loading

التعايش الفائر: حياة على حافة المواجهة

نانسي رضوان

يطل الصباح على فلسطين، وتنساب أشعة الشمس الذهبية من بين أغصان الزيتون، فتوقظ الحقول من سكونها، وتلقي بضوئها على أسطح البيوت المتناثرة على سفوح التلال، تتعالى أصوات العصافير، وتتصاعد رائحة الخبز المقرمش وزيت الزيتون والزعتر والقهوة من البيوت، فيما يفتح الفلاحون أبواب حقولهم، والنساء في أعمالهن، وتدّب الحركة في الأزقة والطرقات.

لكن خلف هذا المشهد الدافئ، تختبئ تراجيديا أرضٍ جُبل ترابها بالدماء، ولم تجفّ جراحها بعد؛ أرضٍ تتدلّى على جدران بيوتها أُطُر عتيقة، تحتضن صوراً بهتت ملامحها وأكل الزمن أطرافها، لوجوه غاب أصحابها وبقيت العيون معلّقة بانتظار عودتهم، صورٌ لم تعد تحتفظ بوضوح بملامح أصحابها، لكنها لا تزال حاضرة في ذاكرة من ينتظرونهم، آهٍ يا فلسطين، كم يبدو صباحكِ جميلاً، وكم يثقل قلبكِ من حكايات.

ولعل هذا المشهد، بما يحمله من تناقض بين جمال الحياة وثقل الذاكرة، هو ما أعادني إلى جزيرة كريت اليونانية، وأنا أقرأ رواية «الحرية أو الموت» للكاتب نيكوس كازانتزاكيس.

هناك، في جزيرة تبدو للوهلة الأولى غارقة في خضرتها وهدوئها، يرسم الكاتب مجتمعاً يعيش على إيقاع صراع لم يخمد؛ فالكريتيون والأتراك يتقاسمون الأسواق والطرقات، وتتقاطع تفاصيل حياتهم اليومية، لكن خلف هذا التجاور تختبئ ذاكرة مثقلة بالدماء والانتقام والعداء المتوارث.

في كريت التي يرسمها كازانتزاكيس، لم يكن الانقسام مجرد اختلاف في الدين أو الهوية، بل كان حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات بين السكان، جزيرة يتجاور فيها الكريتيون والأتراك، وتجمعهم الأسواق والطرقات، بينما تفرقهم ذاكرة طويلة من الصراع والدماء، وعلى امتداد الرواية، ينسج كازانتزاكيس مشاهدها بإيقاع ملحمي، كأنه يعزف على أوتار صراع لا يهدأ؛ فينقل القارئ بين لحظات الحياة العادية والانفجارات المفاجئة للتوتر، ويكشف كيف يتسلل العداء إلى العلاقات والتفاصيل اليومية، حتى يصبح الهدوء نفسه مشوباً بانتظار المواجهة.

وفي قلب هذا المشهد، يضعنا الكاتب أمام شخصيتين تختصران جانباً من هذا التناقض: الكابتن ميخايليس، الكريتي الذي لا يفارقه حلم تحرير الجزيرة من الحكم العثماني، ونوري بيك، التركي الذي تتشابك علاقته به بين المصافحة والعداء، وبين ما تفرضه اللحظة وما يستدعيه الماضي.

كان الكابتن ميخايليس يحمل في داخله أكثر من مجرد حلم بتحرير كريت؛ فقد بدا وكأنه يحمل تاريخ الجزيرة كله على كتفيه، بما فيه من هزائم ودماء وذكريات لم تندمل.

لم يكن يخفي عداءه للأتراك، بل كان يترجمه في تصرفاته واستفزازاته المتكررة لهم، وكأن وجودهم أمامه يذكّره باستمرار بما يراه اغتصاباً لأرضه، وعلى الضفة الأخرى، كان نوري بيك يعيش صراعاً مختلفاً؛ فوالده قُتل على يد كوستاروس، شقيق ميخايليس، لتبقى جريمة الماضي حاضرة في نفسه، حتى حين جمعته الظروف بقاتل أبيه وأخيه بالدم.

لم تكن هذه اللقاءات تمرّ دائمًا بسلام؛ فالغضب الذي يحمله كل طرف تجاه الآخر كان يجد طريقه إلى الشوارع والأحياء، فيتحول أحيانًا إلى استفزاز متعمّد، وأحيانًا إلى اعتداء يطال ممتلكات الطرف الآخر ورموزه.

كان أحدهم يقتحم مساحة الآخر ليهينها أو يكسر حرمتها، فيأتي الردّ من الجهة المقابلة، وتظلّ دائرة الاستفزاز والانتقام مفتوحة.

وكلما وقعت حادثة اعتداء أو طعن أو قتل، سارع الطرفان إلى احتواء الموقف، وعقد هدنة تحول دون اتساع دائرة الدم، تهدأ المواجهات، وتعود الحياة إلى مسارها، لكن الهدنة لا تمحو الضغينة ولا تطفئ رغبة الثأر لدماء الأهل.

وما هي إلا فترة حتى يتجدد الاعتداء، فتعود الدائرة من جديد، من هذا التناقض بين حياة يومية تستمر وعداء لا يخمد، يتشكّل ما يمكن أن نسمّيه “التعايش الفائر”؛ أن يتقاسم الطرفان المكان، فيما يضمر كل منهما للآخر رغبة في الانتقام، ويظلّ السلام بينهما مجرد هدنة تنتظر شرارة الانفجار.

ولعلّ هذا المشهد، على اختلاف زمانه ومكانه، ليس بعيداً عن تفاصيل نعيشها في فلسطين؛ حيث تتقاطع الحياة اليومية مع واقع الصراع، وتفرض اللقاءات والاحتكاكات المتكررة نفسها على الناس، فيما تظلّ الذاكرة مثقلة بالفقد والاعتداءات والخوف، نلتقي، ونعبر الطرق ذاتها، ونحاول مواصلة حياتنا وسط واقع لا يمنحنا فرصة حقيقية للانفصال عن الصراع، لكن التشابه هنا لا يعني تطابق التجربتين؛ فالحياة الفلسطينية تجري تحت الاحتلال، بما يحمله من سيطرة على الأرض وقيود على الحركة وتهديد مستمر للحقوق والوجود.

في فلسطين، لا يحتاج الصراع إلى مناسبة كبرى كي يفرض حضوره؛ فقد يكفي حاجز يعطّل طريقاً، أو اقتحام يبدّد هدوء بلدة، أو اعتداء يترك عائلة أمام خسارة جديدة، وبين هذه الأحداث، يستمر الناس في الذهاب إلى أعمالهم، وفتح متاجرهم، وإعداد قهوتهم، والتخطيط لأيامهم، لكن الحياة لا تمضي بمعزل عمّا يحدث حولها، فالذاكرة هنا لا تُترك خلف الأبواب، والخوف ليس طارئاً على تفاصيل اليوم، بل جزء من واقع يتكرر بأشكال مختلفة.

لكن الصراع في كريت لم يبقَ حبيس هذه اللقاءات والهدن المتقطعة؛ فخلف كل مواجهة كانت تتراكم أسباب انفجار أكبر، لم يكن ميخايليس يرى في معركته مجرد خصومة مع الأتراك، بل كان يحمل حلم تحرير الجزيرة، وظل متمسكاً به حتى النهاية، فيما كانت الدماء والانتقامات تزيد الهوة اتساعاً بين أبناء المكان الواحد، ومع تصاعد الأحداث، خرج الصراع من حدود المواجهات الفردية إلى انتفاضة دامية، لم تعد فيها المسألة مرتبطة بثأر شخص أو عائلة، بل بمصير جزيرة بأكملها، وهنا تتضح مأساة التعايش الفائر: حين تعجز الهدن عن معالجة جذور الصراع، وتصبح الحياة اليومية مجرد فاصل قصير بين مواجهة وأخرى.

وهذا المشهد، وإن اختلفت جذوره وموازين القوة فيه، يستحضر واقع الحياة الفلسطينية؛ حيث تبدو الأيام أحياناً وكأنها فواصل قصيرة بين مواجهة وأخرى، فبين اقتحام بلدة، واعتداء مستوطنين على أراضي المزارعين وحقول الزيتون، وتجريف أرض أو الاستيلاء عليها، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام جولة جديدة من الخوف والخسارة، قد يعود المزارع إلى أرضه بعد اعتداء، وقد تفتح العائلة أبواب منزلها في صباح يبدو عادياً، لكن ذلك لا يعني أن التهديد انتهى أو أن الحياة استعادت أمانها، فالأحداث تتوالى، والذاكرة تحتفظ بتفاصيلها، فيما يحاول الناس التمسك بأرضهم ومواصلة حياتهم رغم كل ما يهددها، وهكذا، لا تبدو الحياة اليومية نهايةً للصراع، بل فاصلًا قصيراً بين مواجهة وأخرى.

في المشهد الأخير، يمضي الكابتن ميخايليس متمسكاً بحلمه في تحرير كريت، حتى تنتهي حياته بمشهد تراجيدي مأساوي، ويبقى الصراع أكبر من مصير رجل واحد، وهنا تعود فكرة «التعايش الفائر» بكل ما تحمله من تناقض؛ فخلف الأسواق التي تستعيد ضجيجها، والبيوت التي تفتح أبوابها كل صباح، والاتفاقيات التي تؤجل المواجهات، تظلّ جراح الماضي حاضرة، وتظلّ أسباب الصراع قائمة، كأن الحياة في كريت لم تكن سوى محاولة متكررة للتنفس بين موجتين من العنف.

ومن كريت إلى فلسطين، يبدو هذا التناقض أكثر قسوة؛ فليس التعايش أن يستيقظ الناس كل صباح ليواصلوا حياتهم رغم الاعتداءات، أو أن يتأقلموا مع الخوف بوصفه جزءًا من يومهم، وليس الهدوء الذي يلي اقتحاماً أو اعتداءً دليلًا على أن الجرح التأم، ولا أن الأرض استعادت أمانها، إن أخطر ما يخلّفه الصراع الممتد هو أن يتحول الاستثناء إلى اعتياد، وأن يصبح انتظار المواجهة جزءًا من إيقاع الحياة.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني