loading

التسوّق من “الكنبة” أفقدنا متعة التجربة

ياسمين الأزرق

بين فينة وأخرى أتذرع بشراء شيءٍ “ضروري” من السوق، وأقسم مرارا بأنه لا يمكنني أن أبتاعه من المتاجر الإلكترونية، لكن الحقيقة أني مشتاقة لنفسي القديمة التي تغرق في السوق بين أشياء أريد شراءها فعلا وأخرى تثير فضولي أو استيائي، أضيع لساعة واثنتين بين ملامح الناس الذين يتجولون لابتياع أشياء كثيرة، الضروري منها أو ما يغذي حُب التسوّق لديهم، العيون اللامعة للأطفال وهم ينظرون إلى الحلوى أو الألعاب الملونة، انشغال الجدات في شراء لوازم الطبخ القديمة والأعشاب البلدية، يمكن لأكلاتهم اللذيذة أن تتسلل رائحتها في أنفي دون أن أراها، أعد الخطوات حتى يتحجّر حلقي فأبتاع عصير شمندر وبرتقال ورمان، يا إلهي كم هو مزيج رائع حين أكافئ نفسي به بعد آلاف الخطوات التي سرتها بحب على أرصفة السوق وشوارعه.

في كل مرة أشتم المتاجر الإلكترونية، وكل وسائل الرفاهية التي سرقت منا متعة الأشياء من حولنا، نختار لباسًا من متجر إلكتروني، وننسقه عبر تطبيق (Pinterest) بما يتلاءم مع صيحات الموضة، ثم نخرج إلى الشارع متشابهين، نحصل على الإطراء لا محال، لأننا خرجنا بالصورة التي يريدوننا أن نكون عليها، لكنّ التفرّد في هذه الحالات بات نادرًا جداً، صرنا نبحث في النتيجة لا السبب، ونفكر بالوصول دون أن نعيش المتعة التي تهدينا إياها الرحلة.

حتى عندما نرغب بشراء البقالة، صار بإمكاننا ابتياعها من المتاجر الإلكترونية أيضًا، لن نسمح لرائحة الليمون أن تلتصق بأصابعنا ونحن نختار الطازج منه، ولا للعصائر الباردة أن تنادينا بالندى الملتصق على زجاجها في الثلاجات عندما تكون درجات الحرارة مرتفعة، غير أن فضولنا يقل تدريجيًّا حول تجربة أشياء جديدة، لا تخطر في بالنا حين نعد قائمة سلة المشتريات ونطلبها إلكترونيا، فبعض الأشياء تُنادينا حين نراها على الرفوف “جربني قد أصبح نكهتك المفضلة”.

هذه التكنولوجيا حرمتنا من “التجربة”، تجربة ما يشبهنا أو اكتشاف ما يلائمنا، ما يتناسق مع أجسادنا، لون البشرة، ما يمكنه إبراز حقيقة هويتنا، وجمالنا الذي لا يمكن لأحد اكتشافه بقدرنا، من نحن؟ من نكون؟ ما نوع القماش، حساسية أجسامنا له! ناهيك عن التكاليف المضاعفة وعدم قدرتك على خوض نقاش مع البائع أو المناقشة للحصول على صفقة تناسبك، وبما أنك لن تجد ما تريد في متجر إلكتروني محلي واحد، ستحتاج إلى دفع الكثير من الأموال لشركات التوصيل لشراء احتياجات العائلة وكمالياتها، وغالبا سيكون الرد “السوق من العصر الحجري” أي أنك لن تجد ما تبحث عنه في السوق، أو لا وقت لديك لزيارته.

ومن زاوية أخرى، فإن التاجر البسيط الذي يتحمل إيجارات مرتفعة في مناطق السوق المركزية، رسوم الترخيص والضرائب والمسقفات، فواتير الكهرباء والمياه وأجور العمالة، في ظل انتشار ثقافة “التسوق من الكنبة” في أجواء من الراحة والوفرة والتكاسل، ليفقد التاجر جزءًا كبيرًا من الحركة العفوية للشراء اليومي في منافسة غير عادلة، غير أن التاجر التقليدي يجد نفسه محاصرًا ببضائع موسمية راكدة، بعد أن جمّد رأس ماله الأساسي، في حين يستطيع التاجر الإلكتروني تغيير نشاطه ونوع بضاعته بين ليلة وضحاها بدون التزام بعقد إيجار أو ديكور محل أو حتى تكاليف لإنشاء صفحة إلكترونية يعرض من خلالها منتجاته، التي قد تطلبها ثم تتفاجأ برداءة المنتج مقابل الصورة المنتشرة والمكررة بين أكثر من تاجر على الصفحات الإلكترونية.

أما أنا فلست معادية للتجارة الإلكترونية، فهي بحد ذاتها تطور طبيعي لا يمكن إيقافه، لكن الصدمة على التاجر البسيط تكمن في غياب المظلة التنظيمية والقانونية التي تحمي القطاع التجاري الصغير من العشوائية.

ولكن عليّ الاعتراف بأني أشعر أحيانًا كثيرة بأني لا أزال أعيش في حقبة زمنية قديمة، ولهذا ألمس سحرًا خاصًا بالتسوق من الأسواق المحلية و”دكاكين الحارة” في مدننا، شعور لا يمكن لأي شاشة هاتف أو صفحة افتراضية أن تعوضه؛ فالتجربة هناك لا تقتصر على تبادل سلعة بنقود، بل هي تفاعل إنساني حيّ يبدأ بالتحية الدافئة، مرورا بمعاينة البضائع ولمس تفاصيلها، وصولاً إلى تلك الأحاديث العابرة مع تاجر يعرف جيرانه وزبائنه بالاسم. 

وحين تتحول بوصلة الشراء بالكامل نحو المتاجر الإلكترونية، فإننا لا نفقد مجرد منتج يصلنا حتى باب البيت، بل نخسر شيئاً أعمق بكثير من روح مدننا ودفء علاقاتنا الاجتماعية، لنستبدل بساطة التواصل الإنساني بتجارب باردة تخلو من الحياة.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني