loading

في خاصرة الخليل المنسية إذنا: صيفٌ بلا قطرة ماء…وعطشٌ على عجلات

أسماء المسالمة

لم تعد المياه في بيت بهية وبسمة أبو جحيشة مجرد حاجة تصل عبر الصنبور، بل أصبحت موعدًا ينتظرونه، وخزانًا يراقبونه باستمرار، ومبلغًا عليهم تدبيره كلما فرغ الخزان.

في بلدة إذنا غرب الخليل، غيّر نقص المياه تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، وبدأت حسابات جديدة لديهم: كم تبقى في الخزان؟ وكم يوم يكفينا الماء؟ ومتى ستصلنا المياه أو يصل دورنا بالصهريج؟

مياه للجلي تُستعمل لسقاية النباتات، ومياه الغسيل تُشطف بها أرضية المنزل، كما تضطر بهية وأختها بسمة في كثير من المرات لنقل غسيلها الى بيت أخيها بمنطقة أخرى لغسله، كل ذلك نتيجة أزمة مائية تعاني منها إذنا منذ عامين تقريبًا.

بهية وبسمة أبو جحيشة في الخمسينيات من عمرهما، أختان تعيشان سويًا في البلدة تعانيان منذ شهور من أزمة نقص المياه، حالهن كحال الكثير من العائلات التي لا تجد قطرة ماء واحدة في بيتها في كثير من الأحيان. أزمة تتفاقم حدتها مع دخول فصل الصيف.

تُقسم بهية بأن مياه شبكة البلدية لم تصل بيتها منذ عيد الأضحى إلا قبل أسبوعين من تاريخ إجراء المقابلة، وجاءت لفترة قصيرة امتدت منذ ساعة العصر وحتى المغرب، مع ضخ بطيء وقليل للماء.

تشاركهن الأزمة الشابة العشرينية وفاء وهي أم لستة أطفال، والتي تضطر برفقة أطفالها لحمل تنكات فارغة من بيتها إلى بيت أهلها وتعبئتها بالماء حين تصلهم الماء ولا يصلها في كثير من المرات، فتقول: “بتيجي علينا المياه كل خمس شهور وخط راجع بتكون ضعيفة جدًا ساعة زمن وبتقطع”.

حين يتحول العطش إلى أداة عقاب جماعي

أزمة المياه في بلدة إذنا تواجدت منذ نحو 15عامًا. ولكنها تفاقمت كخطوة من خطوات العقاب الجماعي بعد شهر أيلول 2024 بعد العملية الفدائية التي نفذها ابن البلدة مهند العسود.

فعمل الاحتلال على التقليل من نسبة المياه الواصلة للبدة من المضخة الرئيسية المعروفة باسم “تيليم ترقوميا” والتي توزع المياه على بلدات وقرى الخط الغربي لمحافظة الخليل (إذنا، ترقوميا، بيت عوا، دير سامت والكوم).

كما قام بإغلاق البوابة الرئيسية للبلدة والمتنفس الرئيسي لخروج أهلها منها والتنقل لباقي المدن والبلدات المحيطة، وصولاً لعمليات تضييق متكررة على خطوط، وحتى ملاحقة صهاريج المياه على ينابيع المياه المتواجدة داخل البلدة.

يبلغ عدد سكان بلدة إذنا 37 ألف نسمة، ولا تصل المياه إلا ثلاثة أيام كل عشرة أيام وربما تتأخر أكثر، علمًا بأن هناك مناطق يسكنها مواطنون على أطراف البلدة وفي مناطق جبلية.

وبحسب تصريح سابق لنائب بلدية إذنا شوقي الجياوي فإنه كان هناك اتفاق مع شركة “ميكروت” الإسرائيلية ينص على حصول البلدة على 240 كوبًا في الساعة، لكن ما يصل فعليًا هو نحو 40 كوبًا في الساعة.

ويعني هذا أن ما يصل البلدة حاليًا من مياه يتراوح بين 17-20 ألف كوب بالشهر تقريبًا، لكن الحاجة الحقيقية والتي يمكن أن تغطي جميع مناحي حياة المواطنين فتبلغ 150 ألف كوب شهريًا.

قبل تفاقم الأزمة كانت المياه تصل المواطنين بشكل دوري، فتقول بهية: “كانت تأتي كل شهر أو شهرين وتبقى 48 ساعة تقريبًا وهي تضخ”. لكن اليوم تغير الوضع وأصبحت كل خمسة أو ستة شهور حتى تصل جميع المناطق في البلدة وأحيانًا قد تغيب تسعة شهور!

من الشبكة إلى الصهريج

مع تراجع وصول المياه عبر الشبكة الرئيسية من البلدية، بدأ المواطنون بالبحث عن بديل آخر للمياه وهو الصهريج.

منذ ساعات الصباح وحتى ساعات الليل تضج أصوات أبواق الصهاريج التي تجوب شوارع إذنا في سبيل إيصال المياه لأولئك الذين لا تصلهم مياه الشبكة أو من لم تصله المياه منذ شهور.

كل يوم بعد آذان الفجر يخرج أحمد طمايزة (38 عامًا) من بيته باحثًا عن مصدر للمياه لتعبئة صهريجه ونقله للعائلات التي انقطعت عنها المياه، فينتقل من نبعة مياه لأخرى حتى يملأ الصهريج فالأمر هنا يعتمد على كمية المياه التي تخرجها النبعة الطبيعية من باطن الأرض وعما إذا كانت صالحة للشرب والاستخدام البشري.

سابقا وقبل تفاقم الأزمة كان أحمد يملأ الصهريج من مياه البلدية لإيصالها للمواطنين، لكن اليوم وبسبب تخفيض حصة البلدة من المياه اضطر للبحث عن الينابيع لحل جزء من المشكلة.

بصوتٍ يملؤه الحسرة يقول أحمد: “قبل الأزمة كنا نتسلك بأكثر من نقلتين، لكن اليوم مع الأزمة وإجراءات الاحتلال الإسرائيلي أصبحنا نقوم بنقلة أو نقلتين.”

يؤيده الشاب وَرْد فرج الله الذي كان يغطي احتياجات من 4 إلى 6 عائلات في اليوم من المياه قبل أن يتقلص العدد إلى عائلتين.

ومن الطبيعي فإن زيادة الطلب تؤدي لارتفاع سعر العرض، الأمر الذي ينطبق على سعر صهاريج المياه في بلدة إذنا، فأصبحت أسعار الصهاريج تتراوح اليوم بين 150 إلى 250 شيكل حسب حجم الصهريج، فمثلًا صهريج 11 كوب ماء كان سعره بالسابق 150 شيقلًا أو أقل لكن اليوم وصل إلى 200 شيقل!

تشكو بهية الحال قائلة: “لما تنقطع عنا المياه بصعوبة لندبرها لأن وضعنا الاقتصادي لا يسمح وهناك أزمة على الجميع، ومرة بعد ثلاث أيام وصلنا صهريج مي بسبب الضغط والأزمة”.

طاردونا ولحقونا على بيوتنا”

نهار أحد أيام حزيران الفائت، وفي طريقه لتعبئة صهريجه بالمياه من أحد نبعات البلدة، حاصرت قوات من جيش الاحتلال  الشاب وَرْد فرج الله واثنين من رفاقه مع صهاريجهم، لكن سرعان ما أوقفوا الشاحنات وخرجوا منها ركضًا تلاحقهم رصاصات تحذيرية، تاركين خلفهم صهاريجهم ومصدر رزقهم الأساسي.

يقول وَرْد: “اضطرينا لترك التنكات بالأوراق وكل شيء ونهرب حتى لا نتعرض للضرب أو الاعتقال”.

لم يكن صهريج وًرْد الوحيد الذي تمت مصادرته من قبل الاحتلال، ففي الفترة نفسها اقتحم الجيش بلدة إذنا وصادر حوالي 15 صهريج يُستخدم لنقل المياه لسكان البلدة، ومعظمها يعمل بشكلٍ قانوني ويحمل تراخيص للعمل، يضيف وَرْد: “مرة قبل عام تقريبًا لاحقونا ومعهم جرافة بأسنان أتلفوا فيها التنكات وصادروا 3 منها”.

كما لم يتوقف الأمر على المصادرة، بل استمر جنود الاحتلال بملاحقة عمال الصهاريج الذين يقومون بتعبئة المياه من نبعات قريبة من مدخل البلدة، حتى أنهم لاحقوهم إلى بيوتهم واعتقلوا بعضهم لكنهم خرجوا بوقتٍ لاحق.

هنا يروي لنا أحمد طمايزة فيقول: “قبل أسبوع أتى الجيش وحاول إيقافنا ونحن نعبي مياه من النبعة، لكن هربنا وأطلقوا الرصاص على التنك وخرقوا الكوشوك والجرة الخاصة به وكلفتني عملية التصليح 1500 شيقل”.

الحل الذي وجدته العائلات في إذنا بات مهددًا، ولم يعد مضمونًا هو الآخر، فأحمد ووَرْد وغيرهما من عمال الصهاريج يفكرون دومًا بالتوقف عن العمل، بسبب تضييقات الاحتلال عليهم وملاحقتهم.

أكد أحمد أنهم ببداية عملية مصادرة الصهاريج توقفوا لفترة عن نقل المياه، كما فكر وَرْد بشراء صهريج آخر بعد مصادرة الأول، لكن سرعان ما تراجع عن قراره، خوفًا من المصادرة مرة أخرى.

مطالبات بزيادة حصة إذنا من المياه في ظل مياه شحيحة

ترتبط بلدة إذنا بشبكة توزيع “ترقوميا تيلم” التابعة لشركة “ميكروت” الإسرائيلية والمسؤولة عن توزيع المياه على بلدات الخط الغربي (إذنا، دير سامت، بيت عوا، ترقوميا والكوم) لمحافظة الخليل، لكن وبحسب رئيس بلدية إذنا رزق طميزة فإن عملية توزيع المياه غير عادلة ولا تصل لأهالي البلدة كمية مياه تراعي عدد السكان وكثافتهم، فمقدار 17 ألف كوب ماء لا يغطي حوالي 37 ألف مواطن ولا تلبي الحد الأدنى لاحتياجاتهم اليومية، وبالتالي لا تصل المياه جميع المناطق داخل البلدة.

كما يؤكد طميزة أن الاحتلال هو المسبب الأول والرئيسي لأزمة نقص المياه بالبلدة. يضيف أحمد مؤكدًا على ذلك: “مشكلتهم اليوم في المياه لا يريدون لنا أن نعبي مياه ولا يعطونا إياها بشكل قانوني، يريدون أن نعيش بدون مياه”.

تحاول سلطة المياه الفلسطينية إيجاد حل جذري للمشكلة، بحسب تصريح مدير عام الصيانة والتشغيل بسلطة المياه عصام عرمان، فإن الحل المرفوع لشركة “ميكروت” يتمثل بنقل وصلة تزويد بلدية إذنا من مكانها الحالي إلى مكان أفضل وأقرب الى البلدية بالتنسيق مع البلدية.

تطالب بلدية إذنا اليوم برفع حصتها من المياه التي يتم توزيعها بين البلدات، وتتلقى وعودًا بتمديد خط جديد لحل الأزمة، لكن متى ستتحقق هذه الوعود لا أحد يعلم.

هل الينابيع صالحة للاستخدام الآدمي؟

لجأ سكان البلدة الى مياه الينابيع التي تنتشر بأماكن محددة داخل بلدة إذنا، لكن ليست جميعها صالحة للشرب، فبعضها تحتوي على نسبة أملاح عالية قد تسبب مشاكل صحية عند الناس، كحالة بهية التي تعاني من عدة أمراض مزمنة وتخاف أن تزيد هذه المياه من مشاكلها الصحية، تضيف: “زوجة أخي قبل فترة أتت علينا ولاحظت أن المياه عكرة، واضطرت لشراء مياه معدنية من الدكان”.

يؤكد ذلك أحمد بقوله: “نوصل للناس مياه من النبعات لكن لا يستخدمونها للشرب وإنما لأمور أخرى ويقومون بشراء مياه معقمة يعني أصبح عليهم عبء ثاني”.

“الناس لبعضها”

“اليوم هناك شوفيرية تنكات يوصلون المياه لعائلات محتاجة بدون مقابل أو بسعر رمزي، وأحيانا نسأل وين في ناس لا تستطيع شراء، نرسل لها مياه لوجه الله … يعني الناس لبعضها”، بهذه الجملة يؤكد وَرْد وأحمد تعاطف أصحاب الصهاريج مع الأزمة التي تعاني منها البلدة، وكيف يحاولون جميعًا مساعدة بعضهم البعض لتوفير المياه ولو القليل لكل البيوت.

ويعمل أحمد ليل نهار لتوفير المياه وتلبية احتياجات الناس منها، كما عملت البلدية على تخفيض سعر كوب الماء من خمسة إلى أربعة شواقل تخفيفًا على الناس.

في كثيرٍ من الأحيان اضطرت بهية وبسمة لتأجيل زيارات عائلية بسبب عدم وجود مياه بالبيت، كما تضطر وفاء لعدم تنظيف بيتها إلا كل ثلاثة أيام، وكلا العائلتين تقتصدان في استخدام ما يتوفر لهم من ماء.

أما وَرْد فصهريجه لن يعود له فبحسب ما وصله من أخبار تم بيع الصهريج وتحويله إلى قطع، فاقدًا دخله الأساسي.

 ويستمر أحمد بعملية نقل المياه للأهالي رغم ما يواجهه من مخاطر وخوف يومي.

والماء الذي كان يصل للبيوت دون سؤال، أصبح اليوم يحتاج إلى انتظار وصهريج ومال… وأحيانًا إلى المخاطرة.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني