هيئة التحرير
يواصل الاحتلال سياسة العقاب الجماعي والتنكيل والتعذيب والحرمان من العلاج بحق الأسرى في سجون الاحتلال، إضافة إلى منع الزيارات للأسرى واستمرار حرمانهم من أبسط أساسيات الحياة.
نادي الأسير بيّن أن ما تكشفه الزيارات الأخيرة لا يشير إلى انتهاكات منفصلة أو تجاوزات فردية، إنما إلى بنية اعتقالية متكاملة تتحول فيها أدوات القمع والإذلال والتجويع والعزل والحرمان من العلاج إلى وسائل ثابتة للسيطرة والإخضاع، والتدمير.
وأكد أن جوهر السياسة يبقى ثابتًا بتعميق شروط الاعتقال القاسية، وتجريد الأسرى من حقوقهم الأساسية، وتحويل السجن إلى مساحة مغلقة لممارسة العنف المنهجي بعيدًا عن الرقابة الدولية الفاعلة.
النادي أوضح في بيان له، أنه ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تتحول قضية الأسرى إلى ساحة للمزايدة السياسية بين الأحزاب والشخصيات الإسرائيلية، بحيث يجري توظيف أجساد الأسرى ومعاناتهم كأداة لإثبات التنافس على مزيد من التطرف والقمع.
وفي هذا السياق، لا يعود السجن مجرد مكان لتنفيذ الاعتقال، بل يتحول إلى مسرح للاستعراض السياسي، تُستخدم فيه معاناة الفلسطينيين لإنتاج صورة سياسية داخلية عن القوة والبطش والقدرة على التنكيل.
زيارة “بن غفير” وعائلته للأسيرات: السجن كساحة للاستعراض السياسي
وأوضح أن زيارة الوزير الإسرائيلي المتطرف “إيتمار بن غفير” إلى قسم الأسيرات دلالة تتجاوز واقعة الاقتحام ذاتها، باعتبارها مثالًا صارخًا على تحويل السجن والأسيرات إلى مادة للاستعراض السياسي والدعاية، وعلى توظيف العنف الواقع عليهن في خدمة خطاب سياسي يقوم على التحريض والتطرف.
وأشار إلى أن “بن غفير” اقتحم برفقة أفراد من عائلته، قسم الأسيرات، ودخل غرفتين، وقام بتوثيق الاقتحام بنفسه ونشر مقطعًا مصورًا ظهر خلاله وهو يوجه التهديدات للأسيرات.
وأكد أن هذه الواقعة تدل عن مستوى غير مسبوق من التعامل مع السجن باعتباره فضاءً مفتوحًا للاستعراض السياسي، وعن تداخل مباشر بين السلطة السياسية وأدوات القمع داخل المعتقلات. فوجود وزير إسرائيلي برفقة عائلته داخل قسم الأسيرات، وتوثيقه المشهد ونشره، يحوّل الأسيرات من صاحبات حقوق محتجزات تحت سلطة الاحتلال إلى أدوات في مشهد دعائي وسياسي، ويجعل من الإذلال نفسه فعلًا استعراضيًا مقصودًا.
وأفاد بأن هذه الزيارة جاءت في سياق كانت فيه الأسيرات أصلًا يتعرضن لعمليات اقتحام وقمع متكررة، بما يجعلها جزءًا من مناخ عام تُستخدم فيه التهديدات والعقوبات والعزل والاقتحامات لترسيخ الشعور بانعدام الأمان وتجريد الأسيرات من أي إحساس بالخصوصية أو الحماية.
ووفقًا لإفادات الأسيرات، أعقبت هذه الزيارة مرحلة من التصعيد الخطير في عمليات التنكيل والقمع، حيث بقيت الأسيرات لمدة ثلاثة أيام من دون مقتنياتهن الشخصية، ومن دون السماح لهن بالاستحمام أو الخروج إلى “الفورة”.
وتقول إحدى الأسيرات: “خلال عمليات القمع الأخيرة يتم تقييدنا إلى الخلف وتعصيب أعيننا، ثم إخراجنا بعنف ونحن محنيات الرؤوس، وإجبارنا على الاستلقاء على الأرض. ويرافق ذلك الصراخ والشتائم والكلام البذيء. نعيش في حالة من القلق الدائم والتأهب، خوفًا من أي اقتحام مفاجئ للغرف. وفي كل عملية قمع تتكرر أشكال التنكيل ذاتها، إلى جانب استهداف الأسيرات بالعزل المتكرر واحتجازهن في ظروف قاسية ومهينة للغاية، فضلًا عن تعمّد تصوير عمليات القمع”.
وتؤكد هذه الإفادة أن التصوير ليس تفصيلًا هامشيًا في عمليات القمع، وإنما يمثل في حد ذاته أداة إضافية للإذلال والسيطرة، عبر تحويل لحظة العنف التي تتعرض لها الأسيرات إلى مادة قابلة للتوثيق والاستخدام خارج السجن، في انتهاك إضافي لكرامتهن الإنسانية.
الأسيرات في “الدامون”: القمع والعزل والإذلال كسياسة متواصلة
النادي أكد أن قضية الأسيرات لم تشهد واقعًا بهذه الدرجة من القسوة والتنكيل كما هو حاصل اليوم. فمنذ بداية العام الجاري، تعرضت الأسيرات لعشرات عمليات القمع والاقتحام، رافقها استخدام أشكال متعددة من الاعتداء والإذلال والعزل والعقوبات الجماعية.
وأوضحت أنه وخلال عمليات القمع، تُقيّد الأسيرات إلى الخلف، وتُعصَب أعينهن، ثم يُسحبن بعنف إلى ساحات السجن، فيما تُصادر مقتنياتهن الشخصية، بما فيها الأدوات الأساسية التي يعتمدن عليها في حياتهن اليومية داخل المعتقل. كما صعّدت قوات القمع من استخدام الغاز المسيل للدموع، بالتزامن مع فرض العزل بحق عدد من الأسيرات.
انتشار الجرب في السجون أداة مركزية لتعذيب الأسرى
ولفت النادي إلى أنه وخلال هذه الزيارات برز انتشار مرض الجرب (السكابيوس) بوصفه إحدى أخطر القضايا الصحية الراهنة، ليس فقط بسبب اتساع نطاق الإصابة، وإنما لما يكشفه من طبيعة الظروف التي يُحتجز فيها الأسرى.
فانتشار المرض في هذه الظروف لا يمكن فصله عن أساليب التعذيب الجسدية والنفسية، فالحرمان من النظافة، ونقص أدواتها، والاكتظاظ، وسوء التهوية، ورداءة البيئة الاعتقالية، إلى جانب التأخر في تقديم العلاج والرعاية الطبية اللازمة، جعلت من المرض واقعًا قائمًا، لا يمكن السيطرة عليه إلا بإنهاء العوامل المسببة له.
وبذلك، فإن المرض داخل السجن تحول إلى أداة للتعذيب؛ إذ يُترك الأسير لمواجهة أعراضه وآلامه لفترات طويلة، فيما تستمر الظروف التي تسمح بانتقال العدوى وانتشارها. وعليه، فإن المسؤولية لا تتصل فقط بعدم تقديم العلاج، بل كذلك باستمرار البيئة الاعتقالية التي تهيئ لانتشار المرض وتفاقمه.
وفي سجن “عوفر” على وجه الخصوص، تركزت إفادات الأسرى حول الانتشار الواسع للجرب بين صفوف المعتقلين، وما يرافق ذلك من حرمان من العلاج والرعاية الطبية اللازمة. وأفاد أسرى بأن الإجراءات التي تتخذها إدارة السجن أحيانًا، وتقدمها باعتبارها استجابة للمطالب الصحية، تبقى محدودة وشكلية، ولا تمس أسباب انتشار المرض ولا توفر علاجًا فعليًا للمصابين.
وأفاد أحد الأسرى الذين جرت زيارتهم مؤخرًا وفق النادي، بأنه يعاني من الجرب منذ نحو أربعة أشهر، وقد انتشرت الدمامل والالتهابات في أنحاء جسده، دون توفير العلاج المناسب له. كما أشار إلى أن الغالبية العظمى من الأسرى تعاني من الجرب أو من أعراض وأمراض جلدية مرتبطة بالظروف الصحية والبيئية الكارثية داخل السجن.
ويترافق ذلك مع استمرار عمليات القمع والاعتداء، بما يشمل استخدام الكلاب البوليسية، وقنابل الصوت والغاز، وإطلاق الرصاص المطاطي، والاعتداء بالضرب المبرح، بما يجعل المرض جزءاً من واقع اعتقالي أوسع يجمع بين الإيذاء الجسدي والحرمان من العلاج.
وتشير الإفادات إلى أن سجن “عوفر” شهد منذ مطلع العام الجاري واحدة من أكثر حملات القمع والتنكيل كثافة بحق الأسرى، ضمن سياسة متواصلة تقوم على الاقتحامات والاعتداءات الجماعية والعقوبات، وتضاف إلى منظومة الانتهاكات اليومية التي يتعرضون لها.
الضرب والتجويع والقمع: منظومة واحدة لتدمير الأسرى نفسياً وجسدياً
أما على صعيد الزيارات التي جرت إلى سجن “النقب”، فقد عكست الإفادات بحسب النادي، استمرار الظروف الاعتقالية ذاتها، حيث شدد عدد من الأسرى على استمرار استخدام الهراوات في الاعتداء عليهم، إلى جانب إطلاق الرصاص المطاطي، فضلًا عن التجويع الممنهج الذي أنهك الأسرى وأضعفهم جسديًا ونفسيًا. وهذا الواقع لم يقتصر على سجن واحد، بل عكسته أيضًا غالبية الزيارات التي جرت إلى سجون “جانوت” و”جلبوع” و”الرملة”و”مجدو”، حيث تستمر منظومة السجون في استخدام التجويع والاعتداءات الجسدية والإذلال والحرمان باعتبارها أدوات ثابتة في إدارة حياة الأسرى والسيطرة على تفاصيل وجودهم داخل المعتقلات.
وفي سجن “جانوت” على سبيل المثال، تواجه المؤسسات مماطلة مستمرة في تحديد مواعيد الزيارات، فيما ترافق عملية الزيارة في عدد من السجون إجراءات تنكيلية إضافية، من بينها إجبار الأسير على الانتقال إلى غرفة الزيارة وهو مقيّد. وفي بعض الحالات، يُجبر الأسرى على البقاء مقيّدين حتى أثناء الزيارة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على قدرتهم على إيصال شهاداتهم، ويحد من إمكانية متابعة قضاياهم وتوثيق ما يتعرضون له من انتهاكات.
الأطفال الأسرى ضمن منظومة الإبادة في السجون
وشدد النادي على الجرائم المرتكبة بحقّ الأطفال الأسرى لا تقل خطورةً عمّا يتعرّض له الأسرى البالغون، إذ يواصل الاحتلال إخضاع الأطفال لظروف اعتقالية قاسية، في إطار منظومة تتعمّد استخدام القمع والتنكيل والحرمان من الرعاية الصحية كأدوات للعقاب والإيذاء والتدمير النفسي والجسدي. ولا تقف هذه المنظومة عند انتهاك حقوق الطفل داخل السجن، بل تمتد إلى استهداف جسده وصحته، في ظل حرمانه من أبسط مقومات الحماية والرعاية التي يفترض أن تُكفل له بوصفه طفلًا.
وتجسّد قضية الطفل محمد حميد إحدى أكثر الصور فداحةً لهذه الجريمة؛ فالاحتلال لم يكتفِ بحرمانه من طفولته وحريته، بل سلبه حقه في العلاج، بعد إصابته بمرض الجرب في سجن “عوفر”، وترك حالته الصحية تتدهور بصورة خطيرة، وصولًا إلى مضاعفات طالت أعضاءً حيوية من جسده، وانتهت إلى بتر إحدى قدميه وخضوعه لسلسلة من العمليات الجراحية.
ولا يزال محمد في مستشفى “شعاري تصيدق” الإسرائيلي في وضع صحي خطير، في قضية تكشف بوضوح أن الحرمان من العلاج داخل منظومة السجون ليس إهمالًا عابرًا، وإنما ممارسة تفضي إلى إحداث أضرار جسدية قد لا يمكن تداركها، أو تتسبب بقتل الأسير.
ارتفاع مستمر في أعداد الأسرى الذين يعانون من أمراض مزمنة
وسجل النادي ارتفاعًا في أعداد الأسرى الذين يعانون من مشكلات صحية وأمراض مزمنة، ولا سيما الأسرى الذين يواصل الاحتلال اعتقالهم منذ سنوات طويلة، وبعضهم منذ ما قبل الإبادة الجماعية، وما زالوا رهن الاعتقال حتى اليوم، وهنا نذكر قضية الأسير المسن موفق عروق من الداخل المحتل، والذي يعتبر أكبر الأسرى سنًا المحكومين أحكام عالية، حيث يواجه وضعًا صحيًا صعبًا منذ سنوات، وفي أعقاب الإبادة تعرض لما تعرض له الأسرى كافة، واليوم يعتبر من أخطر الحالات الصحية في السجون.
وتتعاظم المخاوف على مصير الأسرى كبار السن والمرضى، وكذلك الأسرى الذين يخضعون للعزل في سجني “مجدو” و”جانوت”.
قضية زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر
وفي ظل تصاعد الحديث عن إمكانية استئناف زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين، يؤكد النادي أنه حتى هذه اللحظة لا يوجد أي تطور فعلي أو جدي يمكن البناء عليه في هذا الملف. وما يتم تداوله في وسائل الإعلام الإسرائيلية حول هذا الموضوع لا يعكس، حتى الآن، واقعًا ملموسًا على الأرض، في ظل استمرار حرمان الأسرى الفلسطينيين من الزيارات المنتظمة للجنة الدولية للصليب الأحمر.
ورغم المحاولات والجهود المستمرة التي تبذلها مؤسسات الأسرى للضغط على مختلف الأطراف والجهات ذات العلاقة على المستوى الدولي، من أجل الدفع نحو استئناف زيارات عاجلة وفاعلة للأسرى، فإن استمرار غياب آلية دولية مستقلة وقادرة على الوصول المنتظم إلى المعتقلات يفاقم من حالة العزل التي يعيشها الأسرى، ويمنح منظومة السجون مساحة إضافية لمواصلة جرائمها بعيدًا عن الرقابة الدولية الفاعلة.
كما أن استمرار حرمان الأسرى من الوصول المنتظم إلى العالم الخارجي، وعرقلة الزيارات القانونية والحقوقية، إلى جانب غياب الرقابة الدولية المباشرة، يشكل أحد العوامل الأساسية التي تسمح باستمرار التعذيب والتنكيل والتجويع والإهمال الطبي داخل السجون.
وأوضح النادي أن ما تكشفه الزيارات والشهادات الواردة من داخل السجون يؤكد، أن الأسرى الفلسطينيين يواجهون منظومة اعتقال قائمة على التعذيب والتجويع والإذلال والحرمان من العلاج والعزل والقمع المتواصل، وأن الجرائم المرتكبة بحقهم لم تعد أحداثًا استثنائية أو ممارسات مرتبطة بظروف مؤقتة، بل أصبحت جزءًا من سياسة ثابتة وممنهجة تستهدف الإنسان الفلسطيني داخل السجون، وتعمل بصورة متواصلة على إنهاكه جسديًا ونفسيًا ودفعه نحو الموت البطيء أو التدمير طويل الأمد، في سياق النهج الإبادي القائم.
ولفت إلى إن زيارة “بن غفير” وعائلته لقسم الأسيرات، وتوثيقها ونشرها، تختزل جانبًا من طبيعة هذه المنظومة: سلطة سياسية تدخل إلى السجن لا لوقف الانتهاكات، وإنما لتوظيف وجود الأسرى والأسيرات ومعاناتهم في الاستعراض والتحريض وتعزيز خطاب القوة والعنف. وهي واقعة تكشف إلى أي حد أصبح انتهاك كرامة الأسرى جزءًا من الممارسة السياسية ذاتها، لا مجرد نتيجة لها.
وأكد أن ما يجري بحق الأسرى هو امتداد مباشر لجريمة الإبادة، ومنظومة متكاملة من التعذيب والتجويع والحرمان من العلاج، والعزل والإذلال، فيما يكشف العجز والصمت الدولي عن أزمة عميقة في منظومة حقوق الإنسان الدولية التي أخفقت في توفير الحماية للضحايا، وتحول تقاعسها المتواصل إلى عامل يسمح باستمرار الجرائم والإفلات من المساءلة.




