loading

“نازا”.. فيلم إسرائيلي يفضح آلة القتل في غزة ويشعل هستيريا في تل أبيب

محمد عبد الله

اختُتمت مساء السبت فعاليات الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، وسط جدل واسع أثاره الفيلم الوثائقي “نازا” (NAZA)، الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، بعدما كان أحد أبرز المرشحين لنيل جائزة “الأسد الذهبي” لأفضل فيلم، والتي ذهبت في النهاية إلى العمل الدانماركي “امرأة مجهولة” للمخرجة مي الطوخي.

ورغم عدم حصوله على الجائزة الكبرى، غادر “نازا” المهرجان بواحدة من أهم جوائز المسابقة الرسمية التي تنافس فيها 21 فيلما، تاركًا خلفه أثرًا لافتًا تمثل في التصفيق الذي استمر نحو 25 دقيقة عقب عرضه العالمي الأول مساء الخميس، وهي مدة وصفتها تقارير صحفية بأنها الأطول في تاريخ المهرجان. 

كما رفع عدد من الحاضرين الأعلام الفلسطينية عقب العرض، في مشهد يعكس حجم التفاعل مع مضمون الفيلم.

وأخرج “نازا” الصحافيان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، اللذان سبق أن فازا بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي عام 2025 عن فيلمهما “لا أرض أخرى”، الذي أنجزاه بالاشتراك مع المخرجين الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال، ووثّق عمليات هدم التجمعات الفلسطينية وتهجير سكانها في الضفة الغربية وتحديدًا في مسافر يطا جنوب الخليل.

ويمثل “نازا” امتدادًا لهذا المسار، لكنه ينتقل هذه المرة إلى داخل المنظومة العسكرية الإسرائيلية نفسها، معتمدًا على شهادات 24 من الجنود وضباط الاستخبارات الذين خدموا في الوحدة 8200، وأدلوا بإفادات تفصيلية حول ما يعرف بسياسة “الضرر الجانبي”، أي مقتل مدنيين خلال استهداف من يُشتبه بانتمائهم إلى فصائل مسلحة، إضافة إلى سياسة الاغتيالات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي.

ويشير عنوان الفيلم إلى اختصار عسكري إسرائيلي يُستخدم للدلالة على العدد المتوقع من المدنيين الذين قد يُقتلون في غارة معينة، ويُصنَّفون كـ”أضرار جانبية”، بمن فيهم الرجال والنساء والأطفال. 

ويتتبع الفيلم كيف تحولت هذه الخسائر البشرية المتوقعة إلى مجرد رقم يدخل ضمن حسابات اختيار الأهداف، معتمدًا على بيانات جُمعت من آلاف الهواتف المخترقة لتحديد توقيت الغارات، حتى إن التقاط عبارة عادية على لسان طفل مفادها أن والده عاد إلى المنزل كان كافيًا، بحسب شهادات الجنود، لإطلاق ضربة جوية.

وصُورت المقابلات سرًا فوق أسطح مبان في تل أبيب على مدى ثلاثة أعوام، مع إخفاء هوية المشاركين وتعديل أصواتهم وملامحهم رقميًا لحمايتهم، فيما استند العمل إلى تحقيقات صحفية نُشرت بين عامي 2023 و2025 في مجلة “+972” وموقع “لوكال كول” العبريين وصحيفة “الغارديان” البريطانية، التي شاركت أيضا في إنتاج الفيلم إلى جانب جوناثان غليزر، مخرج فيلم “منطقة الاهتمام”، الذي عمل منتجًا تنفيذيًا للعمل.

ولم يكد الفيلم يُعرض حتى دخلت إسرائيل حالة من الغليان السياسي والعسكري. فقد عقد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، مشاورات موسعة ضمت نائبه وقادة كبار في الجيش، واصفًا الفيلم بأنه “محاولة متعمدة” للمس بشرعية الجيش والدولة، ومدعيًا أنه يستند إلى “فرية دموية” و”تشويه متعمد للواقع”.

