رؤى أبو شهاب
ظلّ يعيش غياب شقيقه باعتباره غيابًا مؤقتًا، مثل سنوات السجن التي علّمته أن ينتظر، حتى وصله الخبر ولم يكن خبرًا مكتملًا.
بعد ستة عشر يومًا من وفاة شقيقه كان قد وصله الخبر، قيل له إن شقيقه الأكبر توفي، وهناك من قال أنه أستشهد، ومن قال له أن وفاته كانت طبيعية، وقيلت روايات أخرى.
فراغ يحمل الكثير من الاحتمالات المتناقضة، لم يملك أمامها سوى الإنتظار.
حيث كان يحاول أن يفهم أي حقيقة، خلف باب لا يستطيع مغادرته، أمام جثمان حُرم من وداعه، حتى اليقين بالموت جاءه ناقصًا.
يقول الأسير المحرر ( أ.ش) إنه قبل وصول الخبر إليه كان قد شعر بأن شيئًا ما حدث لأخيه، كان يحلم به، وأخبر رفاقه بالأسر بأنه يخشى من أن أمرًا سيئًا قد صاب أخاه، حتى دخل في حالة من الصدمة استمرت نحو عشرين يومًا، بعد أن جاءه الخبر
يصف ( أ.ش) العشرين يومًا أنها صدمة حقيقية، أمضاها مثقلًا، فاقدًا الرغبة والقدرة على القيام بأبسط مهامه اليومية، امتنع عن الطعام والشراب، وعن كل ما كان مسموحًا له داخل الزنزانة، وبقاءه ملازمًا لسريره، ويقول أن من أخرجه من تلك الحالة لم يكن الزمن وحده، بل رفاقه في الزنزانةالذين عاشوا الصدمة معه في تلك اللحظة لأن السجن كما يقول: (لا يمنح فرصة انهيار طويل، بدك تتقبل الخبر، مجبور تكون قوي، لأنه ما حدش رح عليك)
فاجعة موت آخرى، لكن كاذبة
وصل خبر لأحد اقرباء (أ.ش) الذي كان يقبع معه في السجن نفسه، بأن والده قد توفي.
جلس ورفاقه في الزنزانة في حالة عزاء حقيقية، لكن ما تبيّن لاحقًا أن الخبر لا أساس له من الصحة، بل كان هو نفسه أول من استقبله على باب السجن يوم تحريره.
ثلاثة أشهر على جمر الخوف والانتظار
مع ابنته البالغة من العمر ثلاثة عشر عامًا، عاش (أ.ش) فصلاً آخر من نفس المعاناة.
كان قد وصله خبر أنها أجرت عملية جراحية، دون أي تفصيل إضافي، لا نوع العملية، ولا سببها، ولا نتيجتها.
ظل يحمل هذا الخبر ناقصًا لثلاثة أشهر كاملة، يفكر فيها يوميًا، يسأل نفسه ما الذي حدث لابنته وهو عاجز تمامًا عن الفعل أو المعرفة
وبعد انتظار طويل ومحاولات متكررة للوصول إلى تفاصيل أوضح، وصله أخيرًا أن ابنته بخير، وأنها لم تُجرِ أي عملية جراحية من الأساس، الخبر الذي حمله لثلاثة أشهر كان، ببساطة، غير صحيح.
صحن من (كوشوك)، وكاسة خُيطت لتبقى
لم يكن هناك، طوال فترة الأسر، أي أداة أكل سوى صحن واحد من (الكوشوك ) لا يُستبدل قط حتى يتآكل ويهترأ بالاستخدام المتكرر.
أما الكاسة البلاستيكية ذات الإستخدام الواحد، فبقيت مع (أ.ش) لسنة ونصف كاملة، حتى تشققت، فقام بخياطتها بيده ليستمر في استخدامها، لأنه لا بديل عنها.
إلى جانب شح الأدوات، والطعام، أجرت له عملية خلع لضرسين اثنين دون أي تخدير، وهي إحدى العمليات التي يصفها بأنها كانت من أقسى ما مرّ به جسدياً.
لا مساحة حتى للعبادة
في الجانب الآخر من المعاناة، حيث الحرمان لا يتعلق بالأخبار فقط بل بأبسط أدوات الصبر
حفظ (أ.ش ) ثلاثة عشر جزءًا من القرآن الكريم خلال فترة اعتقاله، معتمدًا على المصحف بوصفه الشيء الوحيد المسموح به تقريبًا، لكن في المرحلة التي كان يحتاج فيها إلى تثبيت هذا الحفظ ومراجعته، جرى سحب القرآن منه، وهي معاناة، كما يوضح، ويؤكد لولا سحبه لخرج حافظًا لكتاب الله كاملاً.
حين تتحول مهنة الدفاع إلى تجارة بالأوجاع
يشير ( أ.ش) إلى تحوّل بعض المحامين، الذين كانوا الفرصة الوحيدة للتواصل مع الخارج، والأطمئنان عن عائلاتهم ، من أداء مهمتهم إلى استغلالها تجاريًا.
يروي أن محامٍ زاره بعد أن دفعت له زوجة (أ.ش ) مبلغ طائل، وحمل له سلامًا من أجداده، رغم أن (أ.ش ) لا يملك أي جد أو جدة أحياء، لا من جهة الأب ولا من جهة الأم، منذ سنوات طويلة.
لم تكن هذه مجرد معلومة خاطئة، بل مؤشر على أن الزيارة تحولت في نظره، إلى صفقة لا رسالة إنسانية، حيث أبلغه (أ.ش) أن يبلغ عائلته بأنه لا يريد زيارات خاصة من المحاميين مرة أخرى ليجيبه المحامي ( بدك تقطع رزقتي)، ويقول ( أ.ش) تعليقًا على ما حدث (بشوفني رزقة مش أسير بحاجة مساعدة، أو بحاجة يطمني على أهلي وزوجتي وأطفالي)
كل شيء يُقاس في من بقي
بعد التحرر، لا ينجو الأسير من ما عاشه، لا تنفصل أي من لحظاته عن ذاكرة من بقي خلف القضبان، حتى في أبسط اللحظات، جودة طعام جيدة، كوب ماء نظيف، تجده يربط ما يعيشه بمن لا يزال يعيش الحرمان نفسه.
هذا الرابط اللحظي بين الحاضر الحر والماضي المأسور، ليست ذكريات تُستحضر عمدًا، بل حالة نفسية ترافق كل تفاصيل حياة ما بعد التحرر
لم تتعرف ابنته عليه
لم يكن تحرر (أ.ش) نهاية لمعاناته، إذ تجلت سنوات غيابه في لحظة لقاءه الأولى بطفلته ذات الثلاثة أعوام.
اعتُقل (أ.ش) حين كانت ابنته رضيعة لم تتجاوز بضعة أشهر من عمرها، وخلال سنوات أسره كانت والدتها دومًا ما تُريها صوره، في محاولة لإبقاء صورته حاضرة في ذهنها إلى حين لقاءه، كانت تحاول إبقاء ملامحه حية في ذاكرتها، لكن عندما حان موعد اللقاء، كان الأسر قد أعاد رسم وجهه، فتغيرت ملامحه إلى حد جعل الصورة التي حفظتها الطفلة عنه مختلفة عن الرجل الذي يقف امامها، لم تتمكن الطفلة من التعرف إلى والدها الذي كان قد فقد 58 كيلوغرامًا من وزنه خلال فترة اعتقاله، ف خاطبته قائلة ( عمو ) بدلاً من بابا
ثمن الغفلة، حياة
في قلب هذه المعاناة اليومية، نشأت آلية للحماية، حيث كان الأسرى يتناوبون على السهر ليلاً، بينما ينام البقية، لأن الغفلة أو نوم أحدهم في لحظة الاقتحام المفاجئ ( القمعة) قد تُكلف أحدهم حياته.
وكانت هذه الساعات المتأخرة من الليل، كما يصفها (أ.ش) هي الأصعب، كونها وقت الانفراد بالذات، حيث لا مهرب من التفكير، كل ما حاول تأجيله والانشغال عنه طوال نهاره يتجلى أمامه، دون ملجئ.
حين لا يبقى أمام الإنسان إلا أن يصمد
يختم ( أ.ش) شهادته بما يعتبره جوهر ما أكتشفه عن نفسه
أنه يكمن داخل الإنسان قوة وقدرة على التحمل لا يعرف حدودها إلا حين يُدفع إليها قسرًا، ومن الممكن أنه لو وضع داخل أي تجربة أخرى بعيدًا عن أطفاله وأهله ومنزله، لم يكن ليقوى على ذلك، لكن الأسر كشف له عن قوة لم يكن يعلم بوجودها داخله، لأنه لم يكن أمامه فيها إلا خيار واحد من اثنين: أن يصبر ويصمد أو أن يستسلم ولا سبيل إلى منزلة بينهما.




