جيفارا سمارة
ليس ما يجري في شمال الضفة الغربية المحتلة منذ يومين، العدوان الأول من نوعه ولكنه الأعنف، مع اعتراف الجيش بتنفيذ أكثر من 200 عملية عملية عسكرية واسعة منذ يومين، وسط أنباء عن إعدامات ميدانية استخدمت فيها الطائرات، ونشرت خلالها في محافظة طوباس وحدها 3 الوية، فيما يواصل الاحتلال ومستوطنيه جرائمهم بشكل مكثف بمحافظة رام الله منذ أشهر، وكذلك الأمر في جنوب الضفة.
وعلى وقع التصعيد غير المبرر، نعيد في “بالغراف” قراءة تقرير غاية في الأهمية نشرته منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية الحقوقية في شهر تموز الماضي بعنوان “إبادتنا”، الذي استعرضت خلال جرائم الحرب والإبادة في قطاع غزة، وحذرت فيه في الوقت ذاته من أن كل المؤشرات تشي بأن ذات الفظائع من: القتل، الهدم، التجويع، الشيطنة ونزع الإنسانية عن مواطني الضفة، ضرب القطاع الصحي، إبادة القطاع التعليمي، الترحيل والتهجير القسري، تهيئة المناخ العام إسرائيليًا ودوليًا لارتكاب جرائم إبادة وتطهير عرقي، استهداف مخيمات اللاجئين بشكل خاص…وغيرها ستقود إلى جرائم “إبادة” في الضفة كحال غزة.
الإبادة حضر لها بإتقان منذ عقود
يحلّل التقرير الظروف والعوامل التي أفضت لارتكاب جرائم حرب والإبادة، في قطاع غزّة لم يأت نتيجة هلع وُجوديّ فقط، وإنّما يعكس أيضًا اختيارًا واعيًا لتخيُّل مُستقبل خالٍ من الفلسطينيّين”، بحسب وصف بتسيلم.
ويؤكد أن الإبادة تحدث دائماً ضمن سياق ظروف تُتيح ارتكابها، وأحداث تحفّزها وأيديولوجية توجّهها لأكثر من 70 عامًا من نظام حُكم قمعيّ عنيف وتمييزيّ ، ومنظومة تعمل وفق آلية تسخّر كل أجهزة الدولة منذ مراحل الاستيطان الصهيونّي المُبكرة 1948، لضمان الفوقية سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيّاً وثقافيًّا.
وتعتبر المنظمة أن التجريد من الصفات الإنسانية والتحريض هما مكوّنان متأصلان في توجه أي نظام لتنفيذ إبادة جماعيّة وأداتين مركزيتين في العملية التي يتم خلالها إخراج الضحايا إلى خارج “عالَم الالتزام الأخلاقي” الخاص بالمنفّذين، كما أسمته عالمة الاجتماع هيلين فاين.
في جميع حالات الإبادة الجماعيّة المعروفة في العصر الحديث، استخدمت الأنظمة التي ارتكبت الإبادة الجماعيّة هاتين الآليتين بشكل منهجي، سواء لخلق قوة دافعة نحو العمل العنيف أو لمنحه تبريرًا أخلاقيًا واجتماعيًا وسياسيًا.
ويلفت التقرير إلى تجريد الفلسطينيين من الصفات الإنسانية والتحريض ضدهم موجهان لسكان قطاع غزة حيث جرى تصويرهم أكثر من مرة، في الخطاب العام وعلى ألسن صنّاع القرار، كمجموعة من الأعداء المتعطشين للدماء، أما في الضفة الغربية فقد أعلن “سموتريتش” أن “هناك مليونّي نازيّ” في الضفة، وأن بلدات الضفة يجب أن تبدو مثل جباليا”، حيث أيده وزير الجيش “يسرائيل كاتس” بالقول: “إسرائيل ستعمل إذا لزم الأمر في الضفة بطريقة مماثلة لتلك التي عملت بها في قطاع غزة.
ويضيف: “التشوه المفهوميّ الإدراكّي الأخلاقّي العميق الذي تجذر في المجتمع الإسرائيلي أدى لتجريد منهجي للفلسطينيين من إنسانيتهم سواء كانوا سكان قطاع غزة أو سكان الضفة الغربية أو أسرى فلسطينيين إلى واقع يُصوَّر فيه تدمير المجتمع الفلسطيني ليس كأمر شرعيّ فحسب، بل كضرورة أمنية وأخلاقية”.
وتذكر بتسيلم أنه ومن وجهة نظر القانون الدولي، يشكل “التحريض المباشر والعلني على ارتكاب إبادة جماعيّة” جريمة بحد ذاتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعيّة (1948 ، المادة 3 )ج.]( كذلك القانون الجنائي في إسرائيل يتناول الموضوع بحظر “نشر شيء ما بهدف التحريض على العنصرية” 44[ ب)أ]( وحظر “التحريض على فعل عنف أو إرهاب ضد جمهور أو جزء منه” 44[ د)2أ.]( وفي إطار البند (2)3 لقانون منع جريمة الإبادة الجماعيّة والمعاقبة عليها في العام 1949 .
التجويع في غزة بدأ منذ 2008 وهجوم أكتوبر لم يكن سوى الفصل الأخير في الابادة
وينوه التقرير إلى أن إسرائيل كرّست على مرّ السّنين، فصلًا قانونيًّا ومادّيًّا عبر قيود صارمة وتشديد متفاقم للحصار من النواحي المادّية، الاقتصاديّة والقانونيّة، واستخدمت غزّة كـ “مُختبرّ لتجريب مُمارسات متطرّفة، ثم راح عُنفها يشتدّ ويتطرّف أكثر فأكثر، حتى تحولت غزّة فعليّاً لسجن شاسع يعيش سكّانه على شفا كارثة إنسانيّة بدأت إسرائيل منذ العام 2008 بحساب الحدّ الأدنى لكميّة السُّعرات الحراريّة التي لهم، حيث جرت كل هذه الجرائم دون أيّة مُساءلة أو مُحاسبة.
ويشير التقرير إلى أن الإبادة لم تبدأ منذ الـ7 من أكتوبر، بل بدأت عبر مُمارسات مختلفة، نفذت بالتوازي على مر الزّمن، بينما يكون القتل الفعليّ الجماعيّ شكلها الأخير، وأن هجوم حماس لم يكون سوى ذريعة، فحتى أن إسرائيل اعتبرت أيّة مُحاولة فلسطينيّة للمقاومة غير العنيفة – بما في ذلك النضال الدبلوماسّي، نشاطات الدّفاع عن حقوق الإنسان أو الدّعوات إلى المقاطعة،ـ نشاطًا إرهابيًّا أو تهديدًا وُجوديًّا.
وتشدد بتسيلم على أنه وفي الواقع لم تكن أمام الفلسطينيّين أيّة إمكانيّة لمُقاومة قمعهم واضطهادهم بطرق لا يعتبرها النظام الإسرائيليّ “إرهابًا”، فحتى لجوء جهات فلسطينيّة إلى محكمة الجنايات الدوليّة اعتبرته إسرائيل تهديدًا استراتيجيًّا لها؛ ووُصِفت حركة المقاطعة (BDS) في أحيان كثيرة بأنّها جهة إرهابيّة مُعادية؛ وقُمعت التظاهُرات السلميّة، وعلى نحو مماثل يمكن فهم إعلان وزير “الأمن” بيني 6 منظمات حقوق إنسان فلسطينيّة بأنّها منظمات إرهابيّة – وهي خطوة رفضتها دول كثيرة، بضمنها دول أوروبيّة والولايات المتحدة.
جرائم حرب بالضفة والابادة مقبلة
ويؤكد التقرير أن النظام الإسرائيلي والجيش اللذان ينفّذان الإبادة الجماعيّة في غزة التي يجب إيقافها، فإنه يتعين علينا أن نحذّر من خطر واضح وفوريّ بأنّ الإبادة الجماعيّة لن تقتصر على قطاع غزّة.
وتشدد بتسيلم على أن المناخ الجماهيري العامّ والسياسّي في إسرائيل الذي دفع نحو إخراج الإبادة الجماعيّة إلى حيز التنفيذ، قائم أيضًا في المناطق الأخرى التي يعيش فيها فلسطينيّون بالضفة وبهذا المعنى، فإنّ خطر انزلاق النظام الإسرائيليّ نحو تنفيذ إبادة جماعيّة في خارج قطاع غزّة أيضًا، هو خطر قائم وواقعيّ.
على فلسطيني الضفة الاختيار بين التنازل عن كامل حقوقهم أو الترحيل أو الإبادة
ويحذر التقرير من خطورة “خطّة الحسم” لسموتريتش التي عرضت على الفلسطينيّين أن يختاروا ما بين التنازُل عن حُقوقهم، الترحيل أو الإبادة. وإنّ تعيين شخص وضع خطّة كهذه في منصب المسؤول عن “الإدارة المدنيّة” (الحاكم الفعلي للضفة الغربية) لهو رسالة واضحة مفادها دعم عُنف المُستوطنين والعُنف عُمومًا( بهدف الاستيلاء على أراضٍ وتنفيذ تطهير عرقّي بحقّ الفلسطينيّين.
ويلفت التقرير إلى أن تصاعد العنف الإسرائيلي في الضفة الغربية لا يتجلى في أعمال الجيش الإسرائيلي فحسب، بل في هجمات المستوطنين أيضًا، حيث جنّد وسلّح الجيش الإسرائيلي آلاف المستوطنين في “كتائب الحماية الموضعية” المتمركزة في جميع أنحاء الضفة الغربية بغية حماية المستوطنات الإسرائيلية، وقد ازداد عدد المستوطنين الذين يخدمون في تلك الكتائب بخمسة أضعاف.
إبادة المساكن والتجويع في الضفة يسبق ما يخطط له كما حدث بغزة منذ 2008
ويحذر التقرير مما أسماه إبادة المساكن وفرض القيود المشددة حركة الفلسطينيين في جميع أنحاء الضفة، وألحقت أضرارًا هائلة ومُتعمَّدة بالركيزتين الأساسيتين لاقتصاد الضفة الغربية: الخروج للعمل في إسرائيل وميزانية السلطة الفلسطينية حيث وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من الهجوم فقَدَ وظيفتهَ نحو 306,000 شخصًا في جميع أنحاء الضفة الغربية، فما أدت أزمة المقاصة إلى عجز غير مسبوق في خزينة السلطة الفلسطينية، ما ترتب عليه غياب القدرة على دفع رواتب موظفي القطاع العام وتوفير الخدمات الأساسية، مثل الصحة حيث أفادت منظمة “أطباء بلا حدود” في شباط 2025 أنه منذ 7 تشرين الأول 2023، أصبح نظام الرعاية الصحية في الضفة “في حالة طوارئ دائمة.
ونوه التقرير إلى أن ما أورده البنك الدولي من تحذيرات من انهيار اقتصاد الضفة الغربية بأكمله بعبارة “سقوط حر”، إضافة إلى الصعوبة المتزايدة في القدرة على الوصول إلى الأراضي الزراعية، وخصوصًا في موسم قطف الزيتون، حيث أفاد 87.2% من العاملين في الضفة الغربية في العام 2024 بانخفاض مداخيل عائلاتهم وتضاعفت معدلات الفقر ارتفع معدل انعدام الأمن الغذائي للأسَر في الضفة بشكل حاد، فوفقًا احتاج ما لا يقل عن 700,000 شخص من سكان الضفة إلى مساعدات غذائية خلال العام 2024 .
في موازاة ذلك، سُجلت زيادة في ظواهر قيام المستوطنين بقتل وتسميم وسرقة المواشي، بالإضافة إلى تقليص مناطق الرعي المتاحة للرعاة الفلسطينيين بسبب التوسع الهائل للبؤر الاستيطانية الرعوية واستيلائها على مساحات شاسعة. أدت هذه الظروف إلى تسريع عمليات هَجْر الفلسطينيين لقطاعيّ الزراعة والرعي اللذين كانا مصدر رزقهم على مدى أجيال، ما أدى إلى تعميق الضرر الاقتصادي اللاحق بالفلسطينيين.
كما سُجلت أيضًا زيادة كبيرة في عدد الحالات التي قام فيها المستوطنون بالتخريب والاستيلاء على مصادر وأنابيب المياه وعلى مولدات وألواح شمسية تابعة للتجمّعات الفلسطينية. ينضم الدمار الذي يسببه المستوطنون إلى الدمار “الرسمي” الذي تنفذه “الإدارة المدنية” بصورة دائمة للبنى التحتية للمياه والكهرباء وتمنع ربط العديد من التجمّعات بشبكة المياه.
ويلفت التقرير إلى أن الهجمات العسكرية وعنف المستوطنين على نطاق لم يسبق له مثيل منذ احتلال الضفة، أدت الى جريمة تهجير أكثر من 40 ألف فلسطيني من مخيمات شمال الضفة، و38 تجمعًا سكانيًا فلسطينيًا مكونة من 67 مجموعات فرعية (clusters)، إضافة إلى 8 تجمعات ة تم تهجيرها بشكل جزئي، وأن آلاف الأشخاص الآخرين، الذين يعيشون في عشرات التجمعات السكانية الفلسطينية، مُهدَّدين بخطر تهجير حقيقي نتيجة لهجمات المستوطنين اليومية.
تدمير اجتماعي وإبادة تعليمية
ويشير التقرير إلى تعرّض حق الأطفال والشباب في التعليم في الضفة الغربية، بما في ذلك شرقّي القدس، خلال العامين الأخيرين، إلى مسّ خطير، اذ يقيم نحو 2 ألف طفل في شمال الضفة الغربية في مراكز للمهجرين حاليًا بعد أن تم إجلاؤهم في أعقاب هجمات الجيش الإسرائيلي.
ونوه إلى أن المدارس في جميع أنحاء الضفة الغربية قلصت التعليم الوجاهي في ضوء التقييدات على الحركة والصعوبات الاقتصادية، وتقليص الدوام المدرسي بسبب انقطاع الرواتب بفعل حجز سلطات الاحتلال للأموال الفلسطينية منذ أكثر من 4 سنوات، حيث روى سكان لبتسيلم أنه بسبب نقص المعدات التكنولوجية اللازمة، لا يتعلم العديد من الأطفال خلال الأيام المخصصة للتعلم في المنازل، وأن العديد من الآباء يضطرون إلى البقاء في المنازل مع أولادهم في تلك الأيام، مما يعمق الضرر الذي يلحق بمصادر رزقهم وسبل عيشهم.
ويقول التقرير: يضاف إلى هذا كله عنف المستوطنين والجيش – بما في ذلك الاعتداءات العنيفة والتدمير الذي نفذه المستوطنون في المدارس في مناطق C، مما يثير القلق لدى الأهل بشأن إرسال أطفالهم إلى المؤسسات التعليمية. وفوق ذلك في أعقاب سنّ القوانين ضد “الأونروا”، في نيسان 2025، دخل أفراد الشرطة إلى ست مدارس تديرها الوكالة في شرقّي القدس في منتصف يوم دراسي ووزعوا عليها أوامر إغلاق.
استهداف مخيمات اللاجئين بشكل خاص
يتطرق التقرير إلى طريقة إسرائيل، في إطار الإبادة الجماعيّة، للمساس بالهوية الفلسطينية من خلال الهجوم على اللاجئين ومكانة اللجوء والمظاهر الرئيسية لمسعى تجريد الفلسطينيين في قطاع غزة من الصفات الإنسانية والتحريض ضدهم.
تواطئ دولي ومشاركة في الإبادة
ويقول التقرير: لم تُسفر معظم الانتهاكات ضدّ الفلسطينيّين عن أيّة مُساءلة ومُحاسبة، وخلق الدّعم لإسرائيل، من الغرب وخاصّة الولايات المتحدة، حصانة فعليّة، فعلى سبيل المثال، وفقًا لمُعطيات منظمة “يش دين”، تلقّى جهاز إنفاذ القانون العسكريّ خلال السّنوات الخمس التي سبقت الحرب الحاليّة 862 شكوى بشأن مُخالفات ارتكبها جنود ضدّ فلسطينيّين في الضفة، لكنّ عدد ملفّات التحقيق الجنائّي التي فُتحت بلغ 258 فقط، ولم تقدّم لوائح اتّهام سوى في 3 .
ويضيف: في عملية الرصاص المصبوب عام 2008–2009 قُتل نحو 1400 فلسطيني بينهم 344 قاصرًا، وكان أكثر من 750 من القتلى غير مشاركين في القتال، وأسفرت التحقيقات عن ثلاث لوائح اتهام فقط. أمّا في عملية عامود السحاب عام 2012 فقد قُتل 167 فلسطينيًا بينهم 33 قاصرًا، و87 منهم لم يشاركوا في القتال، ولم تُصدر أي لائحة اتهام. وفي الجرف الصامد عام 2014 قُتل حوالي 2250 فلسطينيًا بينهم 548 قاصرًا، وشكّل غير المشاركين في القتال 63% من القتلى، ولم تسفر التحقيقات إلا عن لائحة اتهام واحدة.
وفي مظاهرات العودة بين 2018 و2019 قُتل 223 فلسطينيًا بينهم 46 قاصرًا، ومعظمهم مدنيون، وانتهى التحقيق بلائحة اتهام واحدة فقط. أما في حارس الأسوار عام 2021 فقد قُتل 233 فلسطينيًا بينهم 54 قاصرًا، ومنهم 137 لم يشاركوا في القتال، وأسفرت التحقيقات أيضًا عن لائحة اتهام واحدة فقط.
ويستنتج التقرير إلى أنه ونتيجةً لهذه الحصانة المستمرّة، كان لصُنّاع القرار الإسرائيليّين أساس معقول للافتراض بأنّ أيّ ردّ فعل واسع النطاق وغير تناسُبّي وعشوائّي متطرّف على هجوم 7 أكتوبر سيحظى بدعم حلفائهم في الغرب أو بغضّ الطرْف من جانبهم، على الأقلّ، مع تعبيرات لا تتجاوز رفع العتب بشأن المسّ بالفلسطينيّين. وعلى غرار ذلك، في الضفة الغربيّة أيضًا، افترض القادة والجنود الإسرائيليّون والقوّات برمّتها، وكذلك المستوطنون، أنهم سيظلّون يتمتّعون بحصانة شبه مطلقة في كلّ ما يتعلّق بالمسّ بمدنيّين فلسطينيّين.
ويخلص التقرير في هذه الحيثية إلى أنه ما كان لروتين القتل والدمار في قطاع غزة، وكذلك التهجير القسريّ لعشرات الآلاف من الأشخاص في الضفة الغربية، أن يصبح ممكنًا لولا التقاعس الدولي حيال الخطورة للجرائم التي يجري تنفيذها.
ويذهب التقرير إلى أبعد من مجرد التقاعس بل إلى حد التورط والمشاركة، بالقول: إن الدول الأوروبية والولايات المتحدة، لم يحجموا فقط عن اتخاذ أية إجراءات فعّالة لوقف الإبادة، بل ساهموا في استمرارها أيضًا: سواء من خلال تصريحات تدعم العملية الإسرائيلية ، أو من خلال الدعم الفعلي النشط الذي شمل، من بين أمور أخرى، شحنات الأسلحة والذخيرة مكّنت إسرائيل من مواصلة الهجوم على الفلسطينيين.
ويشير التقرير إلى أنه وحتى عندما قضت محكمة العدل الدولية (ICJ) بأنّ ثمة خشية حقيقية من أن أفعال إسرائيل وممارساتها ترقى إلى مستوى أعمال الإبادة الجماعيّة ـ بل حتى عندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية (ICC) أوامر اعتقال دولية بحق رئيس الحكومة “بنيامين نتنياهو” ووزير الأمن آنذاك “يوآف جالانت”، للاشتباه في ارتكابهما جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ـ فشل المجتمع الدولي في وقف هذه الأعمال بصورة فورية وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة.
“المحكمة العليا” غطاء قانوني للجرائم ووسيلة للهروب من الجنائية الدولية
ويلفت التقرير إلى أن المحكمة العُليا الاسرائيلية تعمل كغطاء شكلي يُخفي حقيقة أنّها دأبت، على مرّ السنين، على إضفاء شرعيّة قانونيّة على معظم الجرائم، في حين عززت هيبتها التي يُنظر إليها عالميًّا كمؤسّسة مستقلّة وليبراليّة تكفل حقوق الإنسان، الحصانة التي تتمتّع بها إسرائيل في المجتمع الدوليّ. هذه النظرة الخاطئة قد ساعدت، حتى ألسّنة المُنصرمة، في منع مُحاكمة قيادات إسرائيليّة أمام المحكمة الجنائية الدوليّة في لاهاي، بما في ذلك بسبب العمل وفق “مبدأ التكامليّة” الذي يقضي بأنّ تمتنع المحكمة الجنائية الدولية عن التدخّل إذا ما وُجدت في الدولة آليّات تحقيق ومقاضاة داخليّة مستقلّة.
جرائم إسرائيل غيرت المعايير الأخلاقية في العالم نحو الاسوأ
ويؤكد التقرير أن للطابع الإبادي للعدوان الإسرائيلي على غزة، وعدم منعه من قبل المجتمع الدولي، تأثيرات وانعكاسات ليس على أعمال إسرائيل المستقبلية ضد الشعب الفلسطيني فقط، وإنما سيسهم أيضًا في تشكيل القواعد والمعايير السلوكية المقبولة في العلاقات الدولية والتأثير، بالتالي، على مكانة حقوق الإنسان في العالم أجمع، وأنه لا يتطلب التصدّي لهذا الدمار الهائل والإنهيار الأخلاقي الناجم عنه الاعتراف بالجرائم فحسب، بل يستلزم أيضًا تحمّل المسؤولية ـ الدولية والمحلية ـ والعمل الحازم لوقفهما.