 وأوعز زامير بتشكيل طاقم متعدد الأجهزة لمواجهة ما وصفه بـ”الادعاءات الكاذبة”، كما كلّف المدعي العام العسكري بدراسة إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفيلم والعاملين عليه، وبحث جوانب متعلقة بتسريب مواد سرية استُخدمت في إنتاجه.

وفي السياق ذاته، أعلن وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي ميكي زوهار سعيه لسحب الجنسية الإسرائيلية من مخرجي الفيلم، بينما دعا الناطق العسكري إيفي ديفرين مخرجي العمل إلى السماح لمندوبين عسكريين بمشاهدته كاملًا، مؤكدًا في المقابل وقوفه “الكامل” خلف الجنود والضباط ورفضه ما وصفه بـ”التشويهات” الواردة فيه.

كما أصدر رئيس أركان الجيش الأسبق غادي آيزنكوت، المرشح لرئاسة الحكومة في الانتخابات المقبلة، بيانًا اتهم فيه صناع الفيلم بـ”التشوه الأخلاقي” و”الانعزال عن الواقع”، معتبرًا أن هناك “هوة سحيقة” بين النقد المشروع وما سماه تلطيخ سمعة الجنود من أجل التصفيق في مهرجان خارج البلاد.

وبموازاة التصريحات الرسمية، تُجري هيئة الإعلام القومي الإسرائيلية ووزارة الخارجية ووحدة الناطق العسكري مداولات لإطلاق حملة إعلامية دولية واسعة، بهدف دحض ما تصفه بـ”الأكاذيب” الواردة في الفيلم، والتأكيد على عدم وجود إبادة جماعية في غزة. 

وبحسب مصادر إسرائيلية، تشمل الخطة إرسال أكبر عدد ممكن من المتحدثين لإجراء مقابلات صحفية، وتقديم إحاطات لمؤثرين في الرأي العام، وإطلاق حملة ممولة موجهة لجماهير محددة، إلى جانب مواد تشدد على أن استخدام مصطلح “الضرر الجانبي” يعكس جهودًا لتقليل إصابة المدنيين، في مقابل ما تصفه بممارسات فصائل مسلحة تستخدم السكان دروعًا بشرية.

بيد أن تقديرات إسرائيلية، نقلتها مواقع عبرية، تشير إلى أن هذه الحملة قد لا تحقق أهدافها، إذ أن الفيلم من إخراج إسرائيليين واستند إلى شهادات مباشرة لجنود وضباط شاركوا فعليًا في الحرب على غزة، ما يصعّب تصويره كعمل “معادٍ” مسبق النية، ويفتح الباب أمام تساؤلات سياسية في دول حليفة لإسرائيل حول جدوى استمرار الحرب بعد أكثر من ثلاث سنوات.

ويأتي فوز “نازا” في وقت تتجاوز فيه حصيلة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة 73 ألفا و500 شهيد، غالبيتهم من المدنيين وبينهم أكثر من عشرين ألف طفل، إضافة إلى أكثر من 174 ألفا و700 جريح، وفق حصيلة السلطات الصحية في القطاع. وتأتي هذه الأرقام في صلب الجدل الذي يثيره الفيلم حول طبيعة العمليات العسكرية الإسرائيلية وآليات اختيار الأهداف فيها.

ويعيد فوز “نازا” قضية غزة إلى واجهة مهرجان فينيسيا للعام الثاني على التوالي، بعد أن نال فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية جائزة الأسد الفضي في دورة 2025. 

وقد شاركت بن هنية هذا العام في لجنة التحكيم التي ترأستها الممثلة والمخرجة الأمريكية ماغي جيلنهال، والتي منحت “نازا” جائزتها الخاصة وسط استقبال نقدي واسع وصفه مراقبون بأنه تحقيق سينمائي صادم في الطريقة التي تحولت بها حياة المدنيين في غزة إلى مجرد أرقام ضمن معادلات الضربات الجوية.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني