فاطمة الخطيب
مع اقتراب الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقرر عقدها في 28 نوفمبر المقبل، لا يقتصر السؤال على الأحزاب والقوى السياسية التي ستخوض السباق، بل يمتد إلى شكل آخر من المنافسة: ماذا لو دخل أصحاب رؤوس الأموال إلى المشهد بوصفهم مرشحين؟
في واقع فلسطيني مثقل بالأزمات الاقتصادية والمعيشية، قد يجد المرشح الذي يمتلك المال والأعمال وشبكة العلاقات نفسه أمام فرصة مختلفة للوصول إلى الناخب، بعيدًا عن الماكينات الحزبية التقليدية.
مصادر متعددة أكدت لـ “بالغراف” أن رجال أعمال مثل بشار المصري وعدنان مجلي يعملون على تشكيل قوائم انتخابية، فهل يستطيع رأس المال أن يعوض غياب الحزب؟ وهل يمكن لرجل الأعمال أن يحول نجاحه في إدارة أعماله إلى نفوذ سياسي وانتخابي؟
هل يملك المال ما لا يملكه الخطاب؟
يرى الصحفي الاقتصادي محمد خبيصة أن الإجابة تبدأ من الواقع المعيشي للناخب نفسه، ويقول إن “جيب المرشح قد يكون أحيانًا أقوى من خطابه السياسي”، موضحًا أن الناخب الذي يعيش تحت ضغط الراتب وفرصة العمل والديون وتكاليف المعيشة قد لا يجد في الشعارات السياسية الكبرى إجابة كافية عن أسئلته اليومية.
وبحسب خبيصة، وبعد سنوات من الخطاب السياسي والقضايا الكبرى دون تحقيق اختراقات بحجم التوقعات لدى جزء من الجمهور، يصبح السؤال مباشرة: “ماذا ستفعل لي غدًا صباحًا؟”.
ومن هنا، برأيه، تظهر قوة رأس المال الاقتصادي؛ ليس لأن الناخب يمكن شراؤه، وإنما لأن المرشح الذي يمتلك المال والأعمال وشبكة العلاقات يستطيع أن يقدم نفسه بوصفه شخصًا يمتلك أدوات تنفيذ، لا مجرد وعود.
ويختصر خبيصة هذه الفكرة بالقول “عندما يفشل السياسي في تغيير الواقع الكبير، يبدأ الناخب بالبحث عمّن يستطيع تغيير واقعه الصغير”.
المال لا يعوض التنظيم وحده
بدوره يرى الصحفي والباحث محمد دراغمة أن “الإطار الحزبي بدون مال لا أثر له”، معتبرًا أن التنظيمات الفقيرة غير قادرة على الوصول إلى المواطنين بالعمق الكافي.
لكن اتساع مساحة المرشحين من خارج الأطر الحزبية لا يعني أن رأس المال يستطيع وحده أن يحل مكان التنظيم. وفي المقابل، يشير إلى وجود قوى سياسية تمتلك حضورًا شعبيًا عميقًا، لكنه يرى أن عددها محدود، وأن حركتي فتح وحماس هما من تمتلكان هذا العمق الشعبي، بينما لا تمتلك بقية الفصائل، العمق الشعبي ذاته للوصول إلى الجمهور.
ويقول دراغمة إن أصحاب المال يستطيعون الوصول إلى الجمهور من خلال مواردهم، لكن الأكثر تأثيرًا، قد يكونون أولئك الذين يجمعون بين المال والانتماء الحزبي. غير أن المال وحده لا يكفي لبناء الثقة؛ فرجل الأعمال الذي يمتلك بُعدًا سياسيًا يمكن أن يحظى بالاحترام والتقدير، بينما قد ينظر الجمهور بحذر إلى من يفتقد هذا البعد، خشية أن يكون هدفه الاستيلاء على مقدرات الشعب أو استغلال الفرص الاستثمارية.
ويضرب مثالًا بالتيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة فتح، الموجود بدرجة أساسية في قطاع غزة، مشيرًا إلى امتلاكه المال ودعم دولة ترعاه وتقدم له الملايين.
حين تصبح أزمة الثقة جزءًا من المعادلة
خبيصة يربط استعداد الناخب للنظر إلى رجل الأعمال كبديل محتمل عن الحزب بمستوى الثقة بالقوى السياسية وقدرتها على الإنجاز.
ويقول إن كثيرًا من الناس ينظرون إلى القوى السياسية باعتبارها أصبحت عبئًا على الجمهور، في ظل أزمة ثقة مرتبطة بعدم الإنجاز.
لكن هذه الأزمة لا تعني، وفق حبيصة، أن رأس المال قادر على الحلول محل السياسة. فرجل الأعمال لا يستطيع أن يقدم المال باعتباره بديلًا عن الشرعية السياسية، كما أن امتلاك رأس المال لا يمنحه تلقائيًا القدرة على معالجة الملفات السياسية الكبرى.
ما يستطيع تقديمه، بحسب هذا التصور، هو خطاب أكثر ارتباطًا بالعمل والدخل والاستثمار والخدمات والاقتصاد، وهي ملفات تمس الحياة اليومية للناخب مباشرة.
وهنا تصبح المنافسة بين رأس المال والحزب أوسع من سؤال «من يملك المال؟»، لتتعلق بنوع القيمة التي يستطيع كل طرف تقديمها للناخب.
لا أحد يملك وعدًا بتغيير الواقع
لا تتوقف المسألة، بالنسبة إلى دراغمة، عند قدرة الأحزاب أو رجال الأعمال على الوصول إلى الناخب، بل تمتد إلى السؤال عن قدرة أي طرف على إحداث تغيير حقيقي بعد الانتخابات.
ويقول إن حركة فتح، بالنسبة إلى جزء من الجمهور، تمثل الفشل السياسي في تحقيق الدولة من خلال المفاوضات، بينما تمثل حركة حماس، بالنسبة إلى هذا الجزء، فشل خيار العمل المسلح في تحقيق الدولة، معتبرًا أن نتائج المسارين انعكست على الناس.
ومن هنا، يرى أن الناس قد تتجه إلى رجال الأعمال والمجتمع المدني والشخصيات التي تستطيع التعبير عن احتياجاتها وهمومها.
لكن دراغمة يؤكد في الوقت نفسه أنه لا يرى أملًا في حدوث تغيير سياسي أو اقتصادي كبير بعد الانتخابات.
ويضرب مثالًا بوعد توفير فرص العمل، متسائلًا: إذا كان المرشح قادرًا على توفير فرص العمل، فلماذا ينتظر الانتخابات حتى يفعل ذلك؟
وينظر إلى القيود الاقتصادية الإسرائيلية، وعنف المستوطنين والاستيطان، وحرمان العمال من العمل، إضافة إلى حرمان السلطة من الإيرادات الجمركية، باعتبارها عوامل تَحُد من قدرة أي مرشح على تغيير الواقع.
وبحسب دراغمة، تجعل هذه القيود من الصعب على رجل الأعمال أو السياسي أن يقدم للناس وعدًا بتغيير حقيقي.
انتخابات لإدارة الواقع أم تغييره؟
دراغمة يؤكد أن الجمهور الفلسطيني يعيش حالة من اليأس من إمكانية التغيير، لأنه يرى أن التغيير لا يرتبط بالقرار الداخلي فقط، وإنما بعوامل خارجية مرتبطة بالاحتلال.
ويشير إلى الحرب في غزة، وما يصفه بحرب وجودية في الضفة الغربية، والاستيطان، وعنف المستوطنين، وتقييد العمل في إسرائيل، وتقييد الإيرادات الجمركية.
وفي ظل ذلك، يرى أن التغيير الذي يمكن أن تأتي به الانتخابات سيكون محدودًا في إدارة السلطة، وليس تغييرًا جوهريًا يمس الواقع الفلسطيني.
وقد يشمل ذلك، وقف بعض التعيينات التي ترهق الموازنة، والحد من تعيين الأقارب في المناصب الدبلوماسية، وتوفير فرص متكافئة ضمن نطاق عمل السلطة.
ويلفت دراغمة إلى أن السلطة فقيرة أصلًا وغير قادرة في هذه المرحلة على توفير رواتب موظفيها، ما يجعل الآمال المرتبطة بالانتخابات محدودة.
ويقول إن حماسة الناس للانتخابات قد تكون محدودة لأنهم يعرفون أن أحدًا لن يكون قادرًا على تغيير واقعهم بصورة جوهرية.
من إدارة الشركات إلى إدارة المال العام
بينما يوضح خبيصة أن أحد أهم التأثيرات المتوقعة لدخول رجال الأعمال إلى المجلس التشريعي يتمثل في انتقال خبرة إدارة المال من القطاع الخاص إلى العمل البرلماني. فرجل الأعمال، بحسبه، يأتي من خلفية قائمة على إدارة الأعمال والمال، ويعتاد النظر إلى الإيرادات والمصروفات، والجدوى والعائد، وأسباب الخسارة وكيفية تحويلها إلى ربح، لا إلى التنظير الاقتصادي فقط.
وعندما تنتقل هذه العقلية إلى المجلس التشريعي، تصبح جزءًا من أدوات الرقابة على القطاع العام. ويشير خبيصة إلى أن الحكومة تدير مليارات، رغم أزمة المقاصة الحالية، لكن هذه الأزمة لن تستمر إلى الأبد، ما يجعل من حق المواطنين أن يكون داخل البرلمان من يفهم كيفية إدارة هذه الأموال، وأن يطرح أسئلة من قبيل: لماذا أُنفق المال هنا؟ ما العائد منه؟ هل كان هناك بديل أفضل؟ ولماذا ندفع أكثر مقابل نتيجة أقل؟
ومن هذا المنطلق، يرى خبيصة أن وجود رجال أعمال واقتصاديين داخل المجلس يمكن أن يجعل الرقابة على الموازنة والسياسات المالية أكثر تخصصًا، وأن يدفع باتجاه تصويب الاختلالات وتعظيم أثر المال العام بدلًا من استنزافه.
ماذا حققت الأحزاب بعد 20 عامًا؟
خبيصة يؤكد أن الانتماء الحزبي كان قبل 20 عامًا بطاقة قوة انتخابية بحد ذاته، لكن الصورة تبدو مختلفة اليوم، إذ قد يواجه جزء من الناخبين الأحزاب الفلسطينية بسؤال مباشر: ماذا حققتم فعليًا بعد كل هذه السنوات؟
ويضيف أن المشروع السياسي الفلسطيني لم يصل إلى دولة مستقلة، فيما لا يزال الانقسام السياسي قائمًا، وأصبحت الأزمات المعيشية والاقتصادية أكثر حضورًا في حياة الناس. لذلك، لم تعد الماكينة الحزبية وحدها ضمانة كافية للثقة أو الحصول على الأصوات.
ويضيف خبيصة ليس من الضرورة أن يملأ رأس المال الفراغ السياسي؛ فالمال لا يصنع شرعية سياسية تلقائيًا، ورجل الأعمال لن ينجح في إقامة دولة فلسطينية لم تتمكن القوى السياسية نفسها من الوصول إليها.
في المقابل، قد يستطيع رجل الأعمال تقديم ما هو أكثر تواضعًا وأقرب إلى الحياة اليومية، عبر إعادة ترتيب بعض الملفات المعيشية والاجتماعية، ونقل النقاش من الشعارات السياسية الكبرى إلى أسئلة العمل والدخل والاستثمار والخدمات.
وفي هذا السياق، يرى الناشط السياسي والمجتمعي أنس الأسطة أن “الطبيعة لا تقبل الفراغ”، معتبرًا أن تراجع دور كثير من القوى والأحزاب والشخصيات التي كان يُفترض أن تنخرط في السياسة والعمل العام، على مدار أكثر من عشرين عامًا، خلق فراغًا سياسيًا ومجتمعيًا، بعدما انشغل جزء منها بمصالحه وحساباته الداخلية.
وبحسب الأسطة من الطبيعي أن تحاول قوى أخرى ملء هذا الفراغ، وهو ما قد يفسر، احتمال ظهور تعدد أكبر في القوائم الانتخابية، إلى جانب دخول أصحاب رؤوس الأموال إلى المشهد ومحاولتهم تشكيل قوائم أو حالات انتخابية خاصة بهم.
ويشير إلى أن رأس المال يمتلك بطبيعته الإمكانيات والأدوات التي تمكنه من بناء حضور وتأثير في المشهد، خاصة في ظل ترك الساحة مفتوحة طوال هذه السنوات.
لكن الأسطة يرى أن السؤال الأهم لا يتعلق بحق رأس المال في المشاركة، باعتبار أن هذا الحق متاح للجميع، وإنما بالهدف من هذه المشاركة: ” نحن أمام مشاركة هدفها خدمة الشأن العام وتقديم مشروع سياسي واجتماعي حقيقي، أم أمام محاولة لتحويل القدرة المالية إلى نفوذ سياسي وتمثيل في مواقع صنع القرار؟”.
وبالنسبة إلى الأسطة فإن هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يكون محور النقاش مع دخول رأس المال إلى المنافسة الانتخابية.
الناخب يبحث عن موقف وطني
من جانبها تؤكد أستاذة الدبلوماسية في الجامعة العربية الأمريكية وعضو المجلس الثوري لحركة فتح د. دلال عريقات، في حديث ل”بالغراف” أن من حق كل من يرى في نفسه الكفاءة والقدرة على التمثيل أن يترشح، مشجعةً في الوقت ذاته مشاركة القطاع الخاص في الحياة السياسية.
لكن عريقات ترى أن قدرة رأس المال على منافسة الأحزاب ستُحسم بالبرنامج والأسماء، لا بحجم الموارد المالية، معتبرةً أن “رأس المال الفلسطيني أفضل من التمويل الخارجي للأحزاب”.
وبحسب عريقات، فإن الناخب الفلسطيني يبحث اليوم عن موقف وطني واضح، ونزاهة وحوكمة، تعززها الخبرة والارتباط بحياة الناس في غزة والضفة الغربية والقدس. لذلك، قد تجد قائمة تجمع كفاءات من تخصصات مختلفة، وتمثل النساء والشباب، فرصة حقيقية، بينما لا تضمن القائمة التي تقوم على أصحاب المال وحدهم ثقة الناخب.
وتؤكد أن المجلس التشريعي هو مكان لسن القوانين والرقابة، “لا لعقد الصفقات”.
وفي المقابل، توضح عريقات أن من الحكمة أن تقوم الأحزاب والفصائل بدمج أصحاب المال والشباب والكفاءات المستقلة في قوائمها، وعلى الحزب الحاكم والأحزاب المنافسة الإجابة عن أسئلة الشفافية والمساءلة، معتبرةً أن تراجع الثقة بها قد يفتح المجال أمام قوائم جديدة.
وتشير إلى أن ما يجب أن يحسم اختيار الناخب هو استقلال القرار والبرنامج الوطني التحرري، حتى لا تختزل السياسة الفلسطينية في منطق الاستثمار والصفقات الذي ترى أنه يظهر في مقاربة ترامب.




