loading

في إذنا.. حين يصبح البيت مصدرًا للخوف.. وجعٌ وترقّب تحت ضربات الجرافات

إيناس إخلاوي

في إذنا، غربي الخليل، لا يبدأ الخوف دائمًا بصوت الجرافة.

أحيانًا يبدأ بورقة تُسلَّم إلى باب المنزل، أو باتصال من جار يقول إن الجرافات وصلت إلى الحي، أو بنظرة من نافذة تطل على بيت كان قائمًا بالأمس وأصبح اليوم ركامًا.

هنا، يمكن أن يتحول البيت من مكان تُبنى فيه الحياة إلى مكان يُنتظر فيه مصيرها. عائلة تبني سنوات لتصل إلى سقف يجمعها، وأخرى تراقب جدران بيتها القائم وهي تعرف أن بقاءه لم يعد أمرًا مضمونًا.

في منطقة “الرأس” ببلدة إذنا، تتقاطع حكايتان لامرأتين مع البيت نفسه: وئام البطران التي وصلت الجرافة إلى منزلها قبل أن تسكنه، ومريم ” اسم مستعار”  التي ما زالت تعيش في منزلها، لكن الخوف سبَق الجرافة إليه.

لم تحتج الجرافة أكثر من خمس دقائق

خمس دقائق فقط كانت كافية لتسوية المنزل الذي أمضت وئام البطران سنوات وهي تستعد لحياتها داخله. منزل باعت من أجله نحو 130 غرامًا من ذهبها، وبلغت كلفته نحو 350 ألف شيكل، وكانت تراه خطوة نحو الاستقرار.

في الثامن من تموز 2026، وصلت الجرافات إلى منزل وئام في منطقة “الرأس” ببلدة إذنا، غربي الخليل. لم تكن قد سكنت فيه بعد.

تقول:

“مع كل صبة باطون كنا نحكي أنجزنا مرحلة، الحمد لله”.

كانت تلك المراحل بالنسبة إلى وئام أكثر من بناء جدران. كانت غرفًا ستجمعها بزوجها وطفلتيهما، ومساحة للخصوصية، وبداية لحياة طال انتظارها. لكن الجرافة وصلت قبل أن تبدأ تلك الحياة.

بيتٌ لم يسكنوه

بلغت تكلفة المنزل نحو 350 ألف شيكل، ولا تزال الأسرة مثقلة بديون تقدر بنحو 70 ألف شيكل. باعت وئام  ذهبها لمساندة زوجها في البناء، وكانت تتابع المنزل مرحلة بعد أخرى، وهي ترى فيه شيئًا يشبه الوعد بحياة أكثر استقرارًا.

لكن ذلك الوعد انتهى في دقائق.

يقول محمد هاشم البطران، والد زوج وئام، إن العائلة لم تتوقع أن يطال الهدم منزلها في ذلك اليوم، خاصة وأنها تابعت الملف القانوني واستكملت الوثائق المطلوبة، وأنفقت نحو 30 ألف شيكل لتجديد الأوراق الخاصة بمنزلي أبنيه.

ويضيف أن الحاكم العسكري كان قد أصدر، قبل نحو شهرين، كتابًا خطيًا يفيد بأن المنزلين يقعان خارج النطاق العسكري، وهو ما منح العائلة شعورًا بالطمأنينة. ثم جاء اتصال من الجيران: الجرافات وصلت.

هرع محمد إلى المكان، وحاول التحدث مع مسؤول التخطيط في “الإدارة المدنية”، مبرزًا الأوراق التي يقول إن الجهات المختصة قبلتها سابقًا.

ويذكر أن أحد الجنود أقر أمامه بأن الأوراق “سليمة ولا يوجد أي إجراء ضدهم”، قبل أن يفاجئه الضابط بقوله:

“هذا الموجود”. بدأت الجرافة. وخلال دقائق، تحول المنزل إلى ركام.

لم تتمكن وئام من حبس دموعها؛ كلما حاولت الحديث عن بيتها غلبها البكاء، فتولى حماها سرد التفاصيل.

فتقول: “كان لدينا أمل أن نسكن فيه ونستريح بعد تعب طويل، لكن الصدمة أننا عدنا إلى نقطة الصفر في لمح البصر”.

بعد الهدم، استخدمت العائلة ما تبقى من مدخراتها ورأس مالها لتأسيس بيت آخر. لكن البيت الأول بقي حاضرًا في كلامهم. كانت طفلتهم تردد في البداية: “بيتنا انهدم”.

ثم أصبحت تقول: “بدنا نروح على دارنا الجديدة”.

بالنسبة إلى محمد، لم يكن المنزل مجرد إسمنت وحجارة.

كان يعني للعائلة “الاطمئنان والراحة النفسية والاستقرار”.

ثم يقول: “جرح المحتل صعب جدًا يندمل”.

حين يبدأ الخوف قبل الجرافة

في إذنا، لا تبدأ قصة البيت لحظة سقوطه فقط. أحيانًا تبدأ قبل ذلك بكثير؛ عند وصول ورقة صغيرة تستطيع أن تغيّر طريقة عائلة كاملة في النظر إلى المكان الذي تعيش فيه.

إذا كانت وئام قد عرفت لحظة سقوط منزلها، فإن مريم تعيش الخوف قبلها. ففي الأول من تموز 2026، تسلمت مريم إخطارًا بوقف البناء في منزلها. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد البيت الذي عاشت فيه أسرتها أربع سنوات المكان نفسه.

أنفقت الأسرة نحو مليون شيكل على تشييده وتأثيثه، ولا تزال تحمل ديونًا متبقية تقدر بنحو 70 ألف شيكل، وفق مريم. وفي هذا البيت كبر أطفالها الأربعة: طفلة في السابعة، وطفل في الخامسة، وآخر في الثالثة، ورضيعة لم تتجاوز الشهرين.

لكن مريم، حين تتحدث عن البيت، لا تبدأ بكلفته.

تبدأ بساحته. تقول: “الدار منفسّي الكامل”. كانت الساحة بالنسبة إليها مساحة للحياة؛ مكانًا للأطفال، وللجلوس، ولتفاصيل يومية تبدو عادية. بعد الإخطار، لم تعد التفاصيل عادية. كرسي خشبي في الخارج، حبل غسيل، أو أي إضافة جديدة، يمكن أن تتحول إلى سبب آخر للقلق.

فتقول: “إحنا عايشين بحالة من التفكير، مش فاهمين على شو ممكن يحاسبونا ولا شو”.

الخوف يصل إلى الأطفال

الخوف لم يبقَ عند مريم. بدأ يصل إلى أطفالها أيضًا.

تسألها ابنتها: “بدها تنهد دارنا؟” “معقول يهدموا دارنا؟ معقول أخسر غرفتي؟ معقول ما نرجع عليها؟ وين بدنا نروح؟ وين بدي ألعب؟” كانت مريم تجيبها: “إن شاء الله لأ”.

تحاول العائلة ألا تتحدث عن الإخطار أمام الأطفال، لكن مريم تقول إن زوجها أصبح يقضي وقتًا أطول في المنزل بعد عودته من العمل، رغبةً في الاستمتاع به ما دام لا يعرف إلى متى سيبقى قائمًا.

أما هي، فتقول: “أنا بطلت أحب أطلع منها نهائيًا”.

أنت جايك الدور”

لم تكن مريم بحاجة إلى تخيل شكل النهاية. بعد إخطارها، هُدم منزل أحد جيرانها. من نافذة منزلها، بقيت ترى البيت المهدم؛ مشهدًا قريبًا بما يكفي ليجعل الاحتمال حاضرًا في كل يوم، وليبعث رسالة تذكيرية: “أنت جايك الدور”.

منذ ذلك الحين، ارتبطت التاسعة صباحًا في ذاكرتها بما تسميه “ساعة جهنمية”؛ فهي الساعة التي تسلمت فيها إخطارها الأول. لم يعد الوقت يمر بالطريقة نفسها. حتى خروجها من البيت صار محكومًا بسؤال: ماذا لو حدث شيء في غيابها؟

وفي محيط المنزل، تقول مريم إن حرق النحاس والخردة يتسبب بدخان يصل إلى البيوت، ويدفع العائلات إلى إغلاق النوافذ وعدم الجلوس في الساحات. ومع وجود رضيعتها، أصبح الدخان مصدر قلق إضافيًا.

