loading

صنعة الإعلام.. والمعابد التعليمية

إياد الرفاعي

من خلال عملي في التدريب وورشات العمل التي استهدفت طلبة الإعلام في عدد من الجامعات الفلسطينية، في مجالات الأمان الرقمي والتربية الإعلامية بمفهومها الواسع، وجدت نفسي أمام واقع جديد يستحق التوقف: نحن نعيش واحدة من أسرع التحولات في تاريخ الاتصال، بينما ما زالت بعض مؤسساتنا التعليمية تتعامل مع الإعلام كما لو أن الزمن توقف عند حدود الصحيفة والتلفزيون والاستوديو التقليدي.

بعض الجامعات تحولت، في رأيي، من جامعات إلى ما يشبه “المعابد التعليمية”: مؤسسات تحافظ على طقوسها الخاصة وتنسى تطوير أدواتها، وما زال في بعضها محاضرون تلقوا تكوينهم المهني في عصور الإعلام التناظري، في زمن “الستالايت الثنائي” وما قبل الديجيتال، بينما توجد مختبرات إعلامية بأجهزة وكاميرات تنتمي إلى تاريخ آخر، بعضها يعمل بكاسيتات وأفلام، في وقت يستطيع فيه الطالب اليوم أن ينتج وينشر ويصل إلى جمهور عالمي من موبايله.

هذه ليست ملاحظة انطباعية مجردة، فهناك دراسة منشورة في مجلة Journalism حول تعليم الصحافة الرقمية في فلسطين خلُصت إلى أن الجامعات قطعت شوطًا في إدخال المهارات الرقمية والتدريب العملي، لكنها ما تزال بحاجة إلى تطوير التقنيات المتقدمة وتعزيز التعاون مع قطاع الإعلام.

 ودراسة أخرى نشرت في Frontiers in Education عام 2025، شملت 221 طالب إعلام و36 خبيرًا أكاديميًا في تسع جامعات فلسطينية، وجدت أن الطلاب يعطون أولوية كبيرة لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وكشف الأخبار الزائفة وأتمتة غرف الأخبار، في وقت ما تزال فيه هناك فجوات في البنية التحتية والاستعداد الأكاديمي، 82% من الطلبة المشاركين أعطوا أولوية لتعليم أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. هذه الدراسات عمل عليها كل من الزميلين محمود خلوف، وشادي أبو عياش.

وهنا لا بد للإشارة بأن الجامعات لا تتحمل وحدها مسؤولية المشكلة، حيث يتحمل طلبة الإعلام جزءًا من ذلك أيضًا.

نحن نعيش عصرًا انهارت فيه تقريبًا حواجز الوصول إلى المعرفة، والطالب الذي يريد أن يتعلم التصوير أو المونتاج أو تحليل البيانات أو التحقق الرقمي أو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لا يحتاج بالضرورة إلى انتظار مساق جامعي جديد، فالمعرفة أصبحت متاحة بصورة غير مسبوقة، والمسؤولية الشخصية للطالب عن بناء مهاراته المهنية أصبحت أكبر من أي وقت مضى.

وهنا تظهر المشكلة الأعمق، أن تنجح في صناعة إعلامي تقني لا يعني أنك صنعت إعلاميًا، لأن بعض الجامعات صار همها أن تواكب تعليم الطالب المهارات التقنية كمحاولة لمواكبة التطور السريع وهذا وحده ليس كافيًا.

يمكن أن يعرف الطالب كيف يصور، ويعمل في المونتاج ويصمم، ويكتب لمنصات التواصل، ويستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي، لكنه يبقى في فراغ معرفي إذا كان قليل القراءة، ضعيف الاطلاع، عاجزًا عن فهم التاريخ والسياسة والمجتمع والاقتصاد. تخمة البيانات التي يستهلكها يوميًا لا تعني بالضرورة أنه يمتلك معرفة، وكثرة المعلومات ليست معرفة، وكثرة الأدوات ليست مهنة.

ولهذا فإن أزمة تعليم الإعلام ليست أزمة كاميرات ومختبرات وبرامج فقط، إنها أزمة مفاهيمية حول ما الذي نريد أن نصنعه عندما نعلم الإعلام؟

الإعلام صنعة وعلم في الوقت نفسه: الصنعة تحتاج إلى التدريب والممارسة والتجربة والخطأ، والعلم يحتاج إلى المعرفة والبحث والقدرة على التفكير النقدي وفهم الإنسان والمجتمع.

الجامعة التي تعلم الطالب كيف يصنع فيديو، لكنها لا تعلمه كيف يفكر قبل أن يصنعه، تنتج تقنيًا محترفًا ربما، لكنها لا تنتج إعلاميًا.

وفي المقابل، الطالب الذي ينتظر من الجامعة أن تبني مستقبله كاملًا، في عصر أصبحت فيه المعرفة مفتوحة ومتاحة، يتنازل عن جزء أساسي من مسؤوليته.

المطلوب إذن ليس جامعة تلاحق التكنولوجيا، ولا طالبًا يلاحق الأدوات، المطلوب حقيقة هو مؤسسة تعليمية تعيد تعريف وظيفتها من مكان يمنح شهادة في الإعلام، إلى بيئة تصنع إعلاميًا قادرًا على أن يفهم، ثم يفكر، ثم يتحقق، ثم ينتج.

فالإعلام قبل أن يكون شاشة أو كاميرا أو منصة، هو في النهاية طريقة في رؤية العالم.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني