جيفارا سمارة
بينما تستعد وزارة التربية والتعليم لتوسيع نموذج “المصادر المفتوحة” في المدارس، لا يزال الجدل حول جاهزية النظام التعليمي وقدرته على تطبيقه مفتوحًا، في وقت أعلن الصحفي علاء الريماوي الذي جمع عريضة تحوي أكثر من 25 ألف توقيع وتوكيل للتوجه إلى القضاء ضد إلغاء الكتب كمرتكز أساسي للتعليم العام أن 30 مدرسة من أصل 64 خاضت التجربة أبلغتها بفشلها وطلبت عدم الكشف عن هويتها خشية المساءلة.
في مقابل تأكيد الوزارة أن تقييم التجربة أظهر نقاط قوة وتحديات جرى العمل على معالجتها. لكن الخلاف حول المناهج ليس سوى مدخل لأزمة أوسع يكشفها هذا التقرير؛ أزمة تمتد إلى الإشراف والتقييم والتعيينات والشفافية والمساءلة في منظومة تعليمية تعاني أصلًا من تراجع حاد وضغوط مالية وسياسية متراكمة.
وفي إحاطة إعلامية عقدتها الوزارة لتوضيح غايات مشروع “المصادر المفتوحة” وآليات تطبيقه، قدمت الوزارة المشروع بوصفه تحولًا تدريجيًا في تصميم التعليم، خصوصًا للصفوف 1-4، بالانتقال من التلقين إلى التعلم التفاعلي وبناء الكفايات المعرفية والمهارية، ووفق التصور الرسمي لا يقتصر التعلم على الكتاب المدرسي، بل يستفيد من القصص وأوراق العمل والصور والمقاطع والبيئة المحيطة، مع تحويل المعلم من ناقل للمعلومة إلى مصمم للتعلم، فيما يبقى الكتاب المدرسي أحد المصادر المتاحة، وليس ملغًى، وإن هذا التعدد لن يعني غياب الضوابط؛ إذ يستند إلى إطار كفايات للمتعلم والمعلم، وخطط سنوية تحدد نواة التعلم، ومصادر تعليمية محكّمة، مع الحفاظ على الهوية الوطنية.
غير أن تطبيق النموذج يطرح تساؤلات تتعلق بجاهزية المدارس والمعلمين والبنية التحتية والمنصات اللازمة، وهو ما دفع جهات تربوية للدعوة إلى التريث قبل التعميم، والتأكيد على استمرار الكتاب المدرسي مرجعية أساسية لحين اكتمال شروط الانتقال، وهو ما تطرحه حملة “الحق في المنهاج” بمبادرة من مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية ومؤسسة عبد المحسن القطان، وبمشاركة 30 مؤسسة فلسطينية.
المدارس التي خضعت للتجربة تخشى الشفافية خوفًا من المساءلة
ويقول الريماوي إن فكرة تنويع المصادر تطور مهم وإيجابي، لكن الانتقال له متطلبات لضمان النجاح، وهي الآن غير متوفرة. أما فيما يتعلق بموضوع الكفايات، فالمعلم سيتحول إلى صانع مناهج، ثم إلى مترجم مناهج، ثم إلى بديل عن لجنة المناهج، ثم يصوغ أساليب التدريس، ثم يتولى التدريس، وهو نظام يتجاهل الظروف المعيشية والنفسية للمعلمين، الذين يواجهون ضغوطًا مالية تدفع بعضهم إلى العمل بوظائف إضافية، بما يحد من قدرتهم على التفرغ والإبداع، ويجعل التطبيق مستحيلًا، عدا عن أن أغلب المدارس تفتقر للمقومات الأساسية لتطبيقه، من نقص الأجهزة وضعف الإنترنت، إضافة إلى مخاطر تعميق الفجوات التعليمية، ما ينقل جزءًا أكبر من مسؤولية التعلم إلى الأسرة، وذلك يفاقم عدم المساواة بين الطلبة، إذ لا تحظى جميع الأسر بالقدرة أو الوقت على المتابعة، وهو أمر لا يكون إذا كان الكتاب هو مرتكز التعليم.
ويؤكد الريماوي أن 30 مدرسة من المدارس الـ64 التي جربت هذا النظام الجديد أكدت للقائمين على الحملة أن هذا النظام فشل، وأن نتائجه سيئة، مشددًا على أن طلب هذه المدارس كان هو البوح بهذه النتيجة للقائمين على الحملة، شريطة ألّا يُفصح عن مصدر المعلومة، خشية من المساءلة وتدفيع الثمن.
غياب مستلزمات نظام المصادر المفتوحة
تقول مديرة مدرسة الأوائل في رام الله، فتنة عابد البسومي، صاحبة خبرة 30 عامًا بالتدريس والإدارة، وحاصلة على المركز الأول في جائزة فلسطين الدولية للإبداع والتميز عام 2008: “الفكرة بحد ذاتها جيدة إذا توفرت لها الإمكانيات الكاملة، لكن تطبيقها بالشكل الحالي يثير مخاوف حقيقية جدًا، فعندما لا تجلب منهاج المادة التعليمية – والمادة عبارة عن أفكار عامة تُعطى للمعلم ويقال له “تعالَ أبحر في هذه الفكرة واشرح وغطِّ الأهداف المرجوة منك” – فهذا يشكل تحديًا كبيرًا.
وتضيف: “الوزارة قد تكون دربت مجموعة من المعلمين على المشروع ولكن ليس الكل، وتدريب شهرين غير كافٍ، وهناك تفاوت كبير في مستوى المعلمين، وهذا يضعف جودة التعليم بشكل كبير؛ لم يؤخذ بتوصيات أي تربوي بالنسبة لتجربة الكورونا والتعليم الإلكتروني، الفكرة المتطورة تتطلب تدريبًا لمدة سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات أو أكثر لنرى إيجابيات وسلبيات كل سنة ومخرجات هذا التعليم”.
وتابعت البسومي: “أدعو الوزارة للتفكير بتأسيس أكاديمي ذي جودة وإثراء لخبرات المعلم، فنحن ما زلنا بحاجة إلى وقت كافٍ. أعرف أن عند الوزارة والسلطة تحديات كبيرة فيما يتعلق بالمناهج ونحن تحت الاحتلال، ولكن أقل شيء نقدمه للطلبة هو التأسيس القوي والجيد، وهذا يتطلب دراسة معمقة وليست دراسة بسيطة لمدة سنة”.
بدورها، قالت مستشارة وزير التربية والتعليم العالي للشؤون التعليمية علياء العسالي، إن الوزارة عملت خلال الأشهر الماضية على تأهيل المعلمين، وأن التدريب سيستمر حتى بداية العام الدراسي، ويشمل المعلمين والمشرفين التربويين ومديري المدارس، لضمان وجود فهم موحد ودعم متكامل، وأن المشروع ليس خطوة منفصلة، إنما يأتي ضمن خطة متكاملة تضم محطات مفصلية في تطوير النظام التعليمي، وأن تخصيص الصفوف 1-4 لهذا النموذج يرتبط بطبيعة هذه المرحلة التأسيسية، وحاجتها للتفاعل وتعدد المصادر، مشيرة إلى وجود اتفاق واسع، بين المؤيدين والمعارضين للمشروع على أن النظام التعليمي يواجه مشكلات حقيقية تشمل الكتاب، وطرائق التدريس، وشكل المدرسة، وبيئة الصف، ومدى قدرة المدرسة على جذب الطالب.
وأضافت العسالي أن قرار التوسع في التطبيق جاء بعد تقييم تجربة العام الماضي في 64 مدرسة، من خلال دراسة وطنية شملت أولياء الأمور، والمشرفين، والمعلمين، والمديرين، والطلبة، وأن الدراسة أظهرت نقاط قوة، لكنها كشفت أيضًا مجموعة من التحديات، مؤكدة أن الوزارة لم تكتفِ بالنتائج الإيجابية العامة، بل دخلت في تحليل أعمق لمواطن الضعف لمعالجتها، ما دفعها إلى تطوير برنامج التأهيل بالشراكة مع الإشراف التربوي.
وتابعت: “الدراسة اعتمدت مؤشرات محددة، وأسهمت نتائجها في رسم ملامح الخطة، وتحديد متطلبات التدريب، ووضع أطر الكفايات، وتطوير آليات المتابعة والتقويم، وأن التعليم لا يجوز أن يكون مبعثرًا أو خاضعًا لاجتهادات فردية، والمعلم يجب أن يدخل الصف وهو يعرف ما الذي يريد تحقيقه، وما الكفايات المطلوبة، وكيف سيوزع الزمن والمحتوى والأنشطة، وأن هناك خططًا سنوية لكل مبحث، توضح توزيع الزمن والموضوعات، وتوحد نواة التعلم في جميع المدارس، بما يمنع حدوث تفاوت جوهري بين الطلبة نتيجة اختلاف اجتهادات المعلمين”.
وأكدت أن التنوع سيتركز في المصادر والأنشطة وأساليب التقديم، بينما تبقى الكفايات الأساسية والنتائج المطلوبة موحدة ومحكومة بمرجعيات وطنية، وأن هذه الوثائق خضعت للتحكيم داخل فلسطين، كما راجعها خبراء من خارج الوطن، لكنهم لم يضعوا الأطر الفلسطينية، وإنما راجعوا مدى اتساقها وترابطها.
وحول المصادر التعليمية، قالت العسالي إن الرزم التعليمية ستبقى مصدرًا معتمدًا من الوزارة، لكنها لن تكون المصدر الوحيد، إذ ستتاح منصات خاصة بكل مبحث تضم مواد رقمية وورقية يستطيع المعلم توظيفها بأشكال متعددة، وأن هذه المنصات لن تُترك مفتوحة لإضافة أي مادة، بل ستضم مصادر خضعت للتحكيم والمراجعة.
ضغوط خارجية
ودخل الاتحاد الأوروبي إلى ملف المناهج من بوابة الإصلاح السياسي للمحتوى التعليمي، عبر معهد “جورج إيكرت” الألماني، المكلّف بدراسة المناهج الفلسطينية، مطالبًا بمواءمة المناهج مع معايير اليونسكو، ولا سيما ما يتعلق بالسلام ونبذ “التحريض والكراهية”، وفي إطار مصفوفة الإصلاح عام 2024، حيث التزمت السلطة بمراجعة المواد التعليمية تدريجيًا، بدءًا بمراجعة أكثر شمولًا لكتب الصفوف 1–4، على أن تمتد لاحقًا إلى بقية الصفوف. كما ربط الاتحاد الأوروبي جزءًا من دعمه المالي بتنفيذ مراحل الإصلاح المتفق عليها. هنا بدأت عقدة الخلاف؛ فبحسب ما أُبلغ به الجانب الأوروبي، راجعت السلطة الفلسطينية مواد الصفوف 1–4 خلال 2025، ونشرت في أكتوبر/تشرين الأول “حزمًا تعليمية منقحة” خضعت لاحقًا للتقييم الأوروبي.
في المقابل، قالت مؤسسة “IMPACT-se” الإسرائيلية التي تراقب المناهج العربية والإسلامية، خاصة الفلسطينية، في تقييم نشرته في نوفمبر 2025، إن الكتب المستخدمة للعام الدراسي 2025–2026 لم يُرصد فيها إصلاح جوهري، وهنا يتحدد جوهر الخلاف: الجانب الأوروبي يتحدث عن مواد منقحة نُشرت وأُحيلت للتقييم، فيما تقول IMPACT-se إن الكتب المستخدمة فعليًا في المدارس لم تشهد تغييرًا جوهريًا، ووفق الموقف الأوروبي الوارد في النصوص المتداولة خلال 2026، فإن مراجعة الصفوف 1–4 وإصدار الحزم المنقحة في أكتوبر 2025 لا يعنيان أن عملية الإصلاح أُنجزت أو أن نتائجها حُسمت، إذ بقيت المواد موضع تقييم، فيما يفترض أن يمتد الإصلاح إلى الصفوف 5–12 خلال 2026، مع استمرار ربط الدعم الأوروبي المستقبلي بتحقيق مراحل الإصلاح المتفق عليها.
لم يعد الملف مقتصرًا على تعديل عدد من الكتب، فقد بدأت اليونسكو دعم مسار أوسع لتجديد المناهج، انطلاقًا من أن الإطار المنهجي القائم يعود إلى عام 2017، وبهدف تطوير منظومة أكثر ارتباطًا بمخرجات التعلم والسلام، وتبع ذلك، في حزيران وتموز 2026، مشاورات بين اليونسكو والوزارة لتطوير إطار وطني للمناهج، يكون مرجعية لعملية تجديد أوسع تمتد خلال الفترة 2026–2028.
وقال منسق حملة الحق في المناهج إياد الرياحي إن الحملة تأتي في ظل ضغوط سياسية ومالية يمارسها الاحتلال ودول مانحة للتأثير في المناهج، لإجراء تعديلات تمس السردية الوطنية والهوية، إلى جانب تفكيك التوظيف السياسي والانتقائي للمعايير الدولية والتمويل بوصفه أداة للضغط على التعليم، محذرًا من أن الاستجابة لهذه الضغوط قد تحول المنهاج من أداة لبناء الإنسان وتعزيز وعيه وهويته إلى “منهاج تعليم النسيان”.
من جانبها، أكدت علياء العسالي أن الهوية الوطنية حاضرة في صميم المادة التدريبية التي يتلقاها المعلمون، وأن أكاديميين من جامعة هلسنكي وجامعات فنلندية أخرى راجعوا الأطر من حيث اتساقها مع تصميم التعليم والكفايات الفلسطينية، لكنهم لم يضعوا المحتوى أو يحددوا الأولويات الوطنية، نافية عرض المواد على الاتحاد الأوروبي أو الجهات المانحة لاعتمادها، مؤكدة أن الوزارة وضعت الأطر والمصادر أولًا، ثم طرحتها على الشركاء لمعرفة إمكانية دعمها.
وأضافت أن المشروع جزء من الخطة الاستراتيجية، ولم يُدرج نتيجة تمويل مؤسسة دولية أو ارتباطه بمشروع خارجي، موضحة أن الوزارة بدأت بعرضه على الداعمين للمساهمة في تطوير البنية المدرسية، لكنها لم تربط تنفيذه بموافقة جهة تمويل محددة، ولم تتلق حتى الآن التزامًا من جهة بعينها بتمويله.
الاختبارات والتقارير الدولية ترثي التعليم الفلسطيني
يعيش التعليم الفلسطيني واحدة من أصعب مراحله؛ فنتائج اختباري TIMSS وPISA كشفت عن تراجع حاد في مستويات التعلم، بينما عمقت جائحة كورونا وإضرابات المعلمين وأزمة الرواتب هذا التدهور، تبعتها حرب الإبادة على قطاع غزة لتضاعف حجم الكارثة؛ فبحسب آخر إحصائية لمركز الإعلام الحكومي في غزة، حول خسائر قطاع التعليم لغاية شهر تموز 2026، فإن 100% من مدارس قطاع غزة لحقت بها أضرار مادية نتيجة القصف والاستهداف المباشر وغير المباشر، نصفها تقريبًا داخل الخط الأصفر، وأن أكثر من 20,051 طالبًا استشهدوا بفعل حرب الإبادة على القطاع، وأن العدد ذاته تقريبًا غادر القطاع، وأكثر من 620,000 طالب حرمهم الاحتلال من التعليم.
فيما تعرضت عشرات المدارس في الضفة الغربية للهدم أو الاقتحام، وتضرر مئات الآلاف من الطلبة من الانقطاعات المتكررة عن التعليم، ما دفع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في مايو 2025، إلى وصف جرائم الاحتلال بحق التعليم بأنها “تدمير ممنهج للتعليم في غزة والضفة، ويندرج تحت مصطلح الإبادة المجتمعية (Sociocide)، أي التدمير المتعمد للبنية الاجتماعية لمجتمع ما، بما يشمل مؤسساته، وروابطه الاجتماعية، وهويته الجماعية، ونظامه التعليمي والصحي والثقافي والاقتصادي، بحيث يصبح استمرار المجتمع بوصفه مجتمعًا منظمًا أمرًا شديد الصعوبة أو مستحيلًا”.
وفي ظل هذا المشهد، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن حجم الدمار نفسه: هل تتمتع منظومة التعيين والإشراف بما يكفي من النزاهة والشفافية والعدالة لقيادة عملية إنقاذ التعليم، أم أن الخلل بات بنيويًا وجزءًا من الأزمة؟
يرى صبحي الحمداني، وهو ذو خبرة تمتد لعشرين عامًا في الإشراف ورئيس قسم الإشراف التربوي الأسبق في مديرية التربية والتعليم بمحافظة رام الله والبيرة، أن تراجع مبادئ العدالة والشفافية والمساءلة هو أول ما يؤثر سلبًا على جودة التعليم وتربية الأجيال، وأن الأمر يبدأ بحل أزمة المعلم المقهور ماديًا، متسائلاً: “كيف يمكن مساءلة من لا يملك قوت يومه؟”.
وهو رأي يتفق معه الخبير الدولي في قضايا التربية والتعليم، والمدير العام السابق لمركز البحث والتطوير التربوي في وزارة التربية والتعليم العالي، د. محمد مطر، الذي يتمتع بخبرة تمتد لأكثر من 30 عامًا في مجال القياس والتقويم التربوي والبحث الموجه للسياسات التعليمية، وهو المنسق الوطني الفلسطيني لمختلف الدراسات الدولية والوطنية.
ويؤكد الخبيران المتقاعدان أن المعلم الفلسطيني، رغم كل الظروف الصعبة والمآسي اليومية التي يمر بها شعبنا، ما زال مصرًا على العطاء، وهو ما يظهر جليًا في استمرار التعليم رغم أن المعلم يستدين -حرفيًا- أجرة الذهاب إلى عمله، ما يعكس إخلاصًا مهنيًا وعمقًا وطنيًا. إلا أن سلوكيات سلبية تتعلق بشيء من الإهمال في أداء الواجب من قبل بعض المعلمين تؤثر سلبًا على سير العملية التعليمية والتربوية، ما يخلق بيئة تنعدم فيها الشراكة المطلوبة للوصول إلى حل للإشكاليات، وتجاوز السلبيات، والتثبت من الإيجابيات وتعزيزها.
إجماع على ضرورة الإسراع في إصلاح الحالة الإشرافية
يقول الحمداني: “إن هناك نقصًا ملحوظًا في أعداد المشرفين، وأول أسباب ذلك هو أن المعلم المتميز -الذي يكون مرشحًا لتولي منصب الإشراف- لا تغريه هذه الوظيفة نظرًا للأعباء الكثيرة التي يُكلف بها المشرف، مقابل علاوة لا تشكل محفزًا للتقدم؛ فالمعلم المتميز بات يجد في الدروس الخصوصية فرصة ذهبية للكسب المادي في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة”.
والمشرف التربوي هو المسؤول الفني عن متابعة أداء المعلمين وتقييمه، وتقديم الدعم المهني لهم، بما يضمن تحسين جودة التعليم وتنفيذ سياسات الوزارة داخل المدارس.
ويضيف الحمداني: “إن الإشكالية الثانية التي تواجه الإشراف هي -للأسف- أزمة الثقة بين بعض المعلمين والمشرفين؛ إما لغياب التواصل السليم بين الطرفين (وهنا يأتي دور مهم لمدير المدرسة الذي يفترض به أيضًا أن يتابع الجوانب الإدارية والسلوكية مثل الالتزام، والانضباط، والعلاقات المهنية، والأداء اليومي، والتعاون، وتنفيذ التعليمات)، وإما لأن بعض المعلمين يشعرون بأنهم أكفأ من المشرف، بغض النظر عن صحة هذه الفرضية من عدمها”.
بدوره، يقر الوكيل المساعد للشؤون التعليمية في وزارة التربية والتعليم، د. أيوب عليان، الذي يتولى الإشراف على الإدارات العامة للتعليم العام والمتابعة الميدانية، بوجود خلل واضح في أعداد المشرفين العاملين في مجال الإشراف على العملية التعليمية لضمان سير الأوضاع بشفافية.
ويرجع عليان الخلل إلى كون مهام المشرفين لا تقتصر على ضمان جودة سير العملية التعليمية فحسب، بل تشمل أيضًا مشاركتهم في الإشراف على الامتحانات، ولجان المقابلات، ولجان التحقيق، والمناهج… وغيرها من المهام.
ويشير إلى أن عدد المشرفين يناهز 700 مشرف ومشرفة، في ظل وجود أكثر من 33 ألف معلم ومعلمة، بالإضافة إلى قيامهم بمهام أخرى، وهذا خلل واضح في تباين الأعداد بالنظر إلى المهام الموكلة إليهم، فضلًا عن مشاركتهم في البرامج التي يمولها المانحون.
من جهته، يشير أحد المعلمين (أ.ع) إلى أنه وفقًا للوائح، يُفترض تقييم المعلم بحسب الجوانب الفنية المرتبطة بعملية التدريس، بما يشمل: التخطيط، وتنفيذ الحصة، واستراتيجيات التدريس، والتقويم، وإدارة الصف، والإلمام بالمادة الدراسية، وتوظيف التكنولوجيا. وهذا صحيح في كثير من الحالات، إلا أنه يغيب في بعضها الآخر إذا ما تدخلت الحسابات الشخصية من قبل المشرف أو حتى مدير المدرسة، فتُطبَّق المعايير على البعض وتُغفَل عن آخرين.
ويضيف: “بعد خبرتي الطويلة في المهنة، يمكن القول إن نظام تقييم المعلمين انتقل من نموذج إداري تقليدي يركز على التفتيش والانضباط، إلى نموذج أكثر مهنية يعتمد على الكفايات والمعايير والتغذية الراجعة. ومع ذلك، ما زالت هناك تحديات تتعلق بتوحيد تطبيق المعايير، وزيادة موضوعية التقييم، والاعتماد على أدلة متعددة للأداء بدلاً من عدد محدود من الزيارات الصفية، إضافة إلى تعزيز الربط بين نتائج التقييم وتحسين تعلم الطلبة بصورة منهجية”.
وهو ما يؤكد عليه د. محمد مطر قائلاً: “لا يمكن أن نكون في عصر الذكاء الاصطناعي (AI)، وما زال الهندام (أي لباس المعلم) جزءًا أساسيًا من التقييم”.
الهدم والبناء.. برامج عالية التكلفة واشتراطات بعض المانحين
يتفق الخبيران مطر والحمداني على وجود معضلة أكبر مما سبق، تتعلق بأن بعض الوزراء ممن يتولون مهام وزاراتهم حديثًا يهدمون ما بُني سابقًا، بدلًا من مراجعة الأخطاء وتجنبها، والبناء على الإنجازات ومراكمتها، وهي -للإنصاف- معضلة لا تقتصر على وزارة التربية والتعليم، مشيرين إلى وجود برامج تتعلق بالتعليم والإشراف حققت نجاحات ملموسة في قطاع التربية والتعليم، ولكنها للأسف لم تستمر بسبب هذه المعضلة.
وينوه الحمداني إلى أن كثرة المتطلبات والواجبات الملقاة على عاتق المشرف، مضافًا إليها كثرة البرامج والدورات التدريبية التي يُعد جزء كبير منها بلا فائدة، تحولت إلى عبء بدلًا من أن تكون رافدًا وذخرًا، مضيفًا: “أصبحت معظم البرامج الممولة من المانحين محط سؤال وعلامة استفهام بشأن هذه الأموال: فيمَ تُنفق؟ وكيف تُنفق؟ ومن المستفيد منها؟!”.
وهو ما يذهب إليه مطر قائلاً: “للأسف، تحولت كثير من البرامج إلى طقوس احتفالية أكثر منها أدوات إصلاحية، في وقت يتفاقم فيه الفاقد التعليمي وتتراجع جودة التعليم. وتُرصد ميزانيات كبيرة لبرامج تُنفذ غالبًا في مدارس متفوقة، خصوصًا مدارس الإناث، فيما تُترك مدارس الذكور والقرى التي تشهد أعلى معدلات الأمية القرائية والحسابية؛ فالتركيز بات منصبًا على إبراز نجاحات إعلامية أكثر من معالجة الخلل الحقيقي”.
ويضيف: “كثير من هذه البرامج تأتي ضمن حزم جاهزة يفرضها الممول وفق أولوياته لا وفق احتياجات التعليم الفلسطيني، ويُطلب تنفيذها كما هي أو رفضها بالكامل. كما تُطبق في مدارس منتقاة، ما يمنح صورة مضللة عن واقع التعليم، ويثير تساؤلات حول كفاءة توظيف الموارد ونزاهة قياس نتائج هذه البرامج”.
ضعف في المساءلة والشفافية
يقول مطر: “الخلل يبدأ من بعض المعلمين المهملين في أداء واجبهم أصلًا، حيث يُقيِّم المعلم ذاته بأنه جيد، ثم تأتي مشكلة مدير المدرسة الذي يُقيِّمه بأنه جيد أيضًا، والمشكلة الأكبر أن المجتمع المحلي (أهالي الطلاب) يعلم ذلك، والمشكلة الأخطر أن المشرف أيضًا يُقيِّمه بأنه جيد، ولكن المأساة -في بعض الحالات التي شهدتها شخصيًا- أن الجهات المسؤولة تعرف ذلك ولا تحرك ساكنًا!”.
ويشدد مطر على وجوب المساءلة، مضيفًا: “مثلًا -وهذه قصة طرحتُها شخصيًا في مكتب أحد وزراء التربية والتعليم- مدرسة تنعدم فيها المساءلة في قضايا الجودة والنوعية، لدرجة تشكيل لجنة تحقيق فيها حول اختفاء “مكنسة” لا يتعدى ثمنها 5 أو 10 شواقل، لكن غابت المساءلة والنزاهة عندما لم ينجح من هذه المدرسة أي طالب، لا في الاختبار الوطني ولا حتى الاختبار الدولي! فمن أصل 42 طالبًا تقدموا للامتحان في هذه المدرسة، لم يحل أي منهم أي سؤال، وعند مراجعة المشرف، تبين أنه لم يوجّه للمدرسة أو مديرها أو معلميها أي تقييم أو ملاحظة، والمدير لم يقم أيضًا بواجبه، فأين النزاهة والشفافية؟! والأغرب هو غياب المساءلة المجتمعية، فأين أولياء الأمور؟!”.
ويتابع: “كل هذه العوامل فاقمت تردي جودة ونوعية التعليم، ولن يزول هذا إلا في حال تحقيق العدالة في التوزيع والإشراف وتعيين المعلمين. فعندما يُقيَّم معلم بـ “ضعيف”، ثم تتدخل واسطة ليتحوّل تقييمه إلى “ممتاز”، يصبح موضوع التقييم شكليًا؛ فمثلًا قُيِّم أحد المعلمين بـ “الممتاز” ونتائج طلابه صفر، ومعلم آخر يعطي كل ما لديه وزيادة، وآخر غير مكترث، وفي النهاية الاثنان يأخذان الراتب ذاته! هذا انعدام للنزاهة والشفافية والعدالة في قطاع التعليم، وخلل بنيوي في المنظومة”.
ويعترف عليان بوجود خلل في متابعة المجتمع المحلي لمهامه والقيام بدوره في مراقبة جودة سير العملية التعليمية، وخلل في دور مديري المدارس أيضًا، مشيرًا إلى أن القوانين المعمول بها في وزارة التربية والتعليم من خلال قانون الخدمة المدنية تحدّ من القدرة على التقييم، وحتى من إيقاع العقاب أو الثواب المناسبين للمقصر وللمجتهد.
ويؤكد عليان أن الأزمات التي مرت بها العملية التعليمية منذ عام 2020 (كورونا، والإضرابات، وأزمة الرواتب) والأخطر استهداف الاحتلال للعلم والتعليم، خاصة الإبادة التعليمية بحق شعبنا في قطاع غزة، ساهمت بشكل كبير في تدمير الإنجازات التعليمية والتراجع الحالي، مشيرًا إلى أن إضرابات المعلمين للمطالبة بحقوقهم أسهمت أيضًا في هذا التدهور.
عقدة التعيينات
ينوه مطر إلى وجود خلل في التعيينات قائلًا: “كنت شاهدًا على أحد معلمي اللغة العربية وقد وضع هاءً مكان التاء المربوطة، وكيف أن أحد طلابه صححه”. وهو ما يؤكده صبحي الحمداني بالقول: “للأسف، المعايير الأمنية تلعب دورًا في التعيينات، وهذا ليس تحليلًا بل واقع شهدتُه، إذ يُستبدل الأكفأ بالأقل كفاءة بسبب التدخلات والواسطات”.
ورغم صدور قرار حكومي باعتماد شهادة “عدم المحكومية” القضائية الصادرة عن وزارة العدل (والتي تعتمد على خلو السجل العدلي للمواطن من الجنايات أو الجنح المخلة بالشرف فقط لضمان النزاهة وتكافؤ الفرص)، وبإلغاء اشتراط الموافقة الأمنية المسبقة من جهازي المخابرات والأمن الوقائي للحصول على الوظائف الحكومية وتراخيص العمل، بعد أن كان معمولًا به لسنوات كأداة للتمييز السياسي أدت إلى حرمان آلاف المواطنين من حقوقهم الأساسية، إلا أن الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة “أمان” والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان أشارا، في تقارير حقوقية صادرة عنهما عام 2022، إلى استمرار شرط “السلامة الأمنية”.
وهي عقدة ما زالت تعيق سير العملية التعليمية؛ فبالعودة إلى المعلم (أ.ع)، يؤكد أنه تعرض للمضايقات الأمنية في عمله بسبب دوره خلال إضراب المعلمين، وملاحقته بسبب آرائه على وسائل التواصل الاجتماعي.
وهي قصة لا تقارن مع ما تعرض له المعلم والناشط النقابي يوسف اجحا، حيث عوقب بسلسلة إجراءات إدارية ومالية على خلفية نشاطه في حراك المعلمين، بدأت بقرار فصله من وزارة التربية والتعليم اعتبارًا من 5 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وبررت الوزارة القرار باتهامه بالتحريض عليها عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل، وتشويه العملية التعليمية، وتحريض المعلمين على عدم تنفيذ قرارات نقلهم، بينما اعتبر اجحا أن القرار جاء بسبب دفاعه عن حقوق المعلمين وممارسته العمل النقابي وحرية التعبير.
لجأ اجحا إلى القضاء، وحصل لاحقًا على عدة أحكام لصالحه، أبرزها قرار المحكمة الإدارية العليا في 20 كانون الثاني/يناير 2025 بإبطال قرار الفصل، ثم قرار المحكمة العليا في 10 شباط/فبراير 2025 بتأييد بطلانه، وصولًا إلى قرار قطعي في 25 أيلول/سبتمبر 2025 أكد بطلان الإجراءات المتخذة بحقه.
وعاد إلى عمله في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، لكنه يقول إن العودة كانت شكلية، إذ تعرض بعدها لإجراءات وصفها بالتنكيل الإداري والمالي، منها تشكيل لجان تحقيق جديدة، وحجز راتبه بالكامل لمدة ثلاثة أشهر، وتسجيل مديونية تتجاوز 106 آلاف شيقل عليه عن فترة الفصل، رغم أن القضاء كان قد أبطل قرار الفصل. كما قال إن حجز راتبه استُخدم للضغط عليه من أجل توقيع تعهدات تقيد نشاطه النقابي مستقبلًا.
وبحسب روايته، لم تكن قضيته معزولة عن سياق أوسع؛ فقد أشار إلى نقل معلمين بصورة عقابية، وإحالة نحو 400 معلم إلى لجان تحقيق، وإجبار بعضهم على توقيع تعهدات، وتوجيه إنذارات بالفصل، رغم وجود تعهدات سابقة بعدم معاقبة المعلمين على خلفية الإضرابات.
وفي أيار/مايو 2026 أعلن اجحا خوض اعتصام مفتوح في ساحة المهد ببيت لحم للمطالبة بتنفيذ أحكام القضاء، وتصويب وضعه الوظيفي والمالي، وإنهاء ما وصفه بالملاحقة والتمييز بسبب نشاطه النقابي.
ويؤكد اجحا في اتصال لنا معه في شهر آب/أغسطس أن وضعه المالي فيما يتعلق بمستحقاته المستحقة له، والمترتبة كديون على الحكومة، ما يزال غير معلوم، وأنه يتعرض لتضييق خلال العمل بهدف دفعه إلى تقديم الاستقالة.
من جانبه، نفى الوكيل المساعد للشؤون الإدارية والمالية في وزارة التربية والتعليم، د.نصر أبو كرش، ما وصفه بـ “المزاعم العارية عن الصحة” فيما يتعلق بـ “شرط السلامة الأمنية”، مشيرًا إلى أن هذا الشرط أُلغي منذ عام 2012 إبان حكومة رئيس الوزراء الأسبق سلام فياض، وأن المعمول به هو فقط شهادة عدم المحكومية القضائية الصادرة عن وزارة العدل، لضمان عدم توظيف أصحاب السوابق أو المجرمين في الوظيفة العمومية.
وعن موضوع العقوبات التي لحقت بالمعلمين الذين أضربوا في أوقات سابقة، يؤكد أبو كرش: “إن ما جرى هو إجراءات وفق ما نص عليه القانون، ولم تقتصر على معلمين من لون سياسي معين دون غيرهم، بل شملت معلمين من حركة فتح قبل غيرهم”.
ويجمع المتحدثون على أن إنقاذ التعليم الفلسطيني ليس مستحيلًا، وأن الظروف الراهنة -رغم قسوتها- ليست سابقة لا يمكن تجاوزها، وأن تجربتي إصلاح التعليم عامي 2007 و2011 خير دليل؛ فقد نجحت آنذاك جهود جماعية شاركت فيها الحكومة ووزارة التربية والتعليم واتحاد المعلمين والقوى السياسية والمجتمعية، مدفوعة بإرادة حقيقية وخطة واضحة لتدارك ما وُصف حينها بـ “النكبة التعليمية”، رغم أن الواقع كان بالغ الصعوبة.
وبحسب التقرير السنوي الثامن عشر لـ”أمان” حول واقع النزاهة ومكافحة الفساد في فلسطين 2025، الصادر في 30 حزيران 2026، فإنه: “لم تكن سياسة تقليص الدوام الحكومي مجرد إجراء تقشفي لخفض النفقات؛ إذ ترتبت عليها كلفة مباشرة على الخدمات العامة، وفي مقدمتها التعليم”.
فقد أشار ائتلاف أمان إلى أن “سياسة تقليص الدوام ألقت بظلالها السلبية على جودة بعض الخدمات الأساسية”، ولا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
وهو ما يعني، في القطاع التعليمي تحديدًا، تقليص الزمن التعليمي المتاح للطلبة، ومفاقمة مشكلة الفاقد التعليمي المتراكمة أصلًا، لتتحول وفورات الإنفاق الآنية إلى كلفة تعليمية واجتماعية تمتد آثارها إلى سنوات لاحقة.
كما أثبتت تجربة مدارس الأونروا أن التعليم الفلسطيني قادر على تحقيق مستويات عالمية، حتى وصفه خبراء دوليون بـ “التعليم المقاوم”. وأن تبادل الاتهامات لا يجدي، ومستقبل الوطن والأجيال القادمة على المحك؛ فوقف الكارثة التعليمية يتطلب خطة طوارئ وطنية شاملة يشارك فيها الجميع، من المؤسسات الرسمية والأهلية والقطاع الخاص والداعمين، إلى أولياء الأمور والطلبة أنفسهم.
ورغم قتامة المشهد، فإن استمرار نجاح مدارس حكومية وخاصة ومدارس الأونروا في تحقيق مستويات تعليمية تضاهي أنظمة تعليمية رائدة في فنلندا وسنغافورة، يؤكد أن الطفل الفلسطيني ومعلمه ومديره يمتلكون القدرة على التعافي والتميز متى توافرت الإرادة والإدارة الرشيدة.




