loading

حرب بلا خاتمة.. كيف صنع نتنياهو نظرية الاشتعال الأبدي؟

مجدي الشريف


في عقل نتنياهو، لا توجد حرب تُخاض كي تنتهي بل حرب تُخاض كي تخلّد، والحرب التي لا تنتهي ليست توصيفاً بل سياسة، والواقع يثبت ذلك؛ فالعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023 لم تعد تُدار كاستثناءات في زمن سياسي طبيعي ولكن بوصفها الإطار الدائم الذي يُبرر السلطة ويعيد تعريف الممكن.


ووفقاً لذلك، فهذه الفلسفة ليست ارتجالاً ظرفياً وإنما امتداداً لفكر صاغ نتنياهو ملامحه منذ نهاية السبعينيات وبدايات الثمانينيات، حين أشرف على مؤتمرات معهد يوناتان للأبحاث حول الإرهاب الدولي وأدار نشر أعماله، مقدماً الإرهاب كحالة مزمنة تتطلب تعبئة مستمرة بدل الحلول السياسية المؤقتة، وهنا تبلورت فكرة الأمن طويل النفس واعتبار الردع المستمر بديلاً عن التسوية وهو نهج يستند إلى رؤية استراتيجية متجذرة.


منذ ذلك الحين، امتزج الخطاب الأمني بالخطاب السياسي، إذ يرى نتنياهو أن العدو البنيوي لا يزول وأن السلام ليس سوى إدارة خطر مؤقتة، كما يعتقد أن الهدنة مجرد فاصل عملياتي، وفي أعمال الأخير الفكرية مثل International Terrorism: Challenge and Response ثمTerrorism: How the West Can Win، تُطرح الحرب كبيئة استراتيجية دائمة تبقي المجتمع مجنداً حول قيادته وتقطع الطريق على أي تسوية قد تُضعف الاستنفار، وبهذا تحولت النظرية إلى عقيدة حكم لا إلى ورقة نقاش أكاديمية.


اندلاع حرب غزة بعد عملية السابع من أكتوبر جسد هذه العقيدة بوضوح، فقد تعهد نتنياهو منذ لحظتها الأولى بالنصر التام ورفض أي وقف لإطلاق النار لا يحقق شروطه القصوى، مصوراً الهدنة كإضعاف للردع وإجهاض للحل السياسي، ومع تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية ظل خطابه ثابتاً، حرب تستمر حتى استنزاف العدو وسيطرة أمنية طويلة الأمد لا تنكسر، والمؤكد هنا أن هذا الإصرار لم يكن زلة لسان وإنما السياسة وقد نطقت بأوضح تجلياتها.


لم تتوقف هذه الاستراتيجية عند غزة، ففي لبنان تحول تدخل حزب الله على خط إسناد المقاومة في قطاع غزة إلى مناوشات على طول الحدود، واستثمرت إسرائيل ذلك بأفضل شكل عبر تنفيذ اغتيالات متسلسلة ودراماتيكية ضربت الهرم القيادي في الحزب كما صالت طائراتها وجالت في سماء لبنان لتشن الغارة تلو الأخرى حتى الآن وبعد أن تجاوزنا العام الأول على إعلان التوصل لوقف إطلاق النار بين الجانبين برعاية أمريكية، كما تمادت إسرائيل في ذلك وصولاً إلى التهديد بالقيام بنزع سلاح حزب الله بنفسها في حال لم تنفذ الحكومة اللبنانية قرارها بنزع سلاح الحزب وهو الموعد الذي بات يطل برأسه مؤخراً.


أما في سوريا، فقد استثمرت إسرائيل انهيار سلطة الأسد لتكثيف وجودها في الجولان عبر القصف والتصفية والاستنزاف ومصادرة الأرض وإقامة الحواجز والمواقع العسكرية، وذلك في تكريس واضح يندرج في إطار تحقيق توسيع مسرح نظرية الحرب الدائمة وبالتأكيد رؤية إسرائيل الكبرى، وليس كما يرى البعض بأن الوجود الإسرائيلي في سوريا يندرج في إطار قطع خطوط إمداد حزب الله أو حماية الطائفة الدرزية كما يُصور ليل نهار.


إيران كانت المحطة الكبرى لهذه النظرية، فمع وصول ترامب إلى البيت الأبيض وهو حليف نتنياهو الأبرز، شهدت الساحة الإيرانة ضربات إسرائيلية استهدفت منشآت عسكرية ونووية وقيادات بارزة داخل إيران، قبل أن تتوج أمريكا الضربة باستهداف المنشآت النووية في فوردو ونطنز وأصفهان، وفي حينها ردت إيران على القصف بالقصف في محاولة منها لتثبيت معادلة الردع، ومع أن التصعيد توقف مع نجاح وقف إطلاق النار، إلا أن التصريحات شبه اليومية الصادرة من تل أبيب تؤكد أن المواجهة الجديدة مسألة توقيت لا خيار، وما التسريبات الأخيرة حول تمكن إيران من بناء ترسانتها الصاروخية مجدداً إلا مؤشر على النية الإسرائيلية المبيتة.


في قطاع غزة، ومع التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين وفق خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلا أن المؤشرات على الأرض تثبت عكس ذلك، فعمليات القصف والاغتيال والنسف مستمرة بوتيرة متفاوتة، ويكفي أن تُطلق رصاصة في الهواء حتى تُستدعى الطائرات لتنفذ عشرات الغارات وتقتل وتجرح وتدمر ما تبقى أصلاً على الأرض، وهو ما يعزز قراءة أن الهدف ليس إغلاق الملف في قطاع غزة، ولكن استحضار معادلة الردع وإدامة الحرب عبر السيطرة الميدانية المفتوحة.


الضفة الغربية لا تسبح في العسل كما يحسب البعض، فالحرب أيضاً تعبث بها ليلاً نهاراً وإن كان ذلك بشكل مختلف، فالمستوطنون يفرضون المعادلة على الأرض عبر التهام المزيد من الأراضي وعبر تمرير كل ما لم ينجحوا في تمريره سابقاً، وهذا طبعاً بالتوازي مع هجماتهم التي باتت الفعل اليومي في الأخبار وعبر الصحف اليومية المحلية، كما أن المعادلة التي فرضتها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ما يُسمى إسرائيلياً بـ “يهودا والسامرة” هي جبهة قتال رئيسية إضافة إلى جبهات القتال الأخرى القائمة أو النائمة حتى إشعار آخر.


فلسفة الحرب الدائمة لا تقف عند العمليات العسكرية بل تبني سياجاً سياسياً يضيق إمكانات التسوية، وهذا نهج نتنياهو الذي صرح عام 2015 بأنه لن تكون هناك دولة فلسطينية في عهده، مؤكداً لاحقاً خلال الحرب على أن أي دولة فلسطينية مستقبلية ستكون منصة لتدمير إسرائيل، وهذا التوجه يتكامل مع سياق إقليمي إذ فتحت اتفاقيات أبراهام باب التطبيع مع الدول العربية بلا أثمان سياسية للفلسطينيين، ما وفر لنتنياهو برهاناً على توسيع العلاقات الإقليمية بلا معالجة جذور الصراع.


في الميدان، تترجم هذه العقيدة إلى واقع مزدوج من خلال آلة عسكرية لا تتوقف وخطاب سياسي يمدد بالبدايات ويعد بالنهايات، في حين تتكدس الأرقام والوعود وتتوسع الجولات ويبقى الهدف محصوراً بين تفكيك القدرات وتغيير المعادلة وفرض السلام بالقوة، ورغم التقارير الصحفية والتحقيقات المستقلة تتجلى الفجوات بين الخطاب والوقائع ما يعمق الشكوك حول أن المقاصد السياسية تتقدم على المقاصد العسكرية المحددة.


ومع كل جولة جديدة تتسع دائرة الأثمان، ففي غزة تقاس الحياة بسقف أدنى من الأمل مع تأجيل إعادة الإعمار وقطع التعليم وتعطل المنظومات الصحية وحصار الاقتصاد، وفي إسرائيل يتآكل الإجماع خلف النصر الشامل وتتكاثر الأسئلة عن الغاية والاستراتيجية، وحين تصبح الحرب لغة الدولة اليومية يتراجع الخيال السياسي ويتقدم الأمن البيروقراطي إلى قلب الحكم، مستبدلاً مفهوم الأمن التقليدي بعملية أخطبوطية لا تُعرف غايتها.


يقدم نتنياهو في صلب حجته معادلة مفادها أن أي دولة فلسطينية ستتحول حتماً إلى تهديد وجودي وأن السيطرة الأمنية هي الضمان الوحيد، لكن هذه المعادلة تحيل تفكير نتنياهو ليكون أبعد ما يكون عن المنطق، فالتاريخ يخبرنا أنه كلما طالت الحرب وتعاظم الخراب ازدادت قابلية الفعل المضاد، وتحولت هدنات الإدارة إلى محطات لإعادة تنظيم الخصم لا لإخضاعه، وفي المقابل تُنتج إسرائيل مجتمعاً مُعلقاً على حالة الطوارئ يلتف حول القائد عند كل جولة ثم يتصدع عند أول تعثر، وهكذا تصير الحرب التي لا تنتهي أداة سلطة وسبب وهن معاً.


إن الحرب المستمرة ليست قدراً ميتافيزيقياً ولكنها خياراً استراتيجياً تشكل تاريخياً في بيئة فكرية وأمنية محددة، وهذا الخيار يمنح صاحبه رسوخاً مؤقتاً للسلطة وتماسك الصف، لكنه يزرع بذور نهايته أيضاً من استنزاف الشرعية إلى تآكل القدرة على التخيل السياسي، في المقابل يدفع الفلسطيني الثمن الأكبر فالحاضر ممزق والمستقبل محكوم بالملفات الأمنية، والمنقذ الوحيد هو الاعتراف بأن إنهاء الحروب حاجة ملحة وبضرورة التحول من هندسة الصراع الدائم إلى سياسة تعترف بالحقوق وتبني أمناً ممكناً على أساسها، وهو ما لم يحدث بعد وربما لن يحدث قريباً أو بالمطلق.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني