جيفارا سمارة
لم يكن استبدال قارورات العصائر الرمضانية المعروضة على البسطات بقارورات البترول -عقب ما زُعِم أنه ضبط للتهريب- مجرد تبدّل في السلع، بل دليل على أن الفوضى لم تُضبط بل تعمّقت: فـ”التهريب” أعاد إنتاج نفسه في صورة سوق سوداء وطوابير غدت عنوان للحياة اليومية: طوابير انتظار المساعدات في غزة، وطوابير أخرى للماء بين الركام، وطوابير الحصول على إذن السفر بين غزة والضفة، وطوابير على محطات الوقود، وطوابير الغاز، وطوابير الموظفين بانتظار نصف راتب، وطوابير المرضى بانتظار دواء أو تحويلة علاج، وطوابير العابرين على حواجز الاحتلال…الخ.
لم تعد الفوضى في فلسطين حالة عابرة تنتج عن أزمة طارئة، بل أصبحت واقعًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
يتسع على مواطن عاجز أمام الأزمات، ومؤسسات تستثمر العجز لتحقيق النفوذ أو الربح، وفي قلب المشهد، تصبح الفوضى هي سُلَّم الفاسد وقعر المجتمع، تتآكل فيه الثقة، وتنعدم معه تدريجيًا أسباب الحياة، مع تقديرات للأمم المتحدة إلى أن معدل الفقر في كامل الأراضي الفلسطينية وصل إلى 74.3% خلال 2024، مقارنة بـ38.8% نهاية 2023، ليصل إجمالي عدد الفقراء إلى 4.1 مليون شخص، بينهم 2.61 مليون صُنّفوا فقراء حديثًا، حيث اقترب مستوى الفقر في غزة من 100% نتيجة الاضطرابات، والانقسام، واحتلال يفرض الحصار والإغلاقات ويحتجز الأموال ويعيد تشكيل الأرض بالقوة، واقع لا تعود فيه الأزمة حدثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الأزمات التي تعيد إنتاج بعضها بعضًا.
جمهورية الطوابير
الفوضى لا تعني غياب النظام فقط، بل قد تعني نشوء أنظمة صغيرة داخل الفراغ كحال العصابات التي تسطو على المساعدات والأدوية في غزة وتبيعها بأسعار فلكية، ونظام الواسطة، ونظام الاحتكار، ونظام صاحب النفوذ، ونظام “دبّر حالك” وكلما تراجعت المؤسسة، تقدمت الفوضى وفرضت شروطها على المواطن الأضعف، فيبدأ الفرد غريزيًا باجتراح أسباب نجاته من هذه الطوابير، فتغدو أسباب نجاته تعميقًا للفوضى.
ولكن التهافت لا يولد من فراغ؛ بل نتيجة متوقعة حين لا يثق الفرد باستمرار التوريد ( الرواتب، الماء، أو الدواء، أو النفط….الخ، ولا بصدق وقدرة المؤسسة على إدارة التوزيع، وبين عجز المؤسسة وأنانية الفرد تتحول الحاجة العامة إلى فرصة خاصة، والخوف الجماعي إلى هامش ربح، سواء كان ما حدث نتيجة فساد مباشر، أو سوء إدارة، أو ضعف تخطيط، أو تبعية اقتصادية خانقة للاحتلال، فإن النتيجة واحدة: المواطن يدفع الثمن، بينما يجد صاحب العلاقة والنفوذ والمعلومة المبكرة طريقًا أقصر إلى السلعة وإلى الربح.
الهندسة الاستعمارية وتفكيك المجتمع
وبذلك لا يعيش الفلسطيني حالة استثناء واحدة، بل طبقات متراكبة من الاستثناءات، وفي كل طبقة تُسحب منه قاعدة من قواعد الحياة الطبيعية، حيث الأصل هو الفوضى، والنظام هو الاستثناء، وفي تحليله للمجتمع الواقع تحت الاستعمار، يشرح فرانز فانون كيف يعيش الإنسان المستعمَر في توتر دائم. فالعنف الذي تمارسه القوة الاستعمارية لا ينتهي عند الحاجز أو السجن أو القصف، بل يُخزن داخل الجسد والمجتمع. وحين يعجز المقهور عن مواجهة مصدر القهر مباشرة، قد يرتد غضبه إلى الداخل: إلى الأسرة، والعشيرة، والجار، وإلى من يشبهه في الضعف.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة تصاعد الجريمة والعنف الاجتماعي والانقسام والخصومات الداخلية باعتبارها عيوبًا أخلاقية منفصلة عن واقع الاستعمار، فالاحتلال لا يقتل الأفراد فقط؛ إنه يضغط على المجتمع حتى تتشقق روابطه، ثم يدفع أبناءه إلى التصارع على موارد قليلة ومساحات أضيق وفرص شبه معدومة.
تفسير العنف لا يعني تبريره
الخبير الاقتصادي والمحلل السياسي عادل سمارة يحذر من أن أخطر ما يواجه الفلسطينيين، إلى جانب الإبادة والتهجير والفقر والبطالة، هو التفكك الاجتماعي الذي تعمق بعد الانقسام وصعود طبقة المصالح و”الكمبرادور”. ففي مجتمع تُغلق أمامه إمكانات الفعل الوطني المنظم، قد يتحول العنف إلى لغة يومية لحل النزاعات، ويصبح الاستقواء وسيلة للحصول على الحق أو ما يُعتقد أنه حق.
أما الخروج من هذه الدائرة فلا يكون بالمواعظ الأخلاقية للضحية فقط، بل بإعادة توجيه الطاقة الاجتماعية من الصراع البيني إلى فعل وطني منظم، وبناء الثقة والعدالة والمؤسسات، ومواجهة أصل القهر بدلًا من تفريغه في أبناء المجتمع نفسه.
اعتياد المشهد.. أرقام الميدان: فوضى مصممة هندسيًا
منذ بدء ما سُمي ببوقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 وحتى تموز 2026، استشهد 1,185 فلسطينيًا وأصيب 3,816 آخرون، أما إجمالي حصيلة الإبادة فبلغت 73,311 شهيدًا و173,924 مصابًا حتى التاريخ نفسه، وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، لم يدخل القطاع خلال الفترة سوى 59,613 شاحنة مساعدات من أصل 168 ألف، كما غادر للعلاج 9,268 شخصًا من أصل 24,600.
في الضفة الغربية، لا تأتي عملية اقتلاع الفلسطيني دائمًا في صورة قصف شامل، بل عبر تراكم بطيء ومنهجي: قتل يومي باعداد لا ترقى لمستوى الإبادة في غزة ولكنه مستمر، حواجز وبوابات، مستوطنات وجرائم مستوطنين، بؤر رعوية، أرض مصادرة، أغنام تُسرق وحقول يُحظر الوصول اليها، منزل مهدوم، فخلال النصف الأول من عام 2026، استشهد 87 فلسطينيًا 21 منهم برصاص المستوطنين (أعداد الشهداء حى نصف تموز)، 11,074 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون، وتهجير 26 تجمعًا بدويًا ورعويًا كليًا أو جزئيًا، وأقيمت 42 بؤرة استيطانية جديدة، واقتُلعت 45,195 شجرة، ودرست سلطات الاحتلال 113 مخططًا استيطانيًا تضم أكثر من 12,435 وحدة، وتستهدف أكثر من 14,215 دونمًا.
كما أقرت الحكومة الإسرائيلية إنشاء 34 مستوطنة جديدة خلال ستة أشهر، لترتفع حصيلة المستوطنات التي أقرتها الحكومة الحالية إلى 103، فوضى مصممة بعناية لتقويض حياة الفلسطيني، يقابلها تنظيم دقيق في مشروع المستوطن، لتتحول الفوضى نفسها أداة ضم: يُدفع الفلسطيني إلى الانكماش والنزوح، بينما يصعد المشروع الاستيطاني على درجات الخوف والعجز والتشتت.
وهو ما يتفق معه الصحفي المختص بالشان الإسرائيلي عصمت منصور في حديثته مع “بالغراف”، بالقول: ” الصورة قاتمة، والفوضى هي هدف إسرائيلي لاغراق الفلسطينيين في أزمات لا حصر لها، في ظل شلل تام يصيب السلطة الفلسطينية”.
أزمة أخلاق ومعنى
يرى رئيس تحرير وكالة “معاً” ناصر اللحام في مقال له، أن مرحلة ما بعد جائحة كورونا كشفت تحولًا خطيرًا في سلوك عدد من قادة العالم والنخب؛ إذ تراجعت حساسية الخجل العام، وأصبح الفساد والنهب واستغلال المنصب أكثر جهارًا وأقل اكتراثًا بالرأي العام. وفي قراءته لرواية باولو كويلو الرابح “يبقى وحيدًا”، يلفت إلى مجتمع يعبد صورة النجاح ويقيس قيمة البشر بما يملكون، حتى يصبح تدمير حياة الآخرين ثمنًا مقبولًا لمزيد من القوة والثروة وفي هذه الثقافة، لا يسأل الناجح كيف وصل، بل كم ارتفع، لكن السُّلّم الذي يصعده الفاسد على كل درجة يربحها فرد على حساب الحق العام، تُنزل الجماعة درجة إلى الأسفل.
لا خلاص بلا شرعية ووحدة ومساءلة
يرى المحلل السياسي جهاد حرب أن الشعب الفلسطيني قادر على الالتفاف حول قيادة ديمقراطية مضحية، و المسألة الجوهرية هي العودة إلى شرعية الشعب وتفعيل الأطر الشعبية في مواجهة الأزمات التي تهدد المستقبل الوطني.
ويصف أستاذ الفلسفة في جامعة بيرزيت جورج جقمان المرحلة الراهنة بأنها من أخطر المراحل التي مر بها الشعب الفلسطيني منذ نكبة 1948، مؤكدًا أن المواجهة مع الاحتلال طويلة، وأن الوحدة شرط أساسي لتعزيز صمود الفلسطينيين على أرضهم.
ويحذر هاني المصري مدير عام المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية-مسارات من أن الفوضى نفسها سيناريو يخدم أهداف الاحتلال الرامية إلى تفكيك الشعب الفلسطيني ودفعه إلى الهجرة. وهو يرى أن الانتخابات حاجة وطنية، لكنها قد تتحول إلى غطاء لتزييف الشرعية إذا أجريت تحت سقف سياسي محدد سلفًا، وبلا شراكة وطنية أو ضمان لاحترام نتائجها.
فالمطلوب ليس صندوق اقتراع معزولًا، بل رؤية وطنية وبرنامج جامع ووحدة للقضية والشعب والأرض، وقواعد تمنع الاحتكار والإقصاء وإعادة إنتاج الانقسام.
ويتابع المصري: إنه ووفقًا لمصدر مطّلع، أبلغ الاحتلال السلطة رسالة واضحة بأنّ أيّ انتخابات يجب أن تُجرى وفق التفاهمات السابقة”، أي بمعنى وفق القانون الأساسي الذي يُعد بمثابة دستور مؤقت للسلطة، ولا تقبل بـانتخابات تؤدي الغاية مما قلناه سابقًا، والانتخابات قد تُجرى من دون اشتراط التزام المرشّحين بالتزامات منظّمة التحرير، والاكتفاء بالالتزام بالمنظمة وبرنامجها، ومع هذا لا يزال الرئيس يؤكّد ضرورة هذه الالتزامات”.
فالأزمة بحسب المصري هي أن نتائج الانتخابات ستكون محكومة مسبقًا بسقف محدد، أي أن المنافسة تصبح على الأشخاص أو إدارة السلطة، وليس على الخيارات والبرنامج السياسي، مضيفًا: إنني لا أوافق على المشاركة في الانتخابات في كل الأحوال، لأنها قد تمنح شرعية لعملية تزوير إرادة الشعب الفلسطيني، وتقودنا إلى ما هو أسوأ من أوسلو، فهذه الانتخابات إما أن يمنعها الاحتلال، حتى لا تمنح شرعية حتى لسلطة الحكم الذاتي لأنها تجسد الهوية الوطنية الفلسطينية في مرحلة يحاول الاحتلال تصفية القضية الفلسطينية من جذورها وكل أبعادها.
ويطرح المصري سؤالًا يراه مهمًا، هل ستُستخدم الانتخابات لتغيير الواقع القائم وإنجاز الحرّية، أم لتكريس الواقع ومنحه شرعيةً زائفةً جديدةً؟ أو لإعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة؟ لتشكل سلمًا فرديًا آخر في خضم غرق المجتمع في القعر والطوابير.




