loading

حمزة العقرباوي… ابن الأرض الذي رحل باكراً

مجدي الشريف

لم يكن حمزة العقرباوي مجرد صديق التقيته في مكان ما وإنما ذاكرة تمشي على قدمين، وصوتاً يعرف كيف يُنصت للأرض قبل أن يتكلم باسمها.

ساقني القدر ذات يوم للتعرف على حمزة في خربة الطوَيّل، تلك البقعة التي أحبها وأحبته والقريبة من بلدته عقربا جنوب نابلس، وكانت المنطقة قد خرجت حينها من مناورات عسكرية إسرائيلية خلّفت دماراً في المحاصيل الزراعية وندوباً في المشهد والناس، وهناك وسط أرض مثقلة بالتاريخ والذكريات، بدا حمزة كما هو دائماً، قريباً من التراب مشدوداً إلى المكان وواعياً لمعناه العميق.

ولاحقاً، انضم حمزة إلى مسارات تجوال سفر التي كُنت جزءاً منها، والتي جابت مختلف أنحاء الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية، إلا أنه لم يكن مرافقاً عادياً بل كان حكواتياً فلسطينياً بامتياز، وشهد عليه بذلك ميكروفون الحافلة التي كانت تقلنا دوماً من وإلى المسارات، فكان يحكي لنا عن القرى والتلال والسهول وعن أسماء الأمكنة وحكاياتها، وعن الناس الذين مروا من هنا وتركوا أثرهم في الحجر والشجر، فحكا لنا عن عيون الحرامية وحدثنا عن خربة يانون وروى لنا كثيراً عن جبل سرطبة، وكنت أحياناً أشاركه الحديث عبر ذات الميكروفون لأتناول جغرافيا البلاد وكيف ربطها الاستعمار بارتباطات عديدة منها ما هو ديني ومنها ما هو مرتبط بأبعاد أخرى، فكانت حكاياته ومعرفته تلتقي مع الجغرافيا عند نقطة واحدة، تتمثل في الدفاع عن الذاكرة بوصفها فعل صمود.

انطلق حمزة المولود عام 1984، من بلدته عقربا جنوب مدينة نابلس ليصبح ناشطاً مجتمعياً وباحثاً شغوفاً بالتراث الشعبي الفلسطيني، وقد شكلت نشأته في بيئة ريفية غنية بالذاكرة الجمعية والارتباط العميق بالأرض أساساً لمشروعه، وعكست هذه البيئة في انخراطه المبكر في مقاومة الاستيطان في فلسطين عموماً وفي منطقته على وجه الخصوص.شطش

اشتهر حمزة كحكواتي وباحث ميداني يجمع بين السرد القصصي والتوثيق العلمي ليحول التراث إلى معرفة حية، فلم يرَ في الأمثال والأهازيج والمعتقدات الشعبية مجرد عناصر جامدة وإنما عمل على ربطها دائماً بسياقاتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، ومن أبرز إنجازاته بناء أرشيف واسع يحتوي على مئات الوثائق والصور مثل شهادات الميلاد والمراسلات ودفاتر الديوان القديمة وحجج الملكية، حيث غطت هذه الوثائق حقبة زمنية مهمة من التاريخ الفلسطيني يمتد من نهاية القرن التاسع عشر إلى أواخر القرن العشرين.

 وكان هدفه الأساسي من هذا التوثيق استعادة قصص الناس العاديين وإحياء تجاربهم اليومية، كما نظم حمزة جولات معرفية وعروضاً في القرى والأماكن الطبيعية ليربط الجغرافيا بالحكايات الشفوية، محولاً بذلك الذاكرة الشعبية إلى مصدر معرفي أصيل ينقل الهوية الثقافية الفلسطينية إلى الأجيال الجديدة بمنهج نقدي عميق ويبني جسوراً بين الماضي الشفوي والحاضر الموثق.

رحل حمزة في وقت مبكر، كأن هذه الدنيا تُصر دوماً على أن تختبر قسوتها علينا عبر خطف الطيبين قبل أوانهم، لكن هذا الرحيل ورغم قسوته لم يُنه حضوره، فحمزة لم يكن من أولئك الذين يمرون خفافاً ثم يُنسون ولكنه كان من الذين يتركون أثراً يشبه العلامة ويقيمون في الذاكرة كما تقيم الطرق في الجسد، وهو باقٍ في المسارات التي سرناها معه وفي الحكايات التي علمنا كيف نصغي إليها لا ككلام عابر، وباقٍ في كل مكان قال لنا فيه إن الأرض ليست مساحة تُقاس بل ذاكرة تُصان وأمانة تُحمل.

كان حمزة من أولئك الذين يذكروننا دون خطابة، بأن الانحياز للأرض وللناس ليس شعاراً ولكن ممارسة يومية، وعلمنا أن الحكاية ليست للتسلية وأن الذاكرة ليست ترفاً وأن الوفاء للمكان فعل صمود آخر.

سلام لروح حمزة وسلام لأهله ومحبيه، ولكل من مشى معه درباً أو أصغى إلى حكايته، أما نحن فسنحاول بقدر ما نستطيع أن نكمل الحكاية كما أحبّها دوماً، صادقة ومنحازة للناس ومخلصة للأرض، لعل في ذلك بعض العزاء وبعض الوفاء لمن نحبهم ويغادرون باكراً.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني