فاطمة الخطيب
في غزة، لم تكن الصحفيات اللواتي نقلن أخبار الإبادة خارج الحكاية التي وثّقنها؛ كنّ يعشن تفاصيلها فيما يحاولن نقلها إلى العالم. خلف الكاميرات والتقارير التي حملت صور القصف والتجويع والنزوح، كانت هناك صحفيات يواصلن العمل في ظروف استثنائية، فيما بقيت تجاربهن الشخصية، وما تركته هذه التجربة فيهن، أقل حضورًا من القصص التي نقلنها عن الآخرين.
من هنا، لا يقتصر مؤتمر “الإعلاميات يتحدثن”، الذي تنظمه مؤسسة “فلسطينيات” يومي 11 و12 نوفمبر 2026، على إتاحة مساحة للصحفيات الفلسطينيات في قطاع غزة لسرد شهاداتهن؛ بل ينطلق من سؤال يتصل بكيفية الاستماع إلى هذه الشهادات، وحفظها، والتعامل معها بما يراعي الصدمات التي مرّت بها صاحباتها، ويمنح روايتهن مكانًا في الذاكرة الفلسطينية.
تقول مديرة مؤسسة فلسطينات، وفاء عبد الرحمن، في حديثها لـ”بالغراف”، إن الاسم الأصلي للمؤتمر هو “شهادات واعية للصدمات” وهو اختيار يعكس مقاربة لا تفصل الشهادة عن الظروف النفسية التي تمر بها الصحفية حين تستعيد الأحداث التي عاشتها. فالمسألة، وفق عبد الرحمن، ليست تسجيل ما جرى فحسب، بل تهيئة الصحفيات لسرده بطريقة تتيح إيصال الرسالة، دون أن تتحول عملية التوثيق إلى استنزاف جديد لهن.
من تأجيل المؤتمر إلى وضع غزة في قلبه
كان من المفترض أن تعقد “فلسطينيات” مؤتمرها السنوي الثامن في أكتوبر 2023، لكن اندلاع الإبادة في قطاع غزة دفع المؤسسة إلى تأجيله أو تعليقه. وبعد ثلاث سنوات، يعود المؤتمر بتركيز مختلف؛ إذ خُصص بالكامل لصحفيات غزة، خلافًا للدورات السابقة التي كانت تتناول تجارب الصحفيات في الضفة الغربية وقطاع غزة بالتوازي.
توضح عبد الرحمن أن قرار تخصيص هذه الدورة لغزة يرتبط بخصوصية التجربة التي عاشها الصحفيون والصحفيات هناك، وبالحاجة إلى إتاحة مساحة لما لا تزال الصحفيات يحملنه من شهادات. وتقول إنهن “لديهن الكثير ليقلنه”، بعد سنوات من التغطية في ظل التجويع والإبادة والاستهداف والحصار.
لكن تخصيص المؤتمر لصحفيات غزة لا يعني، في نظر المؤسسة، اختزالهن في موقع الشاهد على معاناة الآخرين. فالمؤتمر يسعى إلى نقل الصحفيات أنفسهن إلى مركز الحكاية، بعدما اعتادت الكاميرا أن تكون في أيديهن، وأن تتجه إلى ما يجري حولهن، فيما تبقى تجاربهن خارج الصورة.
وتقول عبد الرحمن: “أردنا أن نقول لهن: أنتن أصل الحكاية، وقد حان الوقت أن تكنّ أنتن الصورة والخبر والصوت” بهذه الفكرة، تتحول الشهادة من مادة توثيقية عن الإبادة إلى مساحة تستعيد فيها الصحفيات حقهن في رواية ما عشنه، لا ما شاهدنه فقط.
الشهادة ليست تسجيلًا للوجع
منذ بدء الإبادة، عملت “فلسطينيات” على تسجيل شهادات فلسطينيين وفلسطينيات من فئات عمرية واجتماعية مختلفة، من الصحفيين والصحفيات إلى الأطفال والنساء والرجال وكبار السن. وتضع عبد الرحمن هذا العمل ضمن مسؤولية المؤسسة في حفظ الذاكرة الفلسطينية وتوثيق الإبادة، مشيرة إلى أن الشهادات قد تصبح، في مرحلة لاحقة، جزءًا من المساعي الرامية إلى محاسبة الاحتلال.
وترتبط هذه المسؤولية، كما تشرح، بمسألة أوسع من التوثيق نفسه: من يمتلك حق رواية الحكاية الفلسطينية؟ تقول عبد الرحمن إن الفلسطينيين والفلسطينيات أحق الناس برواية تجربتهم، وإن استعادة هذا الحق جزء من مواجهة واقع يتحدث فيه الآخرون عن الفلسطينيين، بينما تُقيّد قدرتهم على تقديم روايتهم بأنفسهم.
وتضيف أن حفظ الذاكرة الفلسطينية ارتبط تاريخيًا بالنساء، وأن العمل على شهادات الصحفيات امتداد لهذا الإرث، من الجدات والأمهات إلى النساء اللواتي يوثّقن التجربة الفلسطينية اليوم.
غير أن استعادة الشهادة لا يمكن أن تتم بمعزل عن أثرها في صاحبتها. وهنا تبرز إحدى النقاط الأساسية التي تميز المؤتمر: لم ترد المؤسسة أن تتعامل مع الصحفيات باعتبارهن وسيلة لتسجيل الأحداث، يستعدن التجربة أمام الكاميرا ثم يغادرن، من دون الالتفات إلى ما تفعله هذه الاستعادة بهن.
وتقول عبد الرحمن إن المؤسسة خصصت ورشات للتهيئة النفسية، بمشاركة اختصاصيين واختصاصيات نفسيين، لمساعدة الصحفيات على الاستعداد لتقديم شهاداتهن. وكان الهدف، وفق حديثها، أن يتمكنّ من استحضار الأحداث المؤلمة وإيصال رسالتها، من دون أن يتحولن إلى ما وصفته بـ”آلات تسجيل” تضغط عليها لتعيد إنتاج ما حدث.
ولا تعني هذه التهيئة أن الصحفية لن تنفعل أو تبكي أثناء الشهادة؛ فلكل واحدة قدرتها على التحمل. لكنها تعني، بحسب عبد الرحمن، محاولة الحفاظ على مساحة من التوازن النفسي والإنساني، بحيث لا يكون ثمن التوثيق إعادة استنزاف من يوثّقن.
وتقول إن المؤسسة فوجئت بحجم رغبة الصحفيات في الحديث، سواء أمام الكاميرات أو عبر شهادات مباشرة خلال المؤتمر. وعلى إثر ذلك، قررت تصوير شهادات الصحفيات اللواتي شاركن في ورشات التهيئة النفسية، مع إبقاء المشاركة في التصوير اختيارية، احترامًا لرغبة كل صحفية وحدودها.
وترى عبد الرحمن أن مشاركة التجارب قد تتيح للصحفيات مساحة للتعبير عما مررن به، لكنها تحمل أيضًا رسائل تتصل بالصمود والقدرة على مواصلة العمل والتغطية رغم الظروف التي عاشها القطاع. لذلك، لا تُقدَّم الشهادات، وفق تصور المؤسسة، لاستدرار البكاء، بل لإظهار الصحفيات بوصفهن صاحبات تجربة مهنية وإنسانية تستحق أن تُروى وتُفهم.
محاكمة بروتوكولات لم تحمِ الصحفيين
لا تقف محاور المؤتمر عند الشهادات الفردية؛ إذ يضع مساءلة منظومات الحماية والسلامة المهنية في صلب النقاش. وتنتقد عبد الرحمن استمرار المؤسسات المعنية بدعم السلامة والحماية في العمل بالبروتوكولات المعمول بها، من دون مراجعة كافية لمدى ملاءمتها للواقع الذي واجهه الصحفيون والصحفيات في غزة.
وتقول إن إحدى جلسات المؤتمر ستتناول هذه البروتوكولات بوصفها موضوعًا للمساءلة، سواء تعلق الأمر بحماية الصحفيين والصحفيات أو بحماية النساء. وستشارك في النقاش أصوات من النسوية الفلسطينية في قطاع غزة، إلى جانب مدرب في السلامة المهنية وصحفي من القطاع.
والسؤال الذي تطرحه الجلسة يتجاوز تقييم الإجراءات المتبعة: ماذا يحدث حين لا تعود القواعد المصممة للحماية قادرة على الاستجابة لواقع ميداني استثنائي؟ وكيف يمكن الاستمرار في تدريب الصحفيين وفق مناهج وبروتوكولات لم تُراجع بما يكفي في ضوء ما واجهته الصحافة في غزة؟
وترى عبد الرحمن أن ما جرى يفرض إعادة النظر في مناهج الصحافة وبروتوكولات السلامة والحماية، وصولًا إلى إعادة كتابتها بما يستجيب للواقع. فغزة، وفق حديثها، تضع المؤسسات المهنية أمام أسئلة لا يمكن تجاوزها بشأن معنى حماية الصحفيين والصحفيات، وحدود الإجراءات التي يفترض أن تضمن سلامتهم.
ويأتي هذا النقاش ضمن برنامج يضم جلسة عن الآثار النفسية والاجتماعية للإبادة على الصحفيات، تتناول الخيارات المستحيلة التي واجهنها، بمشاركة مختصين وصحفيات يقدمن شهاداتهن. كما يتضمن المؤتمر جلسة بعنوان “العمل الحر في زمن الإبادة”، تبحث تحديات العمل المستقل في ظروف الحرب.
وفي جلسة أخرى، تستعيد المؤسسة ذكرى الصحفيات الشهيدات من خلال شهادات تقدمها صديقات لهن، بالتوازي مع معرض “نزف الحبر.. شقائق النعمان”، المخصص للصحفيات الشهيدات. ويجمع هذا المحور بين استحضار من فقدن حياتهن أثناء التجربة الصحفية، والتفكير في ما تتركه خسارتهن في ذاكرة المهنة وزميلاتهن.
أما اليوم الثاني، فيتضمن طاولة مستديرة تتناول تأطير غزة من منظور نسوي، وكيف تظهر غزة والنساء في الإعلام، بمشاركة نسويات فلسطينيات وأجنبيات. ويختتم البرنامج بجلسة حول العنف الجنسي الممنهج المنسوب إلى الاحتلال الإسرائيلي، يُعرض خلالها تقرير أعدّه التجمع النسوي الفلسطيني، وفق ما أوضحته عبد الرحمن.
ولا تنفصل هذه المحاور عن محاولة المؤسسة نقل النقاش من وصف ما حدث إلى مساءلة الأدوات والمناهج التي تعاملت معه، وما ينبغي تغييره في العمل الصحفي والنسوي والمؤسسات المعنية بالحماية.
مؤتمر بين غزة والقاهرة والعالم
يُعقد المؤتمر بصيغة تجمع المشاركة الوجاهية في قطاع غزة والقاهرة، إلى جانب مداخلات عبر الإنترنت من مشاركين ومشاركات من دول مختلفة. وتوضح عبد الرحمن أن هذه الصيغة تتيح جمع الصحفيين والصحفيات الموجودين في غزة مع زملائهم الذين اضطروا إلى النزوح إلى مصر، ومع الأصوات المشاركة من خارج المنطقة.
وتصف عبد الرحمن تنظيم مؤتمر “هجين” في هذه الظروف بأنه تحدٍّ كبير، مشيرة إلى اعتماد منصة “رينغ سنترال” لعقد الجلسات وربط المشاركين. كما تلفت إلى أن ضعف الإنترنت في قطاع غزة يظل تحديًا، لا سيما خلال الجلسات المسائية، ولذلك تتابع المؤسسة مع الصحفيات المشاركات بصورة فردية للتأكد من قدرتهن على الاتصال.
كما يضم المؤتمر مشاركة دولية، في محاولة لإيصال النقاش إلى المؤسسات والأوساط الصحفية خارج فلسطين، ووضعها أمام التجربة التي عاشتها الصحفيات في غزة، والأسئلة التي تثيرها بشأن التغطية والحماية والمسؤولية المهنية.
وفي حديثها عن المؤسسات التي اعتذرت عن المشاركة، تعبّر عبد الرحمن عن ألمها من غياب بعض الجهات، في مقابل ما تصفه بترحيب وفخر من مشاركات دوليات على المستوى الفردي. وتقول إن هذا التباين يطرح أسئلة حول قدرة المؤسسات القائمة على مراجعة مواقفها وأدوارها بعد ما جرى في غزة، والحاجة إلى إصلاحها أو إعادة بنائها.
من التعاطف إلى خطة عمل
بالنسبة إلى “فلسطينيات”، لا يُقاس أثر المؤتمر بمدى تأثر الجمهور بالشهادات وحده. فعبد الرحمن تؤكد أن الهدف ليس استدعاء البكاء، بل إبراز قوة الصحفيات الفلسطينيات وقدرتهن على مواصلة العمل، ودفع المؤسسات المعنية إلى الاعتراف بما تكشفه تجربة غزة من قصور في منظومات الحماية والمناهج المهنية.
وتقول إن المؤسسة تريد أن تتحول الشهادات إلى عامل يحرك الفعل، لا أن تبقى مساحة للحديث عن الألم. ولهذا، لا تنتهي الفعالية عند تقديم الأوراق والمداخلات؛ إذ تتضمن الجلسة الختامية العمل على توصيات وخطة منظمة للضغط، بهدف جذب الاهتمام إلى أوضاع الصحفيين والصحفيات في غزة، ودعم صمودهم، وتكريم ما قدموه خلال الإبادة.
وإلى جانب الجلسات الرئيسية، خصصت المؤسسة ورشات جانبية انطلاقًا من أسئلة واحتياجات طرحها الصحفيون والصحفيات، بهدف البحث عن إجابات وحلول عملية لبعض التحديات التي يواجهونها. وتدعو عبد الرحمن الصحفيين والصحفيات في الضفة الغربية إلى متابعة المؤتمر والمشاركة في ورشاته، التي تسعى إلى الجمع بين القراءة النقدية للتجربة ومحاولة الاستجابة للأسئلة المهنية المطروحة.
فالشهادة، في هذا السياق، ليست نهاية الحكاية، ولا مجرد استعادة لما حدث. إنها محاولة لاستعادة حق رواية التجربة، وحفظ الذاكرة، وتحويل ما تقوله الصحفيات عن واقعهن إلى أسئلة لا تستطيع المؤسسات الصحفية والحقوقية أن تتجاوزها. وبين الحاجة إلى توثيق ما جرى، وضرورة مراعاة من يروينه، يطرح المؤتمر تحديًا يتجاوز يوميه: كيف يمكن للعالم أن يستمع إلى الصحفيات الفلسطينيات، ثم يتعامل بجدية مع ما تكشفه شهاداتهن؟




