بيسان عواد
في غرفة صغيرة داخل مخيم العين في نابلس، تختلط أصوات الطابعات مع أصوات الحياة في المخيم يجلس الشاب معاذ عطية “30 عامًا” على كرسيه المتحرك، متنقلًا بين الأوراق وماكينات الطباعة التي تملأ غرفة نومه، والتي لم تعد مكانًا للراحة فحسب بل أصبحت مطبعة صغيرة يسترزق منها، بعد إصابة أفقدته القدرة على الحركة، ليحاول النهوض من جديد داخل مطبعته التي أصبحت مصدر دخل له بعد فقدانه لعمله الأساسي نتيجة الإصابة.
منذ أن كان فتى تعلم معاذ مهنة بناء الحجر وكان يجد فيها المتعة والشغف فهي المهنة التي عمل بها والده الذي توفي عندما كان طفلًا، فتعلق بالمهنة منذ صغره واجتهد فيها حتى تعلم تفاصيلها خطوة بخطوة.
كبر معاذ وأصبحت هذه المهنة هويته المهنية وبالنسبة له لم تكن وسيلة لكسب المال فحسب، بل ارتبطت بطفولته وذكرياته وعلاقته بوالده وطريقه نحو بناء مستقبله، لكن هذا الطريق انحدر بشكل مفاجئ، ففي عام 2018 تعرض معاذ لحادث دهس من قبل جيب عسكري للاحتلال إذ مر الجيب من فوق جسده من رأسه حتى قدميه، ليجد نفسه امام حياة مختلفة تمامًا عما كان يحلم.
لا يتذكر معاذ تفاصيل ذلك اليوم أو ما حصل معه وكيف وصل الى المستشفى، فقد دخل في غيبوبة وكلما بدأ يستعيد وعيه، أعاد الأطباء تنويمه مرات عدة بسبب كثرة الكسور والإصابات في جسده، ثلاثة شهور مرت وهو بين التنويم والصحو قبل أن يعود إلى وعيه تدريجيًا، وعندما فتح عيناه تفاجأ في الأنابيب والإبر والأجهزة الطبية التي تحيط به، وهنا أدرك أن ثمة شيء حدث لجسده.
دخل معاذ في حالة نفسية صعبة وانعزل عن الناس ولم يعد يغادر المنزل، وأثرت تلك الفترة على تفاصيل حياته اليومية حتى فقد رغبته في تناول الطعام والشراب، بقي على هذا الحال إلى أن بدأ احد أصدقائه يساعده على الخروج تدريجيًا، يروي معاذ بمرارة تفاصيل ما بعد الحادث “بعد الحادث انقلبت الحياة رأسًا على عقب.. شعور محبط جدًا إنه الواحد يكون بيقدر يمشي وبعدين يفقد هاي القدرة”
لم يستسلم معاذ لوضعه، وقرر البدء في البحث عن عمل يناسب وضعه الجسدي فدرس صيانة الهواتف المحمولة لمدة عامين لعله يجد فرصة عمل تناسبه، لكن آماله اصطدمت بمحدودية فرص العمل المتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة في الضفة الغربية، كما أنه يرى أن نسبة ال 5% المخصصة لتوظيف ذوي الاحتياجات الخاصة في المؤسسات والشركات لا تُطبق بشكل فعال ما زاد من إحباطه.
بحسب المادة رقم 13 من قانون العمل رقم 7 لعام 2000 يلتزم صاحب العمل بتشغيل عدد من ذوي الإعاقة المؤهلين بأعمال تتلاءم مع إعاقتهم، وذلك بنسبة لا تقل عن (5%) من حجم القوى العاملة في المنشأة.
وفي أحد الأيام اقترح عليه أحد أصدقاءه أن يجرب الطباعة الحرارية كونها لا تحتاج الكثير من الجهد الجسدي، فاشترى معاذ الطابعات ومستلزماتها وبدأ بالتعلم عن طريق الإنترنت وأصبحت المطبعة مصدر رزق له يتعلم ويعمل داخلها، قبل أن تفتح له الحياة بابًا جديدًا.
ففي إحدى الأيام وأثناء فترة علاجه في إحدى الجمعيات قالت له فتاة بأنه يجب أن يكون لاعب كرة سلة، كونه يملك ذراعين طويلتان، لم يكن معاذ حينها يعرف شيئًا عن رياضة ذوي الإعاقة، ولا عن كرة السلة على الكراسي المتحركة ولم يكن يتخيل نفسه لاعب كرة سلة أصلًا حتى جاء ذلك اليوم الذي دخل فيه الملعب للمرة الأولى.
وجد معاذ أشخاصًا يعيشون تجربة تشبه تجربته، ولكنهم لم يتوقفوا عندها، فكان هذا المشهد كافيًا حتى يشجع معاذ على الاستمرار والنهوض مجددًا. انضم معاذ للفريق عام 2021، ومع مرور الوقت والمشاركة في التدريبات لم يعد المعلب بالنسبة له مكانًا لممارسة الرياضة فحسب بل أصبح المكان الذي أعاد لمعاذ ثقته بنفسه.
استمر معاذ مع الفريق وشارك في عدة بطولات خارج الوطن وحصل على مراكز وميداليات عديدة وآخرها الميدالية البرونزية في بطولة في الكويت.
يقول معاذ ” الإعاقة هي عائق وأنا كسرت هذا العائق” فلم يعد ذلك الشاب الذي كان يعتقد أن حياته انتهت بعدما فقد قدرته على الحركة، بل أصبح لديه مكان خاص للعمل وفريق يشارك معه في بطولات خارج الوطن، كما أنه يسعى اليوم ليصبح مدربًا متخصصًا في رياضة ذوي الإعاقة.