ويربط بعض سكان المنطقة بين حرق النحاس والإجراءات المتخذة بحق المنازل، لكن لا تتوفر بيانات منشورة تثبت علاقة مباشرة بين الأمرين.

هكذا أصبح الخوف يتسلل إلى تفاصيل صغيرة من الحياة: إلى النوافذ، والساحة، ووقت الخروج، وأسئلة الأطفال، وحتى إلى الأشياء التي يمكن إضافتها إلى البيت.

وإلى المستقبل أيضًا.

هذه المرة.. أصبح للخوف موعد

ثم جاء الثلاثاء، الأول من أيلول 2026. حضرت طواقم من الإدارة المدنية الإسرائيلية برفقة قوات من الجيش الإسرائيلي إلى منزل مريم، وسلّمت العائلة إخطارًا يقضي بهدمه خلال أسبوع من تاريخ تسليمه، وفق ما أفادت به العائلة.

هذه المرة، لم يعد التهديد احتمالًا مفتوحًا.أصبح له موعد.

البيت الذي كان بالنسبة إلى مريم “منفسها الكامل”، صار يعيش على عدٍّ تنازلي. أربعة أطفال ما زالوا ينامون في غرفهم. رضيعة عمرها شهران ما زالت في بيتها. والأم التي كانت تسأل فقط كيف تحمي عائلتها وتربي أطفالها، بات عليها أن تفكر في سؤال آخر:إلى أين يذهبون إذا سقط البيت؟

ما يبقى بعد سقوط الجدران

ما يحدث في إذنا ليس حادثة منفردة. فمنذ السابع من أكتوبر 2023، تصاعدت في الضفة الغربية عمليات الهدم، إلى جانب القيود المفروضة على الحركة والتنقل، بالتزامن مع تسارع التوسع الاستيطاني. وتحذر الأمم المتحدة من أن هذه العوامل تسهم في تفاقم مخاطر النزوح وفقدان السكن ومصادر العيش.

وفي المناطق المصنفة “ج”، تواصل السلطات الإسرائيلية هدم منشآت فلسطينية بذريعة البناء من دون ترخيص، في وقت تؤكد فيه تقارير أممية أن حصول الفلسطينيين على هذه التراخيص يكاد يكون مستحيلًا.

وفي المنطقة الغربية من إذنا، وثقت الأمم المتحدة في أيلول 2024 هدم منزل مأهول وآخر قيد الإنشاء، إلى جانب خزانات مياه ومنشآت أخرى، بحجة غياب التراخيص. وفي نيسان 2025، أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” بأن الجرافات هدمت خمسة منازل في منطقة “الرأس”، بينها أربعة منازل مأهولة.

لكن الأرقام لا تقول كل شيء. لا تقول شيئًا عن امرأة باعت ذهبها لتبني بيتًا لم تسكنه. ولا عن طفلة تسأل إن كانت ستخسر غرفتها. ولا عن أم تحاول أن تطمئن أطفالها بينما لا تعرف إن كانت ستظل قادرة على إعادتهم إلى البيت في اليوم التالي. ولا عن عائلة تنظر إلى جدار قائم، وتراه في الوقت نفسه مهددًا بالسقوط.

في دراسة نشرت عام 2024 في مجلة Frontiers in Psychiatry، قارنت بين 93 شخصًا من عائلات هُدمت منازلها و346 شخصًا من المجموعة المقارنة، وجدت مستويات أعلى من اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق والضغط النفسي لدى المجموعة التي تعرضت لهدم منازلها.

ولا تعني هذه النتائج أن كل من يفقد منزله سيصاب باضطراب نفسي، كما لا تشكل تشخيصًا لحالة وئام، لكنها توضح جانبًا من الكلفة التي لا تظهر في صور الركام.

فالهدم لا ينتهي عندما تسقط الجدران.

بالنسبة إلى وئام، سقط المنزل قبل أن تبدأ الحياة التي بنته من أجلها. وبالنسبة إلى مريم، ما زالت الجدران قائمة، لكن الخوف دخل البيت قبل الجرافة. وفي إذنا، قد تحتاج الجرافة إلى دقائق لهدم المنزل، لكن أثرها لا ينتهي عند الركام. وئام تعرف ماذا يعني أن تسقط الجدران. ومريم تعرف الآن متى يمكن أن تسقط.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني