loading

تأجيل الانتخابات الفلسطينية: ترحيب فصائلي وانتقادات تحليلية

محمد عبد الله

أثار قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأجيل الانتخابات التشريعية وتحديد 11 أيلول 2027 موعدًا لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، مواقف متباينة بين الفصائل الفلسطينية، في وقت انتقد فيه محللون وخبراء القرار، معتبرين أن التأجيل لا يعالج أزمة النظام السياسي الفلسطيني، وأن التحديات التي استُند إليها لتبريره كانت معروفة ومتوقعة قبل الدعوة إلى الانتخابات.

وبموجب المرسوم الرئاسي الجديد، أُلغي الموعد السابق للانتخابات التشريعية المحدد في 28 تشرين الثاني 2026، ودُعي الفلسطينيون في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة إلى المشاركة في انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في أيلول/سبتمبر من العام المقبل.

وقالت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية “وفا” إن القرار جاء بناءً على قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفي ضوء مشاورات وطنية مع الفصائل والقوى السياسية، أفضت إلى توافق بشأن المعوقات التي تفرضها الإجراءات الإسرائيلية على إجراء الانتخابات في موعدها السابق، والحاجة إلى تهيئة الظروف السياسية والأمنية والميدانية المناسبة، وإتاحة المجال أمام حوار وطني شامل.

وبينما رحبت فصائل فلسطينية بالقرار وربطت أهميته بضرورة إطلاق حوار وطني شامل، تمسكت مواقف أخرى بضرورة إجراء الانتخابات باعتبارها استحقاقًا وطنيًا وديمقراطيًا لا ينبغي التفريط به، فيما رأى محللون أن المشكلة لا تقتصر على تحديد موعد جديد، بل تمتد إلى غياب التوافق والاستراتيجية الوطنية والضمانات التي تحول دون تكرار التأجيل.

حركة حماس أكدت أن قرار تأجيل الانتخابات التشريعية إلى العام المقبل، في ظل عدم توافر الظروف والمعطيات السياسية والأمنية والميدانية اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة في جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، يجب أن يقود إلى حوار وطني شامل وجاد ومثمر.

وشددت الحركة على جاهزيتها للانخراط في هذا الحوار، بهدف التوافق على ترتيب البيت الفلسطيني ووضع استراتيجية وطنية شاملة.

من جهتها، رحبت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالمرسوم الرئاسي وقرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بشأن تعديل موعد الانتخابات التشريعية، لتُجرى في أيلول 2027 بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية، وكذلك تجميد العمل بالمجمعات الانتخابية للمجلس الوطني والذهاب إلى حوار وطني شامل.

وأكدت الجبهة أهمية البناء على القرار في إطار التفاهمات الوطنية التي شهدتها القاهرة ورام الله، بما يعزز التوافق الوطني ويفتح الطريق أمام معالجة شاملة لأزمة النظام السياسي الفلسطيني.

واعتبرت أن الحوار الوطني الشامل، على قاعدة مبادرتها “خارطة طريق من أجل الإنقاذ الوطني”، يشكل المدخل الضروري لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة وإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية وتشاركية، مع ضرورة مشاركة جميع القوى والفصائل ومكونات الشعب الفلسطيني، وصولًا إلى توافق وطني على أسس الشراكة وآليات إدارة المرحلة المقبلة.

وشددت الجبهة على أن ترجمة هذا المسار تتطلب الانتقال من التفاهمات السياسية إلى خطوات تنفيذية ملزمة، تستند إلى أجندة زمنية واضحة وآليات محددة للمتابعة والتنفيذ، وفي مقدمتها إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتطوير مؤسساتها على قاعدة الشراكة الوطنية.

في المقابل، جددت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تمسكها بإجراء الانتخابات العامة، رغم قرار التأجيل. وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وعضو المكتب السياسي للجبهة رمزي رباح إن اجتماع اللجنة التنفيذية الذي عُقد ظهر السبت شهد نقاشًا واسعًا بشأن الخيارات الوطنية المطروحة، خاصة الانتخابات العامة والحوار الوطني الشامل.

وأوضح رباح أن الانتخابات العامة للمجلسين التشريعي والوطني تمثل مدخلًا إجباريًا لتجديد شرعية المؤسسات الوطنية وإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية وتشاركية، تعزز ثقة الشعب بمؤسساته وتكرس حقه في اختيار ممثليه.

وأكد تمسك الجبهة بالخيار الديمقراطي، مشددًا على أن تأجيل الانتخابات بالصيغة المطروحة لا يعالج الأزمة الداخلية، بل يسهم في إطالة أمد الانقسام، ويبقي النظام السياسي في حالة من الجمود والتراجع، ويعمق الفجوة بين المؤسسات الوطنية وقطاعات واسعة من الفلسطينيين، ولا سيما الشباب الذين يتطلعون إلى التغيير والمشاركة في صنع القرار.

وأضاف أن الجبهة ستواصل المطالبة بإجراء الانتخابات باعتبارها أحد المداخل الضرورية لمعالجة الأزمة السياسية والمؤسسية وتجديد الشرعيات واستعادة الحياة الديمقراطية، إلى جانب إعادة بناء الوحدة الوطنية على قاعدة الشراكة الحقيقية والتوافق على استراتيجية وطنية جامعة.

يأتي ذلك فيما، رفض رئيس قائمة وطن الانتخابية ونائب رئيس المجلس التشريعي سابقًا حسن خريشة قرار التأجيل، معتبرًا أن استمرار العبث بالساحة الداخلية الفلسطينية من خلال قرارات ومراسيم تتسم بالارتجالية والتخبط والتراجع عنها “أمر لم يعد مقبولًا لأحد”.

وقال خريشة إن الانتخابات كانت تُقدَّم بالأمس باعتبارها مطلبًا وطنيًا وممرًا إجباريًا للحفاظ على الكيانية الفلسطينية، بينما يجري اليوم تأجيلها أو إلغاؤها بحجة أنها مطلب وحاجة وطنية.

وأعلن، بصفته رئيسًا لقائمة وطن التي سُجلت لدى لجنة الانتخابات المركزية، رفضه ورفض أعضاء القائمة القاطع لهذا الإجراء، معربًا عن لومه وعتبه على الفصائل والقوى وأعضاء اللجنة التنفيذية الذين شكلوا غطاءً للتأجيل، وكذلك لجنة الانتخابات المركزية.

وأوضح أن القرار يكرس، وفق تقديره، استمرار الهيمنة والتفرد واغتصاب الشرعية والسلطة بحكم الأمر الواقع، ويصادر حق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه، بعد حرمانه من هذا الحق لأكثر من عشرين عامًا.

وربط خريشة التأجيل أيضًا بالخوف من الفشل لدى المتنفذين وعدم قدرتهم على المنافسة وتحقيق نتائج تبقيهم في المشهد السياسي والسلطة والمنظمة، معتبرًا أن الحوار الوطني استُخدم غطاءً لإلغاء الانتخابات، رغم انعقاده أكثر من عشرين مرة على مدار سنوات طويلة من دون تحقيق نتائج ملموسة.

وقال إن الأغلبية العظمى من الفلسطينيين في الداخل والشتات لم تعد تصدق المراسيم والقرارات بسبب تكرارها والتراجع عنها، مضيفًا أن الأمر لا يقتصر على الفلسطينيين، بل يشمل العرب، وعلى رأسهم المصريون والأوروبيون والمانحون.

من جهته، رأى مدير مركز مسارات هاني المصري أن الخطأ لم يبدأ بتأجيل الانتخابات، بل بالدعوة إليها من دون توفير الحد الأدنى من متطلبات إجراء انتخابات حرة ونزيهة واحترام نتائجها، ومن دون الالتزام بوضع خطة للإنقاذ الوطني تتضمن موعدًا جديدًا للانتخابات ضمن ميثاق يلتزم به الجميع، ويشمل الاعتراف بالنتائج والاحتكام إلى قواعد عمل مناسبة لحركة تحرر وطني.

وقال المصري إن المعضلة الكبرى تتمثل في استمرار غياب الرؤية والاستراتيجية والقيادة الموحدة، والتعامل مع الانتخابات باعتبارها حلًا للأزمة أو عصًا سحرية، مؤكدًا أنه لا تغيير بالانتخابات وحدها، ولا بغيرها، ما لم تتوافر قوى تغييرية واقعية ووطنية وثورية ذات وزن ومتميزة عن الواقع القائم.

وفي تفسيره لأسباب التأجيل، أشار إلى تدخل الاحتلال في مختلف مراحل العملية الانتخابية، والانقسام وغياب التوافق الوطني، إلى جانب ما وصفه بانفراد الرئيس بالقرار، وعدم جاهزية القيادة والفصائل، وفوضى حركة فتح وانقسامها.

كما انتقد ما اعتبره تخبطًا وارتجالًا في إجراءات الانتخابات وقوانينها، وطرح بدائل متعددة لتركيبة المجلس التشريعي، وفرض قيود على الترشح، إلى جانب رفض إسرائيل مشاركة حماس وتهديد فصائل المقاومة بالاستهداف في حال خوضها الانتخابات.

وتساءل المصري عما إذا كان يمكن اختصار أسباب التأجيل في مبادرة الجبهة الشعبية وتوصيات الفصائل التي اجتمعت في القاهرة، أم أن هذه المبادرة والتوصيات استُخدمت مخرجًا للتأجيل. ودعا إلى بناء نظام سياسي فاعل وقيادة شرعية تعددية ذات مصداقية، تقوم على مشروع وطني يرتكز إلى التوافق والبرنامج الوطني والانتخابات.

بدوره، قال مدير مركز ثبات للبحوث جهاد حرب إن الأصل أن تُجرى الانتخابات التشريعية والرئاسية بالتزامن، باستثناء حالات خاصة، مشيرًا إلى أن هذا ما نص عليه القانون، وأن مؤسسات المجتمع المدني طالبت بالتزامن، بسبب انتهاء ولاية الرئيس وضرورة تجديد الشرعية الانتخابية لكلا المنصبين، إلى جانب توحيد العوامل النفسية للناخبين خلال التصويت.

واعتبر حرب أن الأسباب المعلنة لتأجيل الانتخابات غير مقنعة، موضحًا أن التحديات والظروف الراهنة لم تكن مستحدثة، بل كانت متوقعة، وبالتالي لم يكن منطقيًا تأجيل الانتخابات بسببها.

وأضاف أنه إذا أُجريت الانتخابات بعد عام، فعلى السلطة أن تؤكد أنها لا رجعة عنها، معتبرًا أن هذه الفترة قد تتيح للحراكات الاجتماعية التي تشكلت أن تحدد مواقفها وتخاطب المجتمع الفلسطيني وتستعد للمشاركة في الانتخابات المقبلة، رغم أنه كان يفضل إجراءها في موعدها.

ورأى حرب أن القرار يمثل ترحيلًا للأزمات والتحديات، وقال إن الفصائل الفلسطينية لم تتفق على مدار عشرين عامًا سوى على تأجيل الانتخابات. واتهم حركتي فتح وحماس بالسعي إلى إضاعة الوقت، بهدف الإبقاء على مكانتهما في الحكم وانتظار حدوث تغيير دولي قد يساعد على استمرار نفوذهما.  

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني