هيئة التحرير
وثّق مركز “صدى سوشال” خلال شهر آب المنصرم استمرار الملاحقة الرقمية المحمومة والممنهجة بحق المحتوى والرواية الفلسطينية، حيث رُصِد 718 انتهاكًا رقميًا تم توثيقها، وتأتي هذه الانتهاكات في سياق محاولات مستمرة لعزل الصوت الفلسطيني وتشويه الفاعلين في المشهد الميداني والإعلامي.
وتوزعت المعطيات المرصودة لهذا الشهر وفقًا لطبيعة السلوك والجهة المُنتهِكة إلى مسارين رئيسيين:
* الانتهاكات البينية (بين المستخدمين): شكّلت الأغلبية الساحقة بواقع 705 انتهاكات، ويعكس هذا الارتفاع القياسي استمرار “الجيوش الإلكترونية” والتحريض الممنهج في شنّ حملات تشويه، انتحال شخصيات، إسقاط رقمي، وبثّ السمّية الرقمية بهدف ضرب موثوقية النشطاء والصحفيين الفلسطينيين ودفعهم نحو الرقابة الذاتية.
* الانتهاكات التقنية والإدارية: الصادرة مباشرة عن إدارات المنصات التكنولوجية بواقع 13 انتهاكاً تقنياً، تمثلت في الحجب، تقييد الوصول، وحظر الحسابات.
توزيع الانتهاكات التقنية (إدارات المنصات)
واصلت كبرى الشركات التكنولوجية ممارسة الرقابة المنحازة، وتصدرت منصات شركة “ميتا” المشهد القمعي للرواية الفلسطينية، حيث توزعت الانتهاكات التقنية الـ 13 الموثقة على النحو التالي:
منصة إنستغرام: تصدرت المنصات بواقع 6 انتهاكات تقنية.
منصة فيسبوك: رصد الفريق فيها 3 انتهاكات.
تطبيق واتساب: سُجّل ضده 3 انتهاكات إدارية مباشرة.
منصة إكس (تويتر سابقاً): رصد الفريق فيها انتهاكًا واحدًا.
ملاحقة موازية: خلل “واتساب” العام وتعميق الإرباك الرقمي
من جانب آخر، رصد فريق “صدى سوشال” سياقًا خطيرًا وموازياً للملاحقة التقنية الموجهة، تمثّل في وقوع خلل عام في منصة “واتساب” خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر آب. أدى إلى إغلاق وحظر وتقييد عشرات الحسابات الفلسطينية بشكل مؤقت، متجاوزًا مساحات النشر العلني ليطال مساحات التواصل والمراسلة الفردية الحيوية.
وقد أسهم هذا السلوك التقني للمنصة في خلق حالة من الإرباك والقلق الشديدين لدى الصحفيين والنشطاء الفلسطينيين، نظراً لاعتمادهم الأساسي على التطبيق في نقل الأحداث الميدانية والتواصل الإعلامي.
ونتيجة لغياب الأمان الرقمي، اضطر العديد من المستخدمين والصحفيين إلى اتخاذ تدابير استثنائية لتجاوز هذا التقييد واستئناف عملهم، كان أبرزها تغيير مقدمة الهاتف المستخدمة في حساباتهم على “واتساب” من المقدمة المحلية (00970) إلى مقدمة الهاتف الإسرائيلي (00972)، في محاولة للهروب من الفلترة التقنية التي تبدو وكأنها تستهدف جغرافية الاتصال الفلسطينية.
استمرار سيطرة التطاول اللفظي وخطاب الكراهية
كشف تحليل بنية الانتهاكات البينية لشهر آب البالغ إجماليها 705 انتهاكات، عن تصدر “خطاب الكراهية وتشويه السمعة” بواقع 322 حالة (45.67%) و”التطاول اللفظي” بواقع 317 حالة (44.96%) لقائمة السلوكيات الأكثر انتشارًا.
واستحوذت هاتان الساكتان مجتمعتان على 90.64% من إجمالي الانتهاكات، إلى جانب رصد حالات أخرى شملت التحريض، والتهديد، واتهامات الإرهاب، والمحتوى الجنسي المسيء.
استهداف النساء والصحافة: محاولات لعزل الحقيقة وتصفية الصوت النسوي
أظهرت معطيات شهر آب تركيزًا مكثفًا للعدوان الرقمي ضد الحقيقة والكوادر الإعلامية، حيث وثّق مركز “صدى سوشال” 51 انتهاكًا رقميًا طالت الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، في محاولة مستمرة لإسكات المنابر التي تنقل الواقع الفلسطيني.
وحافظ قطاع غزة على الصدارة المأساوية في حجم الاستهداف، مستحوذًا على 90% من إجمالي الانتهاكات ضد الصحافة (بواقع 46 انتهاكًا)، مما يعكس إصرارًا تقنيًا وبيروقراطيًا على استمرار محاولات العزل الرقمي وفرض الحجب الشامل على نقل حرب الإبادة والأحداث ميدانيًا من داخل القطاع.
في حين توزعت النسبة المتبقية البالغة 10% (بواقع 5 انتهاكات) بين ملاحقة الصحفيين في الضفة الغربية والقدس وفي الخارج.
ومن بين مجموع هذه الانتهاكات الإعلامية، رصد المركز استهدافًا مباشرًا لـ 6 مؤسسات إعلامية عبر التحريض المتكرر عليها.
وعلى صعيد البُعد الجندري والحماية الرقمية للنساء، وثّق التقرير استهدافًا خطيرًا وموجهًا ضد النساء عامة والصحفيات خاصة، حيث جرى رصد 85 انتهاكًا رقميًا طالت النساء (بنسبة 11.83% من إجمالي الانتهاكات الكلية للشهر).
وتنوعت هذه الانتهاكات ما بين حملات التشويه المنظمة، والتحريض، وانتحال الشخصية، ومحاولات الاختراق، مما يشير إلى بيئة رقمية عدائية وموجّهة تحاول ترهيب المرأة الفلسطينية وثنيها عن التعبير والدفاع عن قضيتها في الفضاء الرقمي.
استجابة حقوقية وضغط تقني: استعادة 9 حسابات من أصل 11 بلاغًا
على صعيد جهود الحماية والدفاع الرقمي، ضاعف مركز “صدى سوشال” جهوده التقنية والقانونية خلال شهر آب حيث تلقى المركز 11 بلاغًا وشكوى من مستخدمين وصحفيين تعرضت حساباتهم لتقييدات وحظر تعسفي، ونجح الفريق في استعادة 9 حسابات رقمية فلسطينية بشكل كامل.
وجاء هذا الإنجاز الدفاعي نتيجة لمسارات التواصل الحقوقي والضغط المباشر والسريع الذي مارسه المركز على إدارات الشركات التكنولوجية، للطعن في خوارزميات الحظر الآلية والقرارات الجائرة، وإثبات امتثال هذه الحسابات لمعايير التغطية الصحفية وحرية التعبير.
وتوزعت الحسابات التسعة (9) التي تم إنقاذها وإعادتها للفضاء الرقمي على النحو التالي:
منصة إنستغرام: نجح المركز في استعادة 5 حسابات.
تطبيق واتساب: تمكّن الفريق من استرداد 3 حسابات وفك الحظر عنها.
منصة فيسبوك: نجح المركز في استعادة حساب واحد
وقد حالت هذه الاستجابة القانونية والتقنية السريعة دون محو هذه الحسابات وتغييب أصوات أصحابها، مؤكدةً على أهمية الضغط المؤسسي في مواجهة سياسات الرقابة والانحياز الرقمي.
توصيات مركز “صدى سوشال”
أولًا: تفكيك خوارزميات الحظر وحماية جغرافية الاتصال:
مطالبة الشركات التكنولوجية (وعلى رأسها شركة ميتا وإكس) بالوقف الفوري للانحياز المعياري والاستجابة الآلية العمياء للبلاغات الجماعية المنظمة، كما يشدد المركز على ضرورة تقديم إيضاحات تقنية شفافة حول الخلل العام والمتكرر الذي أصاب تطبيق واتساب واستهدف جغرافية الاتصال الفلسطينية، ومطالبة إدارة التطبيق بضمان سلامة مساحات المراسلة الفردية وعدم إقحامها في الفلترة السياسية، لحماية أمن المستخدمين والصحفيين وتجنيبهم الإرباك الرقمي.
ثانيًا: تعزيز خطوط الدفاع الرقمي للمرأة والكوادر النسوية:
الدعوة إلى تفعيل بروتوكولات حماية تقنية متقدمة واستجابة سريعة وموجهة لحماية النساء والصحفيات الفلسطينيات، اللواتي يواجهن تصاعدًا خطيرًا في حملات التشويه، التحريض، وبثّ السمّية الرقمية القائمة على النوع الاجتماعي. ويوصي المركز جميع الجهات المعنية ببناء شراكات أوسع مع المؤسسات الحقوقية النسوية لرصد وتتبع هذه الانتهاكات وتوفير الدعم النفسي والرقمي العاجل للضحايا.
ثالثاً: التحصين الاستباقي ومواجهة حملات انتحال الشخصية والتزوير:
حثّ الأجسام الصحفية والنشطاء على رفع مستويات الأمن الرقمي وتفعيل ميزات التحقق الثنائي لحساباتهم؛ لمواجهة الطفرة القياسية في “الانتهاكات البينية” المتمثلة في انتحال الشخصيات وتزوير الحسابات الممنهجة، ويوصي المركز بإطلاق المزيد من الأدوات الإرشادية الموسعة لتوعية الجمهور بكيفية كشف الحسابات المزيفة، وآليات التبليغ عنها بأسلوب تقني سليم لمنع استخدامها كأداة لتضليل الرأي العام أو إسقاط النشطاء رقميًا.
رابعًا: توثيق أدلة الانتهاكات البينية وبناء ملفات قانونية:
توصية الضحايا من مستخدمين وصحفيين بضرورة التوثيق الفوري (عبر لقطات الشاشة والروابط الحية) لرسائل التهديد، والتطاول اللفظي، وخطاب الكراهية الموجه ضدهم قبل حذفها أو اختفاء الحسابات المهاجمة؛ لأن هذا التوثيق يُعد ركيزة أساسية لتمكين المراكز الحقوقية من بناء ملفات طعن قانونية قوية وتقديمها لإدارات المنصات لملاحقة الأشخاص أو الجهات التي ترتكب الانتهاكات.
خامسًا: استراتيجية الحسابات البديلة وتأمين قنوات البث:
دعوة المؤسسات الإعلامية والصحفيين -خاصة في قطاع غزة- إلى تبني استراتيجية “المرونة الرقمية” من خلال إنشاء حسابات احتياطية وبديلة موثقة مسبقًا وتفعيلها دوريًا، لضمان استمرارية تدفق الرواية الفلسطينية ومواصلة التغطية الميدانية دون انقطاع في حال تعرض الحسابات الأساسية للحظر أو الحجب الآلي المفاجئ.




