محمد عبد الله
يتحوّل معبر الكرامة، المنفذ الوحيد للفلسطينيين في الضفة الغربية إلى العالم الخارجي، يومًا بعد آخر إلى عنوان لمعاناة مركّبة تتجاوز حدود الازدحام والتأخير، لتلامس كرامة الإنسان وحقه في التنقّل.
فبين تقليص الاحتلال الإسرائيلي لساعات العمل، والقيود المفروضة على أعداد المسافرين، وغياب حلول جذرية، يعيش المواطن الفلسطيني رحلة قاسية تبدأ قبل الوصول إلى الجسر، ولا تنتهي بالضرورة بعبوره.
نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة محافظة رام الله والبيرة، محمد النبالي، حمّل في تعقيب خاص لـ”بالغراف” الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الأولى عن الأزمة، مؤكدًا أن تقليص ساعات العمل على معبر الكرامة هو السبب الجوهري لما يحدث.
وقال النبالي إن مسؤولية الاحتلال لا تعفي بقية الجهات من واجباتها، مشددًا على ضرورة وجود رقابة حقيقية تمنع استغلال المواطنين أو ابتزازهم ماليًا، ومعاملتهم بكرامة.
وأضاف: “ما يجري على المعابر مذبحة مالية وإنسانية بحق المواطن الفلسطيني”.
وأشار إلى أن تقليص ساعات العمل دفع بعض الأشخاص إلى استغلال حالة الاكتظاظ، موضحًا أن هذه الممارسات تتم في الجانب الأردني من قبل أفراد، وليس من قبل جهات رسمية من الجهات المسؤولة، بينما لا توجد على الجانب الفلسطيني أي إشكاليات باستثناء الأزمة نفسها.
ولفت النبالي إلى أن الغرفة التجارية، ضمن المجلس التنسيقي، عقدت اجتماعًا بمشاركة مختلف الأطراف، وجرى إعداد ورقة مقترحات وتوصيات سيتم رفعها إلى الجهات المختصة، في محاولة للضغط باتجاه حلول عملية.
بالتوازي مع التصريحات الرسمية، اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي موجة غضب عارمة. ففي منشور له، كتب محمد النبالي: “لم يعد هناك كرامة للفلسطينيين على معبر الكرامة… هناك مجزرة مالية وإنسانية تحدث دون تحرك حقيقي”، متسائلًا عن دور الحكومة والجهات المعنية في حماية كرامة المواطنين.
الصحفية أمل أسعد وصفت المشهد بقولها: “نمرّ من معبر اسمه الكرامة ونخرج بلا كرامة”، معتبرة أن الرحلة لم تعد مجرد تنقّل جغرافي، بل عبور قاسٍ لمعاناة يومية تُنتهك فيها إنسانية المسافر.
أما الإعلامي زعل أبو رقطي فذهب أبعد، واصفًا الجسر بـ”معبر اللاكرامة”، متسائلًا عن غياب مسارات خاصة للمرضى والطلبة وأصحاب الإقامات، ولماذا يرتبط مصيرهم بمواسم العمرة، في ظل حالات اضطرارية لا تحتمل الانتظار.
في خضم هذه الأزمة، عقد المجلس التنسيقي اجتماعًا مع السفير الأردني لدى دولة فلسطين عصام البدور، لبحث تداعيات القيود الإسرائيلية المشددة على حركة المسافرين والتبادل التجاري.
وأوضح البيان أن سلطات الاحتلال تغلق المعبر يوميًا عند الساعة الواحدة والنصف ظهرًا، وتفرض إغلاقًا كاملًا أيام السبت، ولا تسمح بمرور أكثر من أربعة آلاف مسافر يوميًا، بمن فيهم المرضى والطلبة والمعتمرون، ما يفاقم الازدحام ويطيل فترات الانتظار لساعات طويلة.
وأكد أعضاء المجلس أن معبر الكرامة يُعد شريان الحياة لنحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، إضافة إلى سكان القدس، وأن أي تعطيل في عمله ينعكس مباشرة على مختلف مناحي الحياة.
اقتصاديًا، حذّر أمين سر المجلس التنسيقي نصار نصار من تداعيات خطيرة على التبادل التجاري بين فلسطين والأردن، الذي تجاوز 430 مليون دولار خلال عام 2024، مؤكدًا أن الإغلاقات المتكررة للمعبر التجاري تهدد استقرار سلاسل التوريد، وتؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع في أسواق الضفة الغربية.
وأشار إلى أن القيود المفروضة على حركة الشاحنات والبضائع انعكست على كلفة الإنتاج والقدرة الشرائية للمواطنين، في ظل أزمة مالية خانقة يعيشها الشعب الفلسطيني.
وفي خطوة تصعيدية، جرى تداول عريضة شعبية تطالب بفتح المعبر على مدار 24 ساعة، وزيادة عدد المسارب والكوادر، وتطوير البنية التحتية، معتبرة أن الصمت على هذه المعاناة لم يعد مقبولًا، وأن ما يجري يمثل انتهاكًا صارخًا لحق الإنسان في التنقل بكرامة.
من جانبه، قال مدير شرطة معبر الكرامة العقيد وليد غنام في تصريح لإذاعة “راية أف إم” إن العمل يجري في ظروف استثنائية، نتيجة تزامن العطلة المدرسية مع موسم العمرة، ما أدى إلى ارتفاع أعداد المسافرين.
وأكد أن القيادة الفلسطينية تتابع الأزمة يوميًا، وتضغط من أجل تمديد ساعات العمل، موضحًا أن القدرة الاستيعابية للمعبر تصل في بعض الأيام إلى أكثر من خمسة آلاف مسافر، رغم محدودية ساعات الدوام.
وختم غنام بالتأكيد على أن العمل متواصل لتحسين ظروف السفر، معربًا عن أمله بانفراجة قريبة تخفف من معاناة المواطنين.




