عرين فحماوي
لم تبدأ الحكاية في منطقة الروس ببناء بيت أو إقامة مستوطنة معلنة، بل بعدد من الخيام نُصبت في أرض تقع ضمن حدود المنطقة التابعة لمجد الكروم، لكن ما يبدو للوهلة الأولى كمخيم مؤقت يحمل تفاصيل تجعل السؤال أكبر من مجرد وجود مجموعة من المستوطنين في أرض مفتوحة: من يملك الأرض؟ وبأي صفة دخل إليها هؤلاء؟ ولماذا ظهرت الخيام في هذه المنطقة تحديدًا ، وفي هذا التوقيت ؟
في 13 أيلول/سبتمبر، وثّقت وسائل إعلام إسرائيلية وصول شبان إسرائيليين، قالت التقارير إنهم من مستوطني الضفة الغربية، إلى منطقة قريبة من مجد الكروم، حيث نصبوا خيامًا ووضعوا معدات للطبخ ومدّوا كابلات كهرباء.
رئيس مجلس مجد الكروم المحلي رؤوف حمود، قال إن الموجودين في المنطقة هم من “شبان التلال” القادمين من الضفة الغربية بهدف إقامة مستوطنة جديدة، كما منعت الشرطة سكانًا محليين ونشطاء من الوصول إلى المكان.
لكن التفصيل الأكثر أهمية في القضية ظهر في تقرير لصحيفة “هآرتس” جاء فيه إن الأرض التي أقيمت عليها الخيام تقع ضمن المنطقة التابعة لمجد الكروم، لكنها مملوكة للصندوق القومي اليهودي ، ويمكن تأجيرها لأغراض الرعي، ووفق التقرير فإن الأرض مؤجرة لهذا الغرض.
المسألة لم تعد فقط “هل أقيمت بؤرة استيطانية قرب مجد الكروم؟، بل تصبح هل يمكن أن يتحول استخدام الأرض للرعي إلى مدخل لتثبيت وجود بشري دائم فيها؟
هذا النموذج ليس غريبًا عن الضفة الغربية، فالرعي كان خلال السنوات الماضية إحدى الأدوات المستخدمة لتوسيع السيطرة على مساحات من الأراضي المفتوحة؛ يبدأ الوجود بقطيع أو خيمة أو حظيرة، ثم تظهر طرق وسياج ومرافق وخدمات، ومع مرور الوقت يصبح الوجود الميداني أمرًا واقعًا يصعب التراجع عنه.
وفي حالة الروس لا توجد حتى الآن أدلة كافية للقول إن هذا المسار اكتمل أو أن البؤرة جزء رسمي من مشروع حكومي، لكن وجود عناصر مثل الخيام ومعدات الطبخ والكهرباء، إلى جانب غياب المواشي التي يفترض أن تبرر استخدام الأرض للرعي، يجعل طبيعة الاستخدام الفعلي للأرض نقطة تحقيق أساسية.
وفي آب/أغسطس الماضي، أقر مجلس إدارة “الصندوق القومي اليهودي” خطة استثمارية بقيمة نحو 859 مليون شيكل لتعزيز وتطوير شمال إسرائيل خلال السنوات الثلاث المقبلة، وتخصص الخطة 120 مليون شيكل لبرنامج يحمل اسم “مجتمع يبني وطنًا” لدعم نوى استيطانية في الجليل والشمال، بينها 60 مليون شيكل للاستيطان في جبال الشمال بهدف استيعاب نحو 1200 ساكن جديد خلال ثلاث سنوات، كما تتضمن الخطة 100 مليون شيكل لتوسيع شراء الشقق في مدن شمالية، مع تركيز على نوف هجليل وكرميئيل وعكا، و11 مليون شيكل لاستكمال إقامة مستوطنة «شيبولت» في الجليل السفلي.
ولا يعني ذلك أن إدارة “الصندوق” تقف خلف بؤرة الروس؛ فلا توجد في المعطيات المتاحة وثيقة تربط المؤسسة مباشرة بما حدث في الموقع، لكن التزامن بين ظهور البؤرة وبين إعلان خطة واسعة لتعزيز الاستيطان اليهودي في الجليل يضيف طبقة أخرى إلى القضية، خاصة وأن الخطة الرسمية نفسها تتحدث صراحة عن تعزيز “الاستيطان الصهيوني” في الشمال.
وفي مستوى سياسي أوسع، جاءت البؤرة بعد أسابيع من طرح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش خطة حملت عنوان (نعم لنجعلها يهودية!)، وتهدف بحسب ما أعلنه إلى إضافة مليون يهودي إلى النقب والجليل من خلال إقامة 40 مستوطنة جديدة، وعشرات المزارع وتوسيع مستوطنات قائمة، إلى جانب توفير مئات آلاف الوحدات السكنية.
وقال سموتريتش إنه يريد نقل “ثورة الاستيطان” التي قادها في الضفة الغربية إلى النقب والجليل، كما دعا إلى تغيير طريقة عمل مؤسسات التخطيط وإدارة أراضي إسرائيل.
التصريحات لا تثبت أن ما حدث في الروس نُفّذ بأمر من سموتريتش، لكنها تجعل سؤال انتقال أدوات الاستيطان من الضفة إلى الجليل سؤالًا مشروعًا للتحقيق، خاصة وأن وسائل إعلام إسرائيلية نفسها قدمت الحدث باعتباره محاولة لإقامة بؤرة قرب بلدة عربية في الجليل، ونقلت عن النائب عوفر كسيف اتهامه للمستوطنين بمحاولة نقل الأساليب المستخدمة في الضفة إلى شمال إسرائي.
وتزداد أهمية الربط عندما ننظر إلى هوية المجموعة، فإن التقارير تحدثت عن إسرائيليين يُعتقد أنهم مستوطنون من الضفة الغربية، بينما قال رئيس مجلس مجد الكروم إن الموجودين هم “شبان تلال” قدموا من الضفة بهدف إقامة مستوطنة جديدة هذه المعلومة، إذا أمكن إثباتها من خلال أسماء الأشخاص أو المستوطنات التي قدموا منها، قد تكون مفتاحًا لفهم ما إذا كان الأمر مبادرة محلية محدودة أم انتقالًا فعليًا لأسلوب عمل نشأ في الضفة الغربية إلى منطقة الجليل
وهنا تبرز فجوة مهمة في المعلومات المتاحة حتى الآن: من هو المستأجر الرسمي للأرض؟ ومتى حصل على حق الرعي؟ وما الذي يسمح به عقد الإيجار تحديدًا؟ وهل يسمح بإقامة خيام سكنية ومرافق كهرباء وطبخ؟ ومن أين جاءت الكهرباء والمياه؟ وهل توجد موافقات تخطيطية أو تراخيص لأي منشأة في الموقع؟
وتكتسب المسألة حساسية إضافية لأن الأرض وفق «هآرتس» ، مملوكة “للصندوق القومي اليهودي” ومؤجرة للرعي، في حين يؤكد رئيس مجلس مجد الكروم أن المجموعة الموجودة في المكان قدمت بهدف إنشاء مستوطنة أي أن الصراع هنا لا يدور فقط حول ملكية الأرض، وإنما حول الوظيفة التي تتحول إليها الأرض على أرض الواقع
ومن هذه الزاوية، تبين المحللة السياسية نيفين أبو رحمون أن ما يحدث في مجد الكروم لا ينبغي التعامل معه باعتباره حادثة منفصلة أو مجرد “استيطان رعوي”، وترى بأن الصراع على الجليل يمثل امتدادًا لصراع تاريخي على الجغرافيا الفلسطينية، وأن ما تسميه “منطق الكماشة” يقوم على السيطرة على مواقع استراتيجية، وخنق التوسع العربي، وتحويل المناطق الفلسطينية إلى مساحات منفصلة ومحدودة.
وبحسب أبو رحمون، فإن خطورة المرحلة الحالية لا تكمن فقط في إقامة بؤرة واحدة، وإنما في انتقال عقلية تحويل الوجود الميداني إلى حقيقة سياسية يصعب التراجع عنها، وتوضح أن ما يحدث في الروس يمكن قراءته ضمن سياق أوسع من السياسات التي تستهدف إعادة تشكيل الحيز الجغرافي في الجليل، من خلال الاستيطان والمشاريع التخطيطية والسيطرة على الأراضي.
وتشير إلى أن تسمية ما يحدث بـ”الاستيطان الرعوي” قد تكون مضللة إذا أصبحت التسمية تحجب الوظيفة السياسية للوجود على الأرض، وبحسب قراءتها، فإن الأهم ليس الاسم الذي يطلق على البؤرة، بل ما إذا كان وجودًا مؤقتًا مرتبطًا بالرعي أم خطوة أولى نحو تثبيت واقع جغرافي جديد.
لكن التحقق من هذا الطرح يحتاج إلى أكثر من قراءة سياسية، فهناك سلسلة من الأدلة التي يمكن أن تحسم طبيعة ما يجري: عقد الرعي، هوية المستأجر، رقم القطعة، وضعها التخطيطي، أي تراخيص أو أوامر بناء، مصدر الكهرباء والمياه، وأسماء الأشخاص الموجودين في الموقع وعلاقاتهم السابقة بالبؤر أو المزارع في الضفة الغربية، وحتى الآن لا توجد وثيقة منشورة تثبت وجود قرار حكومي بإنشاء البؤرة في الروس ، ولا دليل علني يثبت أن الصندوق القومي اليهودي” أو الحكومة الإسرائيلية وجهتا المجموعة إلى الموقع.
وهنا تكمن أهمية بؤرة الروس ليس لأنها أصبحت مستوطنة جديدة بالفعل، بل لأن الطريقة التي سيُتعامل بها مع هذا الوجود خلال الأيام والأسابيع المقبلة قد تحدد إن كان سيبقى مخيمًا مؤقتًا على أرض للرعي، أم سيتحول تدريجيًا إلى واقع جديد على الأرض.




