هدى مرعي
كان جسدًا واحدًا يتحرك خلف الطاولة، ثم بدأت أطرافه تبتعد؛ خطوة هنا، وأخرى في الاتجاه المعاكس. لحظات قليلة، حتى انفصل وأصبح الجسد الواحد اثنين.
لم يكن المشهد مجرد حركة على المسرح، بل كان مرآة لواقع يعرفه الفلسطينيون جيدًا، تتسع فيه المسافات كلما تراجع الاتفاق. جسدٌ واحد أصبح اثنين، والاختلاف تحول إلى نزاع، فيما بقيت الوحدة احتمالًا يحاول الفلسطيني استعادته.
وفي مسرحية “الخطة صفر”، انتقل هذا الواقع إلى الخشبة في صورة تتحرك أمام الجمهور، فأصبح المسرح مساحة تعكس ما يعيشه الفلسطينيون وتعيد طرحه من زاوية أخرى.
وفي وقتٍ أحوجَ ما يكون فيه الفلسطيني إلى الوحدة، قدّم المخرج قدري كسبة هذه الفكرة على خشبة المسرح أمام الجمهور. ويربط كسبة اختيار الموضوع بالواقع الفلسطيني وما يعيشه من استيطان ومصادرة للأراضي ودمار وانتهاكات، معتبرًا أن هذا الواقع يجعل طرح فكرة الوحدة أكثر إلحاحًا.
ومن خلال هذا المسار، وضع العمل أمام الجمهور صورة تتدرج من الانقسام إلى إدراك الحاجة إلى الوحدة. فمع انفصال الجسد الواحد، تتمسك كل شخصية برايتها وموقفها، ويتحول الاختلاف إلى تنازع، حتى عندما تحاولان الاتفاق على خطة لمواجهة ما يحيط بهما. ثم يأتي صوت القطار، كأنه فرصة تمضي بينما تنشغل الشخصيتان بخلافاتهما، قبل أن يبدّل صوت القصف المشهد كله؛ خطر واحد يجمعهما في المكان نفسه، لكن القصف يفرّق كلًّا منهما في اتجاه. ومن هناك تبدأ محاولات الاقتراب من جديد، خطوة بعد أخرى، حتى تستعيد الشخصيتان قدرتهما على الالتقاء والإسناد المتبادل.
وفي المشهد الأخير، تتجه الشخصيتان معًا نحو شاشة العرض، حيث تظهر صور لفلسطين والوحدة والحرية على وقع أغنية “الحلم العربي – أجيال ورا أجيال”، في نهاية تنقل العمل من صورة الانقسام والخطر إلى مساحة من الأمل والحلم بالحرية.
“حجر صغير بحرك مي راكدة”؛ بهذه العبارة يصف كسبة ما يطمح إلى أن يتركه العمل المسرحي لدى المتلقي، فيدفعه إلى التفكير وإعادة النظر في الواقع من حوله. ومن هذا المنطلق، يرى كسبة في المسرح مساحة للتأثير في المشهد الثقافي الفلسطيني، وأداة لطرح الأسئلة ومواجهة واقع مرير، لا مجرد مساحة لعرض الحكايات.
ولأن الشخصيتين تنطلقان من واقع فلسطيني تعرفه الممثلتان وتعيشان تفاصيله، كان حضور هذا الواقع جزءًا من أدائهما. وتحدثت كل من جنا أبو صاع وسارة الشلبي عن تأثير هذا القرب من الواقع في أدائهما للشخصيتين، وكيف انعكست تفاصيل تعرفانها وتعيشانها على حضورهما فوق المسرح.
وبدا أثر العرض واضحًا في تفاعل الجمهور، فقد لامست “الخطة صفر” مشاعر الحاضرين وحظيت بتفاعل واسع، ووجد الحاضرون في ثناياها تعبيرًا عن واقعهم وأحلامهم، وحملت نهايتها بارقة أمل بما جسدته من صور الوحدة والحرية. ونقل المخرج أن أحد أفراد الجمهور أخبره بأنه بكى من شدة تأثره بالعرض، وهو ما مثّل بالنسبة إلى صناع العمل مؤشرًا على وصول الفكرة وتأثيرها في المتلقي.
فالمسرح، في النهاية، ليس منفصلًا عن بيئته؛ يولد من الواقع، ويحمل أسئلته وتناقضاته إلى الخشبة، ثم يقدمها للجمهور في صورة تستحضر ما يعيشه ويعرفه. وفي المشهد الثقافي الفلسطيني، تتكامل هذه الوظيفة مع التغطية الإعلامية التي تنقل ما يحدث على الخشبة إلى جمهور أوسع، ليتجاوز المسرح دوره في عرض الحكايات إلى مساحة تحفظ الذاكرة، وتعكس الواقع، وتثير الأسئلة حول إمكانية تغييره.




