loading

فوق الركام.. محمد سلهب يتمسك بأرضه وذكرياته

مصعب شاور

في المكان الذي عاش فيه محمد عبد السلام سلهب، 60 عامًا، معظم حياته، لم يعد هناك بيت يعود إليه بعد العمل في أرضه، ولا غرفة يجلس فيها مع عائلته، ولا سقف يحتمي تحته أطفاله وأحفاده. هناك الآن ركام.

ركام عشرة منازل كانت تؤوي نحو 50 شخصًا من عائلة سلهب، قبل أن تهدمها القوات الإسرائيلية، لتجد العائلة نفسها أمام حياة جديدة بلا بيوت، وموزعة بين الخيام والعراء.

لكن محمد لا يغادر المكان.. يمشي بين أنقاض منزله، ويتفقد أرضه وأشجار العنب، ويتابع ما تبقى من أعمال زراعية فيها. ينحني أحيانًا ليتفقد شجرة، ويواصل العمل في الأرض، وكأن الحفاظ عليها أصبح جزءًا من تمسكه بالمكان.

يقول محمد: “هاي أرضنا، ولازم نضل فيها ونشتغل فيها، لأنه إذا تركناها ممكن تنصادر”.

لم يهدموا البيت فقط.. بل مصدر الرزق أيضًا

لم يقتصر الهدم على المنازل، فقد طالت الجرافات أيضًا ورشة تصليح المركبات التي كان يعمل فيها محمد إلى جانب أبنائه وأبناء أشقائه. كانت الورشة مصدر رزق للعائلة، يعمل فيها عدد من أفرادها ويعتمدون على دخلها في تأمين احتياجات أسرهم. ومع تدميرها، فقدت العائلة في الوقت نفسه الذي خسرت فيه منازلها مصدر دخلها أيضًا.

العائلة التي كانت تسكن في المنازل التي هُدمت، كانت تعمل كذلك في الورشة نفسها، لتجد نفسها أمام خسارتين متزامنتين: فقدان البيت وفقدان مصدر الرزق.

بالنسبة لمحمد، لم يعد الأمر يتعلق فقط بمكان ينام فيه، بل بقدرته وأبنائه وأبناء أشقائه على مواصلة العمل وكسب لقمة العيش. فبات عليهم أن يبدأوا حياتهم من جديد، من دون منزل يأويهم، ومن دون ورشة كانت توفر لهم مصدر دخل.

عشرة منازل في ساعات

كانت المنازل العشرة تشكل مساحة واحدة لعائلة كبيرة. فيها عاش الآباء والأبناء والأحفاد، وتوزعت فيها غرف النوم والمطابخ ومقتنيات العائلة وتفاصيل حياتها اليومية.

لم تكن المنازل بالنسبة إلى سكانها مجرد جدران من الإسمنت والحجارة، بل أماكن تراكمت فيها عشرات السنين من الذكريات لكن تلك الحياة توقفت عندما وصلت الجرافات.

يتذكر محمد كيف أُخرج أفراد العائلة من منازلهم قبل أن تبدأ عملية الهدم. حاولوا إنقاذ ما يستطيعون من مقتنياتهم، لكن كثيرًا من الأثاث والأجهزة والأغراض بقي تحت الأنقاض.

ثم بدأت الجرافات بإسقاط المنازل واحدًا تلو الآخر.

يقول محمد، وهو يشير إلى المكان الذي كانت تقف فيه المنازل: “كل بيت كان فيه عيلة، وكل بيت كان فيه حياة”.

وخلال وقت قصير، تحولت مساكن العائلة إلى أكوام من الحجارة والحديد والأخشاب.

رمضان.. شهر العائلة الذي بدأ بالهدم

جاء الهدم في بداية شهر رمضان، الشهر الذي ترتبط فيه الذاكرة الفلسطينية بموائد الإفطار ولمّة العائلة وزيارات الأقارب، وبالبيت الذي تجتمع فيه العائلة قبل موعد الإفطار وبعده.

لكن رمضان هذه المرة بدأ لعائلة سلهب بطريقة مختلفة.

قبل الهدم، كانت العائلة قد تناولت السحور وصلّت الفجر، ثم وجدت نفسها أمام القوات والجرافات. وبدلًا من العودة إلى غرفها بعد الصلاة، خرج أفرادها من منازلهم.

وبدلًا من أن تجتمع العائلة حول مائدة الإفطار، أصبحت تبحث عن مكان تجتمع فيه. يتابع محمد: “رمضان إلنا شهر رحمة ومحبة، وشهر بتجتمع فيه العيلة، بس إحنا استقبلناه من غير بيوت”.

كان المنزل الذي يفترض أن يجمعهم في هذا الشهر قد أصبح ركامًا. 

الخيمة التي لا يُسمح لها بأن تصبح بيتًا

بعد هدم المنازل العشرة، لم تجد العائلة أمامها سوى الخيام كملاذ مؤقت يحمي النساء والأطفال من العراء. لكن حتى هذا المأوى البسيط لم يُترك لهم.

يضيف محمد بأن العائلة نصبت الخيام بعد الهدم، وفي كل مرة كانت تحاول فيها إعادة بناء مكان يؤوي أفرادها، كانت القوات الإسرائيلية تعود وتصادرها. مفيدًا ” بنينا الخيمة، وبعد فترة صادروها. رجعنا بنيناها، وصادروها مرة ثانية. أربع مرات بنينا الخيام وصادروها”.

أربع مرات حاولت العائلة أن تصنع لنفسها سقفًا من القماش، وأربع مرات فقدت ذلك المأوى. لم تكن الخيمة بالنسبة لهم بديلًا عن البيت، بل آخر ما يمكن أن يحميهم من الحر والبرد والمطر. ومع كل مصادرة، كانت العائلة تعود إلى نقطة الصفر، تبحث من جديد عن مكان تنام فيه، وتحاول مرة أخرى بناء مأوى لأطفالها.

يقول محمد: “شو بدنا نعمل؟ كل ما نبني خيمة عشان نحمي أولادنا ونسوانا، بيجوا وبصادروها”. لم تكتفِ العائلة بفقدان بيوتها، بل أصبحت حتى محاولتها تأمين سقف مؤقت عرضة للمصادرة.

وبعد أربع مرات من المصادرة، بقي السؤال مفتوحًا أمام العائلة: أين يمكن أن يجدوا مكانًا آمنًا يحمون فيه أطفالهم ونساءهم من العراء؟

النساء.. حين يصبح البيت ذكرى

كان فقدان المنزل بالنسبة إلى النساء في العائلة فقدانًا للمكان الذي ارتبط بتفاصيل حياتهن اليومية. المطبخ الذي كانت تُحضّر فيه وجبات العائلة، والغرف التي تجمع فيها الأبناء، والخزائن التي احتفظت بملابسهم وأغراضهم، كلها اختفت تحت الركام.

وجدت النساء أنفسهن أمام واقع لم يخترنه: حياة في خيام أو أماكن مؤقتة، من دون الخصوصية والأمان اللذين يوفرهما البيت. وفي رمضان، ازدادت وطأة فقدان المنزل. فالشهر الذي اعتادت فيه العائلات الفلسطينية أن تجتمع حول مائدة واحدة، أصبح بالنسبة لهذه النساء مرتبطًا بالبحث عن مكان مناسب لإعداد الطعام والنوم والعيش بعيداً عن البيت الذي كان يجمع أفراد الأسرة.

ومع اقتراب الشتاء وتغير الظروف الجوية، تصبح فكرة البقاء خارج المنزل أكثر قسوة، خاصة للعائلات التي تضم أطفالًا ونساء وكبارًا في السن. بالنسبة بمحمد، لم يكن هدم المنازل يعني فقدان مكان للنوم فقط، بل تفكيكًا لحياة عائلة كاملة.

يقول: “البيت مش بس حجر، البيت فيه عمرنا وذكرياتنا وحياتنا”.

الأطفال.. الذين خرجوا من البيت ولم يجدوه في طريق العودة

كان الأطفال يعيشون في تلك المنازل، يذهبون إلى مدارسهم ويعودون إليها، يتركون حقائبهم وألعابهم وملابسهم في غرف يعرفونها جيدًا ثم جاء يوم أصبح فيه كل شيء مختلفًا.

خرج الأطفال من منازلهم، لكنهم لم يعودوا قادرين على العودة إلى الغرف نفسها. لم يعد هناك سرير ينتظرهم، أو غرفة يضعون فيها حقائبهم، أو باب يغلقونه خلفهم في نهاية اليوم.

يتذكر محمد كيف خرج الأطفال من المكان وهم يحملون بعض حاجياتهم، بينما بقيت أشياء أخرى كثيرة تحت الركام. ويؤكد أن أصعب ما في الأمر أن الطفل لا يستطيع بسهولة أن يفهم كيف يمكن أن يكون له بيت في يوم، ثم يصبح في اليوم التالي مجرد أنقاض. ومع تكرار مصادرة الخيام، لم يعد حتى المأوى المؤقت مضمونًا لهم.

الكنبة فوق الركام

بعد مرور أشهر على الهدم، لا يزال محمد يعود إلى المكان الذي كان منزله. ومن بين الركام أخرجت العائلة كنبة كانت داخل المنزل. وضعها محمد فوق الأنقاض.

هناك، فوق ركام البيت، يختار مكانًا للجلوس والراحة.

يجلس على الكنبة وينظر حوله إلى المكان الذي كان يعرفه بكل تفاصيله. لم تعد الكنبة داخل غرفة، ولم يعد خلفها جدار أو سقف. أصبحت موضوعة فوق ما تبقى من المنزل، كأنها قطعة صغيرة من الحياة القديمة نجت من الجرافات.

يوضح محمد: “لما أقعد هون بتذكر البيت، وبتذكر كيف كنا نقعد وكيف كانت العيلة تجتمع”.

في هذا المكان يستعيد محمد ذكرياته. يتذكر أفراد عائلته، والأصوات التي كانت تملأ البيت، والأيام العادية التي لم يكن يتخيل أنها ستصبح يوماً ذكريات بعيدة. بالنسبة إليه، الجلوس فوق الركام ليس استسلامًا، بل محاولة للتمسك بما تبقى من حياته في المكان. فالكنبة التي كانت جزءًا من غرفة عائلية أصبحت اليوم مقعدًا فوق أنقاضها.

الأرض التي لا يريد أن يخسرها

بعد أن فقدت العائلة منازلها وورشة عملها، أصبح محمد أكثر تمسكًا بالأرض. يقوم بجولاته فيها، ويتفقد أشجار العنب، ويتابع الأعمال الزراعية ويحاول الحفاظ عليها.

يمشي بين الأشجار، يتفقد أغصان العنب، ويعمل في الأرض رغم فقدان منزله والمأوى المستقر لعائلته، ورغم فقدان الورشة التي كانت مصدر رزق له ولأبنائه وأبناء أشقائه.

يعرف محمد أن الأرض بالنسبة إليه ليست مجرد مساحة للزراعة، بل جزء من تاريخ العائلة وحياتها، ولذلك يصر على البقاء فيها والعناية بها يقول: “البيت هدموه، بس الأرض ما بدنا نخليها تروح”. وليس محمد وحده من يتمسك بالمكان.

فمن بين الركام، بدأت أشجار ونباتات مختلفة تعود لتنبت من جديد، رغم أن الهدم قطع بعضها وأتلف أخرى. أغصان خضراء تظهر بين الحجارة، ونباتات تشق طريقها من الأرض التي غطتها آثار الهدم، وكأن الحياة تحاول أن تستعيد مكانها وسط ما خلفته الجرافات.فالهدم لم يقتلع كل شيء.

بعض الجذور بقيت تحت الأرض، وبعض الأشجار عادت لتنبت من جديد، تمامًا كما يصر محمد على العودة إلى أرضه والعمل فيها. بالنسبة إليه، العمل في الأرض هو أيضًا محاولة لحمايتها من المصادرة، وإبقاء وجود العائلة فيها حياً رغم كل ما حدث. كل جولة يقوم بها بين أشجار العنب تعيده في النهاية إلى المكان الذي كان فيه منزله. إلى الركام. وإلى الكنبة التي أصبحت شاهدة على حياة كانت هنا.

حياة معلقة بين الركام والعراء

بعد هدم المنازل العشرة، فقد نحو 50 شخصًا أماكن سكنهم، وفقدت العائلة في الوقت نفسه ورشة العمل التي كانت توفر دخلًا لعدد من أفرادها. لم تعد العائلة تعيش تحت سقف واحد كما كانت من قبل. تفرقت بين الخيام وأماكن مؤقتة، فيما بقيت حاجيات كثيرة تحت الركام.

وفي كل مرة يعود فيها محمد إلى المكان، يرى آثار الحياة التي كانت هنا. بقايا جدار، قطعة أثاث، حجارة كانت جزءًا من غرفة، أو أغراض نجت من الجرافات. كل شيء يذكره بأن المكان كان يومًا بيتًا.

واليوم، بينما تتواصل عمليات التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي في المنطقة، تخشى العائلة ألا تتوقف الخسارة عند المنازل، وأن تمتد إلى الأرض التي بقيت لهم.

لهذا يواصل محمد العمل. يتفقد أشجار العنب، ويعتني بأرضه، ثم يعود إلى الكنبة فوق الركام. يجلس هناك لبعض الوقت.

في المكان الذي كان بيته، لا يزال محمد يجد شيئًا من البيت. ليس سقفًا يحميه، ولا جدرانًا تحيط به، بل ذاكرة لا تستطيع الجرافات هدمها.  يقول وهو ينظر إلى الأرض من حوله: “أنا هون عشت عمري كله. وين بدنا نروح؟ هاي أرضنا، وهاي حياتنا”.

وبينما غابت عشرة منازل تحت الركام، ودُمّرت ورشة كانت مصدر رزق لأفراد العائلة، بقي محمد واقفًا بين أشجار العنب وذكريات البيت، متمسكًا بالأرض التي يقول إنها آخر ما يمكن أن يخسره.

وبين الركام، حيث قُطعت أشجار وأُتلفت أخرى، بدأت حياة جديدة تشق طريقها من جديد؛ أشجار تنبت من تحت الحجارة، ومحمد يواصل الوقوف في المكان نفسه، كأن كليهما يقول إن الهدم قد يزيل البيت ويقطع الأشجار، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يقتلع الجذور.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني