loading

“أردتُ فقط أن أرى وجهي” .. كيف تحافظ الأسيرات الفلسطينيات على أنوثتهن داخل السجون؟

إيناس إخلاوي

داخل السجون الإسرائيلية، لا تقاوم الأسيرات الفلسطينيات الحرمان من الحرية فقط، بل يحاولن يوميًا الدفاع عن أكثر تفاصيل حياتهن خصوصية.

بدأت تجربتي مع الاعتقال في الخامس من كانون الثاني/يناير 2026، وكأنهم افتتحوا العام باعتقالي؛ كان ذلك عند الساعة 1:50 فجرًا.

منذ اللحظات الأولى، عشت ظروف احتجاز حملت قدرًا كبيرًا من الإهانة والامتهان للكرامة. أتذكر أنني توسلت إلى جندي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره لأكثر من خمس ساعات، فقط كي يسمح لي بالذهاب إلى دورة المياه.

وبعد محاولات طويلة، سُمح لي أخيرًا، لكن بطريقة شعرت معها أن حتى حاجة إنسانية أساسية، كدخول الحمام، يمكن أن تتحول داخل الاعتقال إلى وسيلة أخرى للإذلال.

خمس ساعات من الانتظار والتوسل من أجل حاجة إنسانية أساسية كانت كافية لأفهم أن الاعتقال لا يسلب الإنسان حريته فقط، بل يمكن أن يحوّل أبسط احتياجاته اليومية إلى وسيلة للسيطرة والإهانة.

بعد انتهاء التحقيق، وعندما وصلت إلى سجن هشارون، تقدمت مجندتان لتفتيشي عارية.

رفضت ذلك بشكل قاطع، ودخلت في مواجهة كلامية معهما. قلت لإحداهن:

«إنتِ بتقبلي على حالك آجي أنا وأحكيلك اشلحي؟»

كانت تداري وجهها بابتسامة صفراء، فيما أخذت أصواتنا ترتفع.

لم يستمر الجدال طويلًا قبل أن يتدخل الضابط، وقال لي بوضوح: إذا لم أمتثل لأوامر المجندة، فسيحضر جنديًا لتفتيشي عارية.

في تلك اللحظة، شعرت أن الأمر غُلب على أمري.

ظاهريًا، استسلمت للأمر، لكن في داخلي كانت هناك كلمة واحدة تصرخ:

لا.

لم تكن تلك الـ«لا» قادرة على تغيير ما سيحدث، لكنها كانت تذكيرًا داخليًا بأن ما يُطلب مني لا يصبح مقبولًا لمجرد أنني عاجزة عن منعه.

بعدها، في سجن الدامون، بدأت أرى جانبًا آخر من تجربة الأسيرات؛ جانبًا لا يتعلق فقط بالاعتقال أو التحقيق أو سنوات الحكم، بل بما يحدث للمرأة حين تصبح أبسط تفاصيل حياتها اليومية تحت السيطرة.

«أردتُ فقط أن أرى وجهي»

وقفتُ للحظات أمام مرآة صغيرة كانت معلقة على جدار في سجن الدامون.

لم أكن أبحث عن شيء استثنائي، أردت فقط أن أرى وجهي.

لكن تلك الثواني كانت كافية ليبدأ السجانون بالصراخ، وكأنني ارتكبت مخالفة جسيمة، بينما كل ما فعلته أنني نظرت إلى انعكاسي.

بقيت صورتها عالقة في ذهني أكثر من صورتي نفسها.

طوال أحد عشر يومًا لم أرَ وجهي مرة أخرى.
ومنذ ذلك اليوم، ظل سؤال يرافقني كلما استعدت تلك اللحظة:

إذا كان أحد عشر يومًا كفيلًا بأن يجعل الإنسان يشتاق لرؤية ملامحه، فكيف بالأسيرات اللواتي أمضين، ولا يزلن يمضين، شهورًا وسنوات من دون أن يرين وجوههن، أو يتفقدن ابتساماتهن؟

ليس من العدل أن تُختزل التغطيات الإعلامية المتعلقة بالأسيرات الفلسطينيات في لحظة الاعتقال، أو في الحديث عن التحقيق والانتهاكات، وكأن حياة الأسيرة تبدأ عند باب الزنزانة وتنتهي داخلها.

وراء القضبان حياة كاملة لا تُروى.

حياة تتكون من تفاصيل صغيرة قد تبدو عادية خارج السجن، لكنها داخله تتحول إلى معارك يومية للحفاظ على الكرامة، والخصوصية، والهوية، والأنوثة.

كيف تمشط الأسيرة شعرها؟

كيف تعتني بجسدها؟

كيف تحتفل بذكرى ميلادها؟

وكيف تحافظ على صورتها كامرأة في مكان صُمم أصلًا لتجريدها من كل ما يعبّر عن ذاتها؟

ربما تبدو هذه الأسئلة هامشية، لكن داخل السجون لا تُقاس المعاناة فقط بعدد سنوات الاعتقال، بل أيضًا بعدد التفاصيل التي يُجبر الإنسان على التخلي عنها كي يستمر في العيش أمام ما تتعرض له الأسيرات من تحقيق وتعذيب وحرمان.

إنها تكشف جانبًا آخر من الاعتقال؛ جانبًا لا يقل قسوة، لأنه يستهدف الإنسان في يومياته، ويحاول انتزاع تفاصيله الصغيرة قبل حريته.

في المعتقل، تصبح أبسط الأمور تحديات يومية, لا مشط، ولا أدوات حقيقية للعناية الشخصية.

يصبح تمشيط الشعر مهمة تؤدى بالأصابع، بينما يكون الصابون والشامبو رديئي الجودة إلى حد يدفع إلى استخدامهما فقط لأنهما الخيار الوحيد.

هناك، لا شيء يبقى على حاله, كل شيء يعاد اختراعه.

حتى الأشياء التي صُنعت لغرض واحد كانت تكتسب حياة جديدة داخل الزنازين، لأن الحاجة كانت دائمًا أقوى من الإمكانات.

كانت الأسيرات ينسلن خيوطًا من المناشف ليصنعن منها «بُكلة» تمسك شعرهن، ويستخدمن الخيوط نفسها لتمييز ملابسهن عن بعضها البعض داخل الزنازين.

قد تبدو ربطة الشعر تفصيلًا عابرًا في حياة أي امرأة، لكنها داخل السجن كانت تحمل معنى أكبر بكثير؛ كانت محاولة صغيرة للحفاظ على شيء من الذات، والتمسك بصورة المرأة عن نفسها في مكان يسعى إلى محو تفاصيلها.

ففي المعتقل، لا يسرق السجن الحرية فقط، بل يحاول تدريجيًا انتزاع الهوية والتفاصيل الشخصية, لذلك كانت كل محاولة لابتكار بديل، مهما بدت بسيطة، شكلًا من أشكال الصمود اليومي ومقاومة محاولات التجريد من الإنسانية.

حتى الطعام يصبح معركة

وخلال أيام الاعتقال الأحد عشر، لم يكن الطعام تفصيلًا عابرًا في يومياتنا.

تخيلوا أنني، خلال هذه المدة القصيرة، صمت عن الطعام أربعة أيام، ليس لأنني اخترت الصيام، وإنما لأنني كنت أحاول أن أجمع وجبات الإفطار والغداء والعشاء لأتناولها دفعة واحدة، بعدما أصبحت الكميات المقدمة قليلة إلى حد لا يكفي لسد الجوع.

كنت أحتفظ بما يصلني من وجبات، وأحاول جمعها، حتى أستطيع أن آكل وجبة واحدة أشعر معها بالشبع، بدل أن أقضي اليوم وأنا أوزع القليل على ساعات طويلة.

كان الاحتلال يتعامل مع الطعام بالغرامات؛ يحدد الكميات ويوزعها بما يكفي، في الحد الأدنى، لإبقاء الأسيرة على قيد الحياة.

لم يكن السؤال هناك:

ماذا نريد أن نأكل؟

كان السؤال:

هل تكفي هذه الكمية حتى نهاية اليوم؟

حتى الطعام، وهو أحد أبسط الاحتياجات الإنسانية، أصبح جزءًا من منظومة السيطرة.

وفي تلك الأيام، أدركت أن الحرمان لا يحتاج دائمًا إلى منع الشيء بالكامل؛ أحيانًا يكفي أن تمنح الإنسان منه أقل قدر ممكن، وأن تجعله يقضي يومه وهو يحسب اللقمة التي أكلها واللقمة التي يجب أن يحتفظ بها.

خصوصية تُنتزع قسرًا

لكن أكثر ما كان يمس خصوصيتنا كنساء لم يكن غياب أدوات العناية الشخصية فحسب، بل الطريقة التي كانت تُدار بها احتياجاتنا الأكثر حساسية، ومنها الدورة الشهرية.

في الغرفة التي كنت أقيم فيها، والتي ضمت ثماني أسيرات، كنا نعيش مع اقتراب كل شهر القلق نفسه.

لم يكن دعاؤنا أن تمر تلك الأيام بلا ألم، بل كان دعاؤنا:

«يا رب… ما تيجي لأكثر من وحدة بنفس الوقت.»

لم يكن هذا الدعاء مرتبطًا بالخوف من الألم وحده، بل بالخوف من النقص.

فإدارة السجون كانت تمنح ثماني أسيرات باكيتًا واحدًا فقط من الفوط الصحية.

باكيت واحد فقط… لثماني أسيرات.

في تلك اللحظات، لم يكن الحرمان من الاحتياج الأساسي هو ما يؤلم فقط، بل الشعور بأن خصوصيتنا تُنتزع منا قسرًا.

فالمرأة خلال دورتها الشهرية تحتاج إلى مساحة من الأمان والعناية والراحة، لكن حتى هذه الاحتياجات الإنسانية البسيطة كانت تخضع داخل السجن لمنطق السيطرة والعقاب.

ومع اقتراب موعد الدورة الشهرية، كانت الأسيرات لا يفكرن في كيفية تجاوز الألم بقدر ما كن يفكرن في كيفية تدبير احتياج أساسي أصبح شحيحًا إذا ما تزامنت الدورة بين أكثر من واحدة منهن.

هناك، أدركت أن الاعتقال لا يهدف فقط إلى سلب الحرية، بل يمتد إلى محاولة السيطرة على أكثر تفاصيل حياة المرأة خصوصية، وانتزاع شعورها بالسيادة على جسدها واحتياجاتها.

حتى الجسد، داخل السجن، لم يعد مساحة خاصة تملكها صاحبته بالكامل.

«هذا جسدي… هذه أنوثتي»

وتتقاطع شهادة الأسيرة المحررة لنا فوالجة مع هذه التفاصيل، لكنها تذهب أبعد في وصف الطريقة التي شعرت بها الأسيرات بأن أجسادهن وخصوصيتهن تحولت إلى مساحة مفتوحة للسيطرة.

تقول فوالجة:

«هذا جسدي، هذه أنوثتي، هذه مستلزماتي الشخصية. أنا أنوثتي بتتعرض لانتهاك بالسجن.»

وتروي أن التفتيش العاري كان، بحسب تجربتها، جزءًا متكررًا من حياتها داخل المعتقل، وأن الأسيرات كن يجدن أنفسهن في مواجهة مباشرة مع انتهاك خصوصيتهن الجسدية.

وتقول إن إحدى أكثر التفاصيل قسوة كانت اضطرار الأسيرات إلى التفاوض مع السجانين للحصول على الفوط الصحية.

«الأسيرات يفاوضن السجان على فوطة صحية.»

وتضيف:

«إحنا السجانين اللي بوزعولنا الملابس الداخلية، مع إنه في كثير سجانات، بس الاحتلال يتعمد إنه السجانين اللي يوزعوها.»

بالنسبة لفوالجة، لم يكن الأمر يتعلق فقط بالحصول على قطعة ملابس أو مستلزم شخصي، بل بالشعور بأن المرأة تُجبر على التفاوض مع رجل حول احتياجات مرتبطة بجسدها ودورتها الشهرية.

وتصف ذلك بالقول:

«ما بتتخيل كمية القذارة والانتهاك والسوء لما تكون تفاوض سجان على إشي له علاقة بأنوثتي، بدورة حياتي وجسمي كأنثى.»

وتروي أن المراقبة لم تكن تتوقف عند حدود الزنزانة أو إجراءات التفتيش، بل كانت تمتد، بحسب شهادتها، إلى تفاصيل الحياة اليومية الأكثر خصوصية.

تقول إن السجانين كانوا يتواجدون أثناء خروج الأسيرات لغسل ملابسهن، حتى في اللحظات التي كن يخرجن فيها من الحمامات وشعرهن مبلل، فيما يضعن ملابسهن في الغسالة.

وتتوقف فوالجة عند هذا التفصيل:

«يعني حتى على ملابسك الموسخة في عليها رقابة.»

بالنسبة لها، لم تكن المسألة مجرد مراقبة أمنية، بل شعورًا دائمًا بأن لا مساحة خاصة متبقية للمرأة داخل السجن؛ حتى الملابس الداخلية، وحتى الملابس التي خرجت بها من الحمام، تصبح جزءًا من مجال المراقبة والسيطرة.

«ما إلك خصوصية حتى على جسمك»

وتروي فوالجة حادثة أخرى تقول إنها وقعت داخل حمام الزنزانة.

بحسب شهادتها، دخلت معها سجانتان لتفتيشها عارية، بحجة أن التفتيش يأتي لدواعٍ أمنية.

وتقول إن إحدى السجانتين بدأت بتفتيشها، قبل أن تتدخل الأخرى وتقول لها إن الطريقة التي تجري بها عملية التفتيش ليست صحيحة.

بعد ذلك، بحسب رواية فوالجة، أزيلت ملابسها بالكامل وخضعت لتفتيش وصفته بأنه كان: «بطريقة جدًا قذرة.»

وتختصر فوالجة ما شعرت به خلال تلك اللحظات:

«هم مسيطرين على جسدك.  متحكمين فيكي. فش إلك خصوصية حتى على جسمك.»

لا تتحدث فوالجة هنا عن التفتيش بوصفه إجراءً منفصلًا عن بقية تجربة الاعتقال، بل عن أثره على علاقتها بجسدها وبذاتها.

وتقول:  «أنا كثير عانيت بعلاقتي مع حالي.»

«التحرش مش بس لمسة»

وفي حديثها عن الانتهاكات التي تتعرض لها الأسيرات، تلفت فوالجة إلى أن مفهوم التحرش، بالنسبة لها، لا يقتصر على اللمس

تقول:

«التحرش مش بس لمسة.»

وتشرح أن التحرش قد يكون نظرة أو كلمة، وقد يكون أيضًا انتهاكًا لخصوصية المرأة وجسدها، لأن إحساس المرأة بأن جسدها لم يعد ملكًا لمساحتها الخاصة يمكن أن يترك أثرًا نفسيًا عميقًا.

«حتى انتهاك خصوصية الأنثى هو تحرش.»

ومن هنا، ترى فوالجة أن ما تخرج به الأسيرات من السجن لا يقتصر على ذكريات الاعتقال نفسها، بل يمتد إلى آثار نفسية تستمر بعد الحرية.

تقول:

«إحنا الأسيرات بنطلع من المعتقل وفينا ندوبات نفسية كثير.»

وتشير إلى أن بعض الأسيرات قد يدخلن في دائرة من جلد الذات، بحيث تتحول الضحية، مع مرور الوقت، إلى شخص يلوم نفسه على ما تعرض له. «كثير أسيرات بيتعرضن لجلد الذات. الضحية بتجلد ذاتها.»

«رح أطلع أنس مش إيناس»

وربما لهذا تبدو تلك التفاصيل الصغيرة التي كنا نتمسك بها أكبر مما تبدو عليه. فحين يصبح الجسد نفسه مصدرًا للقلق، تصبح محاولة إزالة شعر الوجه، أو ترتيب الشعر، أو النظر إلى المرآة، محاولات لاستعادة علاقة فقدنا السيطرة عليها.

لم تكن محاولات الحفاظ على الأنوثة تتوقف عند ربطة شعر صُنعت من خيط منشفة، أو عند البحث عن مرآة غابت طويلًا.

حتى إزالة شعر الوجه، وهي تفصيلة تبدو عادية في الحياة اليومية، تحولت داخل السجن إلى هاجس بالنسبة لي.

في ليلة اعتقالي، كنت قد أجلت إزالة شعر وجهي إلى اليوم التالي، لكن «اليوم التالي» جاء وأنا معتقلة.

وحين وصلت إلى سجن الدامون، لم يكن أول ما شغلني التحقيق، ولا الحكم، ولا حتى مدة الاعتقال.

كان السؤال الوحيد الذي يدور في ذهني:

كيف سأزيل شعر وجهي؟

قد يبدو السؤال بسيطًا لمن لم يعش تجربة الاعتقال، لكنه بالنسبة لي كان جزءًا من صورتي عن نفسي، ومن إحساسي بأنوثتي. وفي أول «فورة» جمعتني مع الأسيرات، سألت إن كانت إحداهن تستطيع مساعدتي، ثم قلت مازحة:

«إذا ضليت هيك… رح أطلع أنس مش إيناس.»

ضحكنا طويلًا حينها.

في تلك اللحظة، لم يكن الضحك مجرد رد فعل على مزحة، بل كان وسيلتنا الوحيدة لاستعادة شيء من الحياة، ولو لدقائق، داخل مكان صُمم لكسرنا.

لاحقًا، نجحنا في نَسل خيط من الفرشة التي كنت أنام عليها، واستخدمته لإزالة شعر وجهي.

عندها فقط أدركت أن الاحتلال لا يدفعنا إلى التفكير في النجاة من الاعتقال فحسب، بل يدفعنا إلى العيش في حالة استعداد دائمة، وكأن الغد قد لا يأتي خارج القضبان.

حتى أبسط تفاصيل حياتنا الشخصية تصبح مؤجلة، أو ناقصة، أو مهددة بالغياب في أي لحظة.

حين يصبح الفرح فعل مقاومة

ورغم كل شيء، كانت الحياة تجد طريقها إلى الزنازين.

فداخل المكان الذي صُمم ليكون مساحة للعقاب، كانت الأسيرات يصممن على صناعة لحظات تشبه الحياة.

عندما يحل ذكرى ميلاد إحدى الأسيرات، تبدأ قبل أيام بالاحتفاظ بجزء صغير من فطورها.

ملعقة من مربى الفراولة. وقليل من الطحينية.

وقطع من الخبز القاسي الذي كنا نأكله لأنه لا خيار غيره.

وفي يوم الميلاد، تجمع تلك الأشياء لتصنع منها شكلًا صغيرًا، ربما وجهًا مبتسمًا، ثم تتقاسمه مع بقية الأسيرات، وسط الدعوات بأن يكون العيد القادم خارج السجن.

لم يكن ذلك احتفالًا بالمعنى المعتاد. بل كان إعلانًا بأن السجن، رغم كل ما يفعله، لم ينجح في قتل القدرة على الفرح. في السجن، حتى الفرح يحتاج إلى أن يُبتكر.

حين تُخاط الثياب من جديد

ولا تتوقف محاولات ابتكار البدائل عند أدوات العناية الشخصية.

فالأسيرة المحررة أم عناد البرغوثي تروي كيف كانت إدارة السجون تمنح الأسيرات ملابس صلاة قصيرة لا تصلح لأداء الصلاة.

لم يكن أمامهن سوى أن يبتكرن الحل بأيديهن.

كنّ يفككن البناطيل القديمة، ويستخدمن حافة السرير لعمل ثقوب في القماش، ثم يمررن الخيوط من خلالها ويعدن حياكة البنطال وتحويله إلى تنورة طويلة تصلح للصلاة.

حتى العبادة، داخل السجن، احتاجت إلى إعادة خياطة.

داخل السجن، لا شيء يأتي كما ينبغي, كل حاجة أساسية تتحول إلى مهمة. وكل تفصيل بسيط يحتاج إلى ابتكار جديد.

حتى نواة الزيتون لم تكن تُرمى؛ كانت تتحول بين أيدي الأسيرات إلى أساور وقلائد صغيرة لم تكن قيمتها فيما صُنعت منه، بل فيما كانت تمثله؛ محاولة مستمرة لخلق شيء يشبه الحياة داخل مكان صُمم لسلبها.

ما لا يُقال بعد الحرية

ليست كل الحكايات قابلة للرواية.

فمعظم الأسيرات المحررات يتحدثن عن لحظة الاعتقال، أو التحقيق، أو التعذيب، أو الحرمان. أما تفاصيل الحياة اليومية داخل الزنازين، فتظل غالبًا خارج الرواية.

ليس لأنها أقل أهمية.

بل لأنها تمس أكثر المناطق خصوصية في حياة المرأة.

الجسد. والأنوثة. والاحتياجات الشخصية. والتفاصيل التي قد تبدو صغيرة، لكنها تترك أثرًا عميقًا في النفس.

ربما لهذا السبب، نعرف الكثير عن أعداد الأسيرات، وعن الأحكام، وعن السجون، لكننا نعرف القليل جدًا عن كيف كانت إحداهن تربط شعرها، أو تحتفل بعيد ميلادها، أو تبحث عن مرآة، أو تقلق من موعد دورتها الشهرية.

هذه الحكايات نادرًا ما تصل إلى الإعلام. وربما تحتاج الأسيرة بعد خروجها إلى وقت ومساحة آمنة حتى تتمكن من الحديث عن تفاصيل بقيت عالقة في ذاكرتها.

ولا تبدو هذه التفاصيل منفصلة عن حجم الاستهداف الذي طال الصحفيات الفلسطينيات أنفسهن.

فقد وثقت نقابة الصحفيين الفلسطينيين 42 حالة اعتقال بحق صحفيين وصحفيات خلال عام 2025، بينهم 8 صحفيات، مقارنة بـ64 حالة في عام 2023 و58 حالة في عام 2024.

وفي معطى سابق، وثقت النقابة اعتقال 125 صحفيًا وصحفية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى تشرين الأول/أكتوبر 2024، بينهم 16 صحفية، وكانت ست صحفيات لا يزلن رهن الاعتقال وقت صدور التقرير.

لكن الأرقام، مهما كانت ضرورية لفهم حجم الاستهداف، لا تخبرنا كيف تعيش امرأة داخل الزنزانة عندما لا تجد مرآة، أو مشطًا، أو ما يكفي من مستلزمات دورتها الشهرية، ولا كيف تصنع من خيط منشفة ربطة شعر، أو من قطعة قماش شيئًا تستعيد به جزءًا من صورتها عن نفسها.

ولذلك، تبدو محاولة روايتها اليوم استعادةً لذاكرة بقيت طويلًا حبيسة الزنازين.

«كنت دائمًا أقول: يا رب طلعني من هذا القبر»

ولا تختلف شهادة الأسيرة المحررة إسراء الخمايسة كثيرًا عن هذه التفاصيل. فالخمايسة، التي أمضت تسعة أشهر في الاعتقال، تصف السجن بكلمة واحدة: «كان قبرًا.»

تقول إن المكان كان يفتقر إلى أدنى مقومات الحياة.

أدنى كمية من الطعام التي تُبقي الإنسان على قيد الحياة.

وأدنى أدوات النظافة.

حتى الشامبو، وهو من أبسط الاحتياجات اليومية، كان الحصول عليه معركة بحد ذاتها.

أما الملابس، فلم يكن متاحًا سوى بيجامتين؛ واحدة تُرتدى، وأخرى تُغسل. لكن أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرتها، لم يكن نقص الطعام أو الملابس فقط، بل الشعور الدائم بأن السجن لا يعترف بها كامرأة.

تقول:

«السجن ما كان يراعي إننا كأسيرات إلنا  كيان وأنوثة، وإلنا احتياجات وخصوصية.»

وتضيف أن عبارة واحدة كانت ترددها باستمرار داخل الزنزانة:

«كنت دائمًا أحكي: يا رب طلعني من هذا القبر.»

ولم تكن هذه العبارة تعني الخروج من الجدران فقط.

بل الخروج من مكان يحاول، كل يوم، أن يسلب الإنسان علاقته بنفسه.

الحذاء الذي بقي خلف القضبان

في المعتقل، لا شيء يحدث صدفة. حتى الحرمان من أبسط الاحتياجات لا يبدو مجرد إهمال، بل جزءًا من تجربة تستهدف الإنسان في يومياته، وراحته النفسية، وعلاقته بجسده، وصورته عن نفسه.

ومن أكثر المشاهد التي بقيت عالقة في الذاكرة، لحظة الإفراج عن الأسيرة المحررة ليان ناصر.

كانت أول ما فعلته بعد خروجها من بوابة السجن أن خلعت الحذاء البلاستيكي الذي كانت إدارة السجون تفرضه على الأسيرات.

حذاء قاسٍ، واسع على الأقدام، ثقيل، مرسوم عليه شكل بقرة، لا يشبه أحذية النساء بقدر ما يشبه جزءًا آخر من أدوات الإذلال اليومي. ألقت به خلفها. ثم انطلقت حافية نحو عائلتها. في تلك اللحظة، بدا الأمر وكأنها لا تتخلص من حذاء فقط، بل من أشهر طويلة حملت فيها السجن على قدميها.

النار التي أغلقت باب السجن

أما أنا…

فعندما وصلت إلى المنزل يوم الإفراج، لم أبحث أولًا عن الطعام. ولا عن النوم. ولا حتى عن هاتفي. كان أول ما فعلته أنني خلعت «بيجامة» السجن. وقفت أمام صوبة الحطب. ألقيتها داخل النار. وبقيت أراقبها وهي تحترق.

شيئًا فشيئًا… كانت النيران تلتهم القماش، بينما كنت أشعر أنها تلتهم شيئًا آخر أيضًا. تلتهم الأيام التي عشتها داخله.

وتلتهم رائحته التي علقت في الذاكرة. في تلك اللحظة تحديدًا.. أدركت أن الحرية قد تبدأ أحيانًا من قطعة قماش تحترق.

ما لا يرويه الإعلام

ربما لا تُذكر هذه التفاصيل في التقارير الحقوقية، ولا تظهر في الإحصاءات التي توثق أعداد المعتقلات والانتهاكات، لكنها بالنسبة للأسيرات كانت جزءًا من معركة يومية للحفاظ على ذواتهن، وكرامتهن، وإنسانيتهن.

قد تبدو هذه الحكايات صغيرة أمام حجم الانتهاكات التي تتعرض لها الأسيرات الفلسطينيات، لكنها ليست تفاصيل هامشية.

ففي كل مرة كانت تُنسل فيها خيوط من منشفة لصناعة ربطة شعر، وفي كل مرة كانت ثماني أسيرات يقتسمن باكيتًا واحدًا من الفوط الصحية، وفي كل مرة كانت أسيرة تجمع وجبات يوم كامل لتأكلها دفعة واحدة، أو تتفاوض للحصول على فوطة صحية، أو تحاول حماية جسدها من تفتيش تشعر أنه ينتهك خصوصيتها، وفي كل مرة كانت نواة زيتون تتحول إلى سوار، أو تُصنع ابتسامة من قطعة خبز وملعقة مربى، كانت الأسيرات يتمسكن بصورة الإنسان في داخلهن.

ربما لم يستطعن الاحتفاظ بمرآة، أو بمشط، أو حتى بربطة شعر حقيقية، لكنهن احتفظن بما هو أهم؛ صورتهن عن أنفسهن.

فبين خيطٍ نُسل من منشفة، ونظرةٍ خاطفة إلى مرآة، وفوطة صحية يجري التفاوض عليها، ووجبة تُجمع على امتداد يوم كامل، وتفتيش ينتزع خصوصية الجسد، كانت تُخاض كل يوم معركة صامتة للدفاع عن الكرامة والهوية، قبل أي شيء آخر.

وفي مكان يحاول أن يجعل المرأة تشعر بأن لا شيء يخصها، حتى جسدها، كانت مجرد محاولة للاحتفاظ بتفصيل صغير تقول: “ما زلتُ أنا.”

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني