيعية والإنسانية تحت الاحتلال. وبذلك قد تكون الأغنية مقاومة حتى عندما لا تحمل خطابًا عسكريًا؛ يكفي أحيانًا أن تحفظ اسم القرية، أو تعيد أداء رقصة مهددة بالمحو، أو تتيح للفلسطيني أن يظهر بوصفه إنسانًا وصاحب ثقافة لا مجرد موضوع للصراع. 

يكشف فصل ديفيد ماكدونالد عن الفولكلور والمقاومة الشعبية خلال الانتفاضة الأولى أن إحياء التراث لم يكن نشاطًا هامشيًا، بل دخل في صلب التعبئة السياسية. فقد استُخدمت الموسيقى والرقص والحكايات والصور الشعبية لربط مشروع إنهاء الاحتلال باستعادة فلسطين الثقافية السابقة لعام 1948، ولإدخال الفلاحين والفقراء والشباب والنساء واللاجئين في الحركة الوطنية، بدلًا من بقاء الخطاب محصورًا في النخب.

ويعتبر الكتاب إنه لا يعود للتراث هنا زينة للمقاومة، بل يصبح بنيتها الاتصالية. فاللحن يؤدي دور وسيلة إعلام شعبية: يحمل الرسالة بين القرى والمخيمات، ويوحد الحشود، ويصعب على السلطة المحتلة السيطرة عليه لأنه لا يحتاج دائمًا إلى مطبعة أو إذاعة أو مؤسسة مركزية. ويشرح الكتاب كيف دمجت الأغاني بين الإيقاعات والأنغام المألوفة ورسائل سياسية معاصرة، فربطت “الماضي” المتجسد في التراث بـ”الحاضر” المتجسد في المقاومة الشعبية. 

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني