تسنيم سمور
خطوةً بخطوة.. يتحرك اللاعب بقطعته على رقعة اللعب، يترقب حركة خصمه، يبحث عن الفرصة المناسبة للقفز فوق إحدى قطعه واقتناصها، حتى تصل القطعة إلى الصف الأخير فتتحول إلى “ضامة”، فتكتسب قوة أكبر وتصبح قادرة على الحركة إلى الأمام والخلف، معلنةً بداية مرحلة جديدة من التحدي.
بهذه القواعد البسيطة، عاشت لعبة الضامة في ذاكرة الفلسطينيين لعقود طويلة، فلم تكن مجرد لعبة للتسلية، بل كانت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، وطقسًا اجتماعيًا يجتمع حوله الأهل والجيران، يتبادلون الأحاديث والضحكات، ويصنعون لحظات بقيت حاضرة في الذاكرة الشعبية.
وتعد الضامة واحدة من عشرات الألعاب الشعبية التي عرفها المجتمع الفلسطيني، والتي ارتبطت بعادات الناس وتقاليدهم، وشكلت جزءًا من الموروث الثقافي غير المادي، إذ حملت بين تفاصيلها قصص الأجداد، وطريقة عيشهم، وقيمهم الاجتماعية.
الألعاب الشعبية.. ذاكرة مجتمع وحكايات أجيال
لم تكن الألعاب الشعبية الفلسطينية مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل جاءت كجزء من نمط حياة المجتمع، خاصة في الفترات التي تقل فيها الأعمال الزراعية أو التجارية.
ويشير الباحث في التاريخ الفلسطيني مفيد جلغوم إلى أن الألعاب الشعبية كانت مرتبطة بالبيئة الفلسطينية وبالحياة اليومية للناس، موضحًا أنها ظهرت كوسيلة لتعبئة أوقات الفراغ خارج مواسم الزراعة أو الأعمال الأخرى كالتجارة والصيد.
ويقول جلغوم إن الفلاح الفلسطيني، خاصة في فصل الشتاء حين تقل الحركة الزراعية، كان يجد في هذه الألعاب وسيلة للترويح عن النفس، والاجتماع مع الأصدقاء والجيران، لتتحول مع مرور الوقت إلى جزء من الروابط الاجتماعية والتراث الجماعي للشعب الفلسطيني.
ويستذكر جلغوم مشاهد من الماضي حين كان كبار السن يلتقون بعد صلاة العصر في دكاكين الحارات، بعضهم يرتدي الزي الشعبي الفلسطيني من القمباز والحطة والعقال، ويتجمعون حول ألعاب مثل المنقلة، التي تتكون من قطعة خشبية تحتوي على أربعة عشر تجويفًا، وسط أجواء مليئة بالحماس والضحكات والتحديات.
هذه الجلسات لم تكن مجرد منافسات، بل كانت مساحة للتواصل ونقل الحكايات والأمثال الشعبية، ومنها المثل المرتبط بلعبة المنقلة: “غلب الحبّة للقبة”، للدلالة على الانتصار بفارق بسيط.
بيت الضامة.. إعادة الحياة للألعاب التي كادت تختفي
مع تغير نمط الحياة وانتشار التكنولوجيا والألعاب الإلكترونية، بدأت مساحة الألعاب الشعبية تتراجع، وتراجعت معها اللقاءات الاجتماعية التي كانت تجمع الناس حولها، الأمر الذي دفع سماهر الرومي إلى تأسيس بيت الضامة في بلدة الزبابدة بمحافظة جنين؛ ليكون أول بيت فلسطيني متخصص بإحياء وتصنيع الألعاب الشعبية والتراثية.
لم تبدأ الفكرة كمشروع تجاري تقليدي، بل كمبادرة فردية قائمة على الشغف والإيمان بأهمية الحفاظ على الذاكرة الشعبية، إذ انطلقت بجهود ذاتية وإمكانات بسيطة، قبل أن تبدأ لاحقًا ببناء شراكات مع مؤسسات ومراكز مجتمعية مختلفة لنشر الفكرة وتوسيع أثرها.
ولا يقتصر عمل بيت الضامة على إعادة إنتاج لعبة واحدة، بل يشمل عشرات الألعاب الشعبية التي تُصنع يدويًا من الخشب، وتُزين برموز من البيئة والهوية الفلسطينية، مثل الصبار، والحطة الفلسطينية، والزيتون، والقمح، والتين، والعنب، والبيوت القديمة، لتتحول كل قطعة إلى حكاية تحمل جزءًا من الذاكرة الفلسطينية.
من السيجة إلى المنقلة.. تراث يُمارس لا يُحفظ فقط
يضم بيت الضامة مجموعة واسعة من الألعاب التي عرفها الأجداد، منها: الضامة، والسيجة، والمنقلة، والكلاكل، والبنانير، والبلابل، والسبع حجار وغيرها.
وترى سماهر الرومي أن أهمية هذه الألعاب لا تكمن في كونها وسائل للترفيه فقط، بل في كونها أدوات تحمل قيمًا اجتماعية وإنسانية، مثل الصبر، والتفكير، والتعاون، والتنافس الشريف، كما أنها كانت وسيلة لنقل الحكايات والتجارب بين الأجيال.
وتؤكد أن الهدف من المشروع هو إعادة تقديم التراث بطريقة معاصرة وتفاعلية، بحيث لا يبقى محفوظًا في الكتب أو المتاحف فقط، بل يصبح تجربة يعيشها الأطفال والعائلات والزوار.
تجربة تراثية متكاملة في الزبابدة
بين الطبيعة الهادئة والسهول الزراعية الواسعة، اختار بيت الضامة موقعه في بلدة الزبابدة، ليمنح الزائر تجربة مختلفة تجمع بين المكان والذاكرة والتراث.
ويقدم البيت برامج متنوعة تشمل جلسات اللعب الشعبي، وورش صناعة الألعاب اليدوية، والحكايات التراثية، وتجارب خبز الطابون، والأنشطة المرتبطة بالموروث الشعبي، إضافة إلى استقبال المؤسسات والعائلات والمخيمات الصيفية.
كما يحرص المشروع على الوصول إلى مختلف أبناء الشعب الفلسطيني، بما في ذلك الفلسطينيون في الداخل المحتل، انطلاقًا من أن التراث مساحة مشتركة تجمع الفلسطينيين حول ذاكرة واحدة.
وتطمح الرومي مستقبلًا إلى توسيع المشروع، وتوثيق الألعاب الشعبية الفلسطينية والعربية، وربط التراث بالتكنولوجيا الحديثة عبر الأرشفة الرقمية والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في حفظ هذه الألعاب وتعليمها، إضافة إلى التعاون مع طلبة التكنولوجيا لتنفيذ مشاريع تخدم هذا المجال.
مديرية الثقافة: الألعاب الشعبية جزء من الهوية الفلسطينية
تؤكد مديرة مديرية الثقافة في جنين حنين الزرعيني أن الألعاب الشعبية تمثل جزءًا أصيلًا من التراث الثقافي الفلسطيني غير المادي، كونها تحمل ذاكرة المجتمع وتعكس قيم التعاون والتنافس الشريف.
وتوضح الزرعيني أن الألعاب الشعبية ليست مجرد وسائل للترفيه، بل أدوات لنقل الثقافة والتراث بين الأجيال، وتعزيز التفكير والصبر والتواصل الاجتماعي، وترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية، خاصة في ظل محاولات طمس الموروث الثقافي الفلسطيني.
وتضيف أن مديرية الثقافة تحرص على إدماج الألعاب الشعبية ضمن أنشطتها، لا سيما في المخيمات الصيفية والفعاليات التراثية، إلى جانب الحكاية الشعبية والدبكة والفنون والحرف التقليدية، بهدف تعريف الأطفال والشباب بموروثهم الثقافي بطريقة تفاعلية وقريبة منهم.
وترى أن تجربة “بيت الضامة” في الزبابدة تمثل نموذجًا مميزًا لإحياء التراث الشعبي، لأنها أعادت هذه الألعاب إلى الحياة بطريقة تجمع مختلف الأجيال، وتثبت أن التراث يمكن أن يكون حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية وليس مجرد ذكرى من الماضي.
ألعاب خرجت من البيئة الفلسطينية وحملت قيم أهلها
ويشير الباحث مفيد جلغوم إلى أن ما يميز الألعاب الشعبية الفلسطينية أنها جاءت من البيئة المحلية، وصُنعت من مواد بسيطة ومتوفرة، وكان الأطفال قادرين على صناعتها بأنفسهم، سواء عبر إعداد ألعاب مثل المنقلة أو رسم ساحات اللعب باستخدام أدوات بسيطة.
ويؤكد أن هذه الألعاب كانت تعبيرًا عن هوية المجتمع الفلسطيني، وانتقلت من جيل إلى آخر، كما حملت قيمًا تربوية مهمة، مثل الصدق والأمانة وعدم الغش، إذ كان الطفل يتعلم هذه القيم حتى أثناء اللعب.
لكن جلغوم يحذر من أن العديد من الألعاب الشعبية أصبحت اليوم مهددة بالاندثار، بسبب انتشار الألعاب الإلكترونية وتغير أنماط الحياة، مشيرًا إلى أن ألعابًا مثل المنقلة، والضامة، والحجلة، والغميضة، وشد الحبل، ونط الحبل، والطوق، والسيجة، أصبحت أقل حضورًا لدى الأجيال الجديدة.
الحفاظ على التراث مسؤولية جماعية
وترى مديرية الثقافة أن حماية هذا الإرث الثقافي تحتاج إلى شراكة بين المؤسسات الرسمية والأهلية، ودعم المبادرات المجتمعية، وتشجيع المدارس والعائلات على التفاعل معها، إضافة إلى توفير الدعم الإعلامي والمجتمعي لضمان استمرارها.
فالحفاظ على الألعاب الشعبية لا يعني فقط حماية لعبة قديمة، بل حماية قصة شعب وذاكرته وطريقة عيشه.
بيت الضامة.. حين يصبح اللعب طريقًا لحفظ الهوية
في بيت الضامة، لا تعود الألعاب مجرد قطع خشبية على طاولة، بل تتحول إلى جسر بين الماضي والحاضر، وبين الأجداد والأحفاد.
هو بيت للّمة والسعادة، ومساحة تعيد الناس إلى بساطة الأيام القديمة ودفء العلاقات، وتحمل رسالة واضحة: أن التراث لا يبقى حيًا إلا حين نمارسه، ونحفظه، وننقله من جيل إلى جيل.
وهذا ما تطمح إليه صاحبة بيت الضامة سماهر الرومي، بأن يبقى هذا المكان مساحة حية للتراث والفرح واللقاء، وأن تتحول الألعاب الشعبية من ذكريات في ذاكرة الأجداد إلى تجربة يمارسها الأطفال والأجيال الجديدة، بما يضمن استمرار هذا الموروث الفلسطيني وحضوره في الحياة اليومية.




