loading

جبل عيبال.. “مقدمة لاستيطان كبير جدًا”

تسنيم سمور

في مراعي عسكر البلد القريبة من جبل عيبال، يواجه المزارعون واقعًا لم يعد يشبه ما اعتادوه طوال سنوات، فالأرض التي كانت مصدر رزقهم ومجالًا للرعي والزراعة، باتت اليوم محفوفة بمخاطر متزايدة، في ظل تصاعد النشاط الاستيطاني وما يرافقه من تضييقات وانتهاكات.

ومن بين هؤلاء المزارعين، محمد دويكات، الذي خرج برفقة أغنامه إلى مراعي المنطقة كعادته، قبل أن يلاحظ تغيرات مفاجئة عليها بعد شربها من بئر مياه في المنطقة، ومع تدهور حالتها، نفق أكثر من عشرين رأسًا منها، فيما أظهرت نتائج الفحوصات والتشريح أن سبب النفوق يعود إلى التسمم، بينما لا يزال عدد آخر من الأغنام يعاني من آثار الإصابة.

الحادثة، التي ألحقت خسارة مباشرة بالمزارع، تأتي في ظل واقع متغير تشهده المنطقة، مع تصاعد النشاط الاستيطاني في محيط جبل عيبال، يقول دويكات إن مزارعي عسكر البلد موجودون في المنطقة منذ مئات السنين، وإن مثل هذه الاعتداءات لم تكن جزءًا من حياتهم قبل ظهور البؤرة الاستيطانية الجديدة على جبل عيبال، ويضيف أن وجود المستوطنين غيّر طبيعة المكان، مع تزايد المضايقات ومحاولات منع المزارعين من الوصول إلى مناطق الرعي، مشيرًا إلى تعرضه في أكثر من مرة لمحاولات الاستيلاء على أغنامه، سواء في الجبل أو داخل منطقة عسكر البلد.

ولا تتوقف مخاوف المزارعين عند الرعي، إذ يقول دويكات إن أصحاب الأراضي الزراعية يواجهون هم أيضًا خطر صعوبة الوصول إلى أراضيهم، خاصة مع اقتراب موسم قطف الزيتون، في ظل استمرار التوسع الاستيطاني في المنطقة.

من جهته، يحذر الناشط والباحث الحقوقي في مواجهة الاستيطان بشار القريوتي من أن ما يجري في جبل عيبال يتجاوز حادثة أو اعتداءً منفردًا، ويصف الجبل بأنه “مقدمة لاستيطان كبير جدًا”، مؤكدًا أن اختيار الموقع يرتبط بأهميته الاستراتيجية وإطلالته المباشرة على مدينة نابلس، وما يتيحه من سيطرة وكشف على مساحات واسعة من محيطها.

ويشير القريوتي إلى أن محافظة نابلس تشهد تصاعدًا كبيرًا في النشاط الاستيطاني، لم يعد يقتصر على اعتداءات فردية للمستوطنين، وإنما يتخذ، بحسب وصفه، شكل سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، عبر إقامة البؤر الاستيطانية والسيطرة على قمم الجبال والمناطق المرتفعة.

ويضيف أن وجود الجرافات وأعمال البنية التحتية في جبل عيبال يشير إلى أن الوجود الاستيطاني في الموقع لا يتجه إلى البقاء مؤقتًا، وإنما إلى تثبيته وتحويله إلى تجمع دائم، مؤكدًا أن المستوطنين يركزون على المواقع الجغرافية الحساسة باعتبارها مدخلًا للتمدد والتوسع.

وتضع محافظة نابلس ما يجري في جبل عيبال ضمن سياق أوسع، إذ يحذر المحافظ غسان دغلس من تصاعد النشاط الاستيطاني في المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة، مؤكدًا أن جبل عيبال وجبل جرزيم من أهم الجبال في فلسطين، وأن عيبال يمثل موقعًا استراتيجيًا ومطلًا بالنسبة إلى نابلس.

ويقول دغلس إن وتيرة الاستيطان تزداد يومًا بعد يوم، مع زيادة أعداد الكرفانات في الموقع، محذرًا من أن السيطرة على جبل عيبال استيطانيًا ستكون “كارثة على نابلس”، باعتباره جبلًا مشرفًا على المدينة ويغطي سماءها.

ولا يرى دغلس أن ما يجري في عيبال منفصل عن سياسة استيطانية أوسع تستهدف المواقع الاستراتيجية والمرتفعات، مشيرًا إلى أن نحو 80% من قمم الجبال المحيطة بمدينة نابلس والقرى المجاورة تم احتلالها، وأن غالبية هذه الجبال تضم اليوم بؤرًا استيطانية.

ويشرح دغلس آلية هذا التوسع بالقول إن الأمر “يبدأ بكرفان وتبدأ بشق طريق، ومن ثم تتحول إلى بؤرة استيطانية، وبعد ذلك تتحول إلى مستوطنة”، مشيرًا إلى أن هذا المسار يتضح في مناطق جنوب نابلس، حيث تمتد أحزمة استيطانية من أراضي الساوية واللبن بمستوطنه “عيلي”، باتجاه مستوطنة “شيلو” على أطراف قريوت وجالود، مرورًا ببؤر استيطانية منها “أحيا” و”كيدا” و”إيش كوديش”، وصولًا إلى “مجداليم”.

ويضيف أن مناطق “اللبن، الساوية، وقريوت، وجالود وقصرة” يلفها حزام استيطاني واضح، يمتد حتى أطراف عقربا ومجدل بني فاضل، في مشهد يعكس، اتساع نطاق التوسع الاستيطاني في المحافظة.

وفي موازاة ذلك، يكشف دغلس عن امتداد عمليات الإخلاء إلى عدد من الخِرَب والمناطق الريفية في محافظة نابلس، مشيرًا إلى أن خربة يانون التي أخليت بالكامل، وكذلك خربة شكارة في دوما، فيما أُخلي نحو 90% من سكان خربة الطويل في عقربا، إضافة إلى إخلاء خربة طانا في منطقة بيت فوريك بالكامل، محذرًا من أن الهجمات بدأت تنتقل من الخِرَب والمناطق الريفية إلى أطراف البلدات الفلسطينية، كما يحدث في قصرة وغيرها.

وعلى المستوى القانوني، يؤكد دغلس وجود متابعة لما يجري في جبل عيبال ولأوضاع المزارعين وأصحاب الأراضي، مشيرًا إلى أن المحافظة تمتلك أسماء المزارعين في المنطقة وأسماء أصحاب الأراضي هناك، إلى جانب متابعات قانونية من هيئة الجدار ومنظمات دولية تعمل في هذا المجال.

إلا أن الإمكانات المتاحة للمحافظة تبقى محدودة، إذ يقول دغلس إن المحافظة تعاني من حصار مالي شديد، وإن الموارد بالكاد تكفي رواتب الموظفين وحاجات المزارعين. ومع ذلك، تعمل لجنة التكافل في المحافظة مع المتضررين، خاصة في حالات هدم المنازل وإخلائها، من خلال إعادة صيانتها وإعادة أصحابها إليها.

ويؤكد دغلس أن المحافظة تواصل رفض إجراءات الاحتلال واتخاذ الخطوات القانونية والعمل عليها بشكل يومي، رغم الصعوبات، وما يصفه بصعوبة تحقيق الإنصاف في ظل محاكم وقضاة منحازين للاحتلال.

وعلى الصعيد الدولي، يقول دغلس إن المحافظة تواصل تحركاتها من خلال استقبال المبعوثين الدوليين والقناصل والسفراء، واطلاعهم على حجم الاستيطان وما تشهده محافظة نابلس، وعلى خطورة ما يجري في المنطقة.

لكن الناشط والباحث الحقوقي في مواجهة الاستيطان بشار القريوتي يرى أن هذه الجهود الدولية لا تزال دون المستوى المطلوب مقارنة بحجم التوسع القائم على الأرض، مؤكدًا أن المطلوب هو الانتقال من بيانات الإدانة إلى خطوات عملية توقف الاستيطان وتحاسب المسؤولين عن الاعتداءات بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم، محذرًا من أن غياب الإجراءات الرادعة يشجع على المزيد من التوسع وفرض وقائع جديدة وتحويل البؤر الاستيطانية إلى مستوطنات قائمة ومستمرة.

وبينما فقد محمد دويكات أكثر من عشرين رأسًا من أغنامه، يواجه هو ومزارعو عسكر البلد ومحيط جبل عيبال مخاوف تتجاوز خسارة قطيع أو صعوبة الوصول إلى مرعى؛ فالمعركة ترتبط بالقدرة على الوصول إلى الأرض والحفاظ عليها والاستمرار فيها، في وقت تتسارع فيه خطوات التوسع الاستيطاني على قمم جبال نابلس ومحيطها.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني