جيفارا سمارة
نفسيًا، التذكير بالجريمة قد يهدد صورة الإنسان عن نفسه؛ فمعظم من يرتكبون الجرائم لا يحبون أن يروا أنفسهم بوصفهم “أشرارًا” لذلك ينشأ ما يسمى بالتنافر المعرفي: صراع بين “أنا إنسان محق”، ولتقليل هذا الصراع قد يعترف الشخص بخطئه ويتحمل مسؤوليته، لكنه قد يسلك طريقًا آخر: إنكار الفعل، أو تبريره، أو الأسوأ: مهاجمة من يذكّره به، كما يرى عالم النفس الاجتماعي ليون فستنغر.
ويوضح عالم النفس الاجتماعي إليوت أرونسون: هنا تظهر آليات دفاع نفسي مثل الإسقاط؛ فيتحول التفكير إلى: “هذا الشخص هو السيّئ، إنه يحقد عليّ ويريد تدميري”. وهكذا ينتقل مركز المشكلة في ذهنه من جريمته إلى الشخص الذي كشف الفعل، خصوصًا عندما يكون مصحوبًا بالنرجسية. ومن منظور علم الاجتماع، لا تتعلق الجريمة بالفعل نفسه فقط، بل أيضًا بالسمعة والمكانة والسيطرة على الرواية. وبمرور الزمن قد لا يكون الأمر مجرد كذب واعٍ، فقد يكرر الإنسان الرواية حتى يبدأ جزئيًا في الإيمان بها.
وهناك آلية أخرى تسمى التبرير الأخلاقي، فيبرر المجرم لنفسه: “الجميع يفعل ذلك؛ هم يستحقون؛ الضحية ظلمتني أولًا”. وهنا تحديدًا، الضحية لا تذكّر الجاني بجريمته فقط؛ بل قد تصبح شاهدًا حيًا على صورة عن نفسه لا يريد أن يراها، وتصبح الضحية حتى بعد موتها تهديدًا لهذه السردية؛ لذا يجب أن يسود النسيان وتُشوَّه الذاكرة، بحسب عالم النفس الاجتماعي ألبرت باندورا.
وتواصل عالمة النفس جينيفر فريد رسم المسار: المجرم النرجسي عندما يشعر بالإهانة أو التهديد يندفع في موجة غضب ويلجأ إلى القوة؛ لذا يصب جام غضبه على الضحية، لأن الغضب يساعده على الهروب من شعور لا يحتمله. وهنا تظهر عملية خطيرة هي نزع الشرعية الأخلاقية عن الضحية؛ لا يكفي أن يأخذ منها حقها، بل يحتاج نفسيًا إلى تجريدها من استحقاقها للتعاطف. ولهذا كثيرًا ما يأتي تشويه السمعة بعد الظلم وليس قبله.
صحيح أن الكيانات ليست إنسانًا ضخمًا له نفس واحدة، لكنها تُدار بواسطة بشر. وهناك بالفعل حقل في العلاقات الدولية يسمى الأمن الوجودي/الأنطولوجي للدولة، يدرس كيف تحاول الدول المحافظة على سردية مستقرة عن «من نحن»، وكيف يمكن أن يؤدي التناقض بين هذه السردية وبين أفعال الدولة أو مكانتها إلى القلق والعار ومحاولات إعادة صياغة الماضي أو الحاضر. وبعض الأدبيات الحديثة تتحدث صراحةً عن «عار الدولة» وكيف يمكن أن يقود أحيانًا إلى الدفاع العدواني.
وهنا نأتي للفكرة الأساسية: لماذا يخشى المجرم من نُصُب هنا أو هناك؟ التفسير أن النصب ليس «حجرًا مجردًا» فحسب؛ فهو يجسد ذاكرة أُخرجت من الرأس ووُضعت في المكان. فالذاكرة الموجودة في عقل إنسان يمكن أن تموت بموته. أما عندما تتحول الذاكرة إلى فَقْدٍ، فإنها تخرج من الذاكرة الفردية وتصبح ذاكرة جمعية متجسدة ماديًا. ولهذا فالنصب يقوم بوظيفة أكبر بكثير من حجمه الفيزيائي، كما يؤكد الباحث تمير سوريك في دراسة تابعة لجامعة كامبريدج بعنوان «التخليد الحذر: المحلية والجماعاتية والقومية في النُّصُب التذكارية الفلسطينية».
فيما تأخذ الباحثة لاله خليلي الفكرة إلى مستوى أوسع في كتابها: «أبطال وشهداء فلسطين: سياسات إحياء الذكرى الوطنية»، الصادر عن مطبعة جامعة كامبريدج عام 2007. فدراستها لا تحصر الذاكرة الفلسطينية في النُّصُب الرسمية؛ بل تتتبع «بنية تحتية للذاكرة» أكثر اتساعًا: مقابر الشهداء، والنُّصُب في مواقع المجازر، والجدرانيات والملصقات والصور، والمفاتيح القديمة، وصور القرى المدمرة، والطقوس والاحتفالات وسرد القصص.
وفي فصلها «أشكال التخليد» تبيّن خليلي أن العلاقة بين اللاجئين والمؤسسات السياسية ليست أحادية الاتجاه؛ فتجارب الناس وذكرياتهم توفر المادة التي تُبنى منها روايات التخليد، فيما تعيد ممارسات التخليد بدورها تنظيم تلك الذكريات وتقديمها للأجيال والجمهور في صورة سردية جماعية.
وتخلص خليلي في خاتمة الكتاب إلى أن الاحتفالات والطقوس والنُّصُب ورواية التاريخ تمثل ممارسات أساسية في تخيّل الجماعة الوطنية الفلسطينية، لأنها لا تستعيد الماضي بصورة جامدة فحسب، بل تعيد تفسيره باستمرار وتشارك في تشكيل القصص التي يقولها الفلسطينيون عن أنفسهم وعن تاريخهم وما يتصورونه لمستقبلهم. هنا يصبح النصب أكثر من «شاهد على الماضي»: إنه إحدى الأدوات التي يصنع المجتمع بها استمراره الرمزي بوصفه جماعة ذات تاريخ مشترك.
أما الباحثة غريس ويرمنبول فتضع هذه العلاقة بين الذاكرة والمكان في قلب الصراع على الرواية التاريخية. ففي كتابها «حكاية روايتين: الهولوكوست والنكبة ومعركة الذاكرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين»، الصادر ضمن سلسلة دراسات كامبريدج في الشرق الأوسط عام 2021، تدرس التعليم والطقوس التذكارية والإعلام باعتبارها قنوات أساسية لنقل الذاكرة الجمعية. وفي فصلها «إعادة تشكيل الوطن في الذاكرة والرمز»، تحلل إحياء يوم النكبة والزيارات والعودة الجماعية إلى مواقع القرى الفلسطينية المهجرة، مشيرة إلى أن هذه الممارسات لا تستهدف تذكُّر عام 1948 فقط، بل تعمل بصورة واعية على نقل معرفة النكبة إلى الأجيال الأصغر وربطها باستمرار المطالبة بحق العودة.
وبدأ الجيش الاحتلال، فجر 7 أكتوبر 2026، حملة واسعة في الضفة الغربية لهدم عشرات النُّصُب والصروح التذكارية، في عملية تقول وسائل إعلام إسرائيلية إنها تستهدف نحو 50 نُصُبًا.
ولا تتوافر قاعدة بيانات شاملة تُحصي جميع النُّصُب والتماثيل والجداريات الفلسطينية التي هدمتها القوات الإسرائيلية، إلا أن تتبُّع الحالات المنشورة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 يكشف عن عشرات الوقائع.
ويمكن توثيق ما لا يقل عن 17 نُصُبًا وصرحًا محددًا بالاسم أو العدد في مصادر صحفية حتى مساء 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، فيما تحدثت تقارير سابقة عن تدمير «عشرات» النُّصُب في مخيم جنين وحده، قبل أن يبدأ الجيش الاحتلال حملة جديدة تستهدف نحو 50 نُصُبًا إضافيًا.




