جيفارا سمارة
استطاعت الكاتبة رندا عبد الفتاح أسترالية الموطن، فلسطينية الأصل، أن تؤكد أن السردية هي حفظ للهوية والذاكرة والرواية في مواجهة الإقصاء، وفهمٌ للأحداث والوقائع، وتأثيرٌ في الوعي الجمعي، وتوجيهٌ للرأي العام، وصناعةٌ للمعنى، وتحديدٌ للضحية والمجرم، وقوةٌ في السياسة والإعلام والتاريخ، حيث يمكن للسردية أن تُشرعن فعلاً أو تُجرّمه.
عبد الفتاح، المدافعة القوية عن حقوق الشعب الفلسطيني، استطاعت بأعمالها المنفردة أن تكون كقطرة ماء، بثبات صدامها بصخرة التزييف، أن تنحت سردية أقنعت المنظمين لأحد أهم مهرجانات الكُتّاب في أستراليا بإلغائه، بعدما قاطعه 180 مؤلفًا، واستقالت مديرته قائلة: «لن أكون شريكة في إسكات مؤلفة فلسطينية».
المديرة لويز أدلر (وهي ابنة أبوين من الناجين من المحرقة) قالت إنها استقالت من منصبها في مهرجان أسبوع أديلايد للكتاب، المقرر في فبراير (وهو الحدث الأبرز ثقافيًا في أستراليا ويجذب مثقفين من أنحاء العالم)، بعد قرار الإدارة إلغاء دعوة رندا عبد الفتاح، بمبرر «حساسيات ثقافية» أثارها إطلاق النار على شاطئ بونداي.
وذكرت وسائل الإعلام الأسترالية أن رئيسة الوزراء النيوزيلندية السابقة جاسيندا أرديرن، والكاتبة البريطانية زادي سميث، والكاتبة الأسترالية كاثي لِت، والكاتب الأميركي الحائز على جائزة بوليتزر بيرسيفال إيفرت، ووزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، من بين المؤلفين الذين قالوا إنهم لن يشاركوا في المهرجان، المقرر إقامته في ولاية جنوب أستراليا الشهر المقبل، احتجاجًا على منع رندا من المشاركة، والتي وصفت المنع بأنه «عمل مخزٍ وصارخ من العنصرية المعادية للفلسطينيين ومن الرقابة».
وكانت أدلر قد كتبت في صحيفة «الغارديان» في وقت سابق أن قرار المجلس «يُضعف حرية التعبير، وينذر بأمة أقل حرية، حيث تحدد جماعات الضغط والضغوط السياسية من يحق له التحدث ومن لا يحق له ذلك، وهذه محاولة حقيرة لربطي بمذبحة بونداي».
ومن أكثر المواقف التي جعلت عبد الفتاح هدفًا لهجوم اللوبي الصهيوني، منشورٌ لها على منصة «إكس» في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، قالت فيه إن «الهدف هو تصفية الاستعمار وإنهاء هذه المستعمرة الصهيونية القاتلة».
وأعلنت رئيسة مجلس الإدارة تريسي وايتينغ، الأحد، أنها استقالت هي الأخرى بشكل فوري، ومن بين المنسحبين الكاتب ووزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، الذي نشر مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر فيه وهو يمزق دعوته، فيما رأت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي أن مسار التاريخ بدأ أخيرًا بالانحناء في الاتجاه الصحيح، مؤيدة التضامن الواسع مع عبد الفتاح.
وزير الثقافة: يجب تحويل هذا التضامن إلى فعل مستدام
وقال وزير الثقافة عماد الدين حمدان لـ«بالغراف» إنه يمكن الاستفادة من هذا التضامن إذا جرى تحويله من موقف عاطفي إلى فعل ثقافي مستدام، وذلك عبر مسارات واضحة وذكية، منها نقل الحكاية الفلسطينية بلسانها الأصيل، فالعالم المتضامن اليوم مستعد للاستماع.
المطلوب تقديم الرواية الفلسطينية عبر الأدب، والشعر، والفيلم، والفن التشكيلي، لا بوصفها خطاب شكوى، بل بوصفها ثقافة حيّة، وهوية متجذرة، وتجربة إنسانية كونية.
وأضاف أنه يجب تمكين المثقف الفلسطيني، لا استهلاك قضيته، وذلك بدعم الكتّاب والفنانين والمترجمين الفلسطينيين، وإتاحة منصات دولية لهم، كي لا تُختزل فلسطين في صورة الضحية، بل تُقدَّم كصاحبة إبداع وذاكرة وجمال مقاوم، والتعامل مع الترجمة بوصفها فعل مقاومة؛ فالترجمة تنقل الثقافة من محليتها إلى عالميتها، وتحوّل التضامن إلى فهم عميق لا إلى تعاطف عابر.
وتابع: يجب علينا عقد الشراكات الثقافية العابرة للحدود مع جامعات ومتاحف ومهرجانات ومؤسسات فنية، بحيث تصبح الثقافة الفلسطينية جزءًا من المشهد الثقافي العالمي، لا ملفًا موسميًا مرتبطًا بالأحداث، والاستثمار في الذاكرة من خلال الأرشفة الرقمية، ورواية التاريخ الشفوي، وحفظ الفنون الشعبية، لأن الذاكرة حين تُحفظ تُحبط محاولات الطمس والتزييف.
وأشار حمدان إلى أن التضامن، حين يُستثمر ثقافياً، يتحول من هتاف في شارع إلى وعي راسخ في وجدان العالم، ومن لحظة تعاطف إلى حضور دائم لفلسطين كثقافة وهوية لا تُمحى، وأن إلغاء مهرجان أديلايد الأدبي تضامنًا مع رندا عبد الفتاح ليس مجرد موقف ثقافي أخلاقي، بل إعلان صريح بأن الأدب ليس معزولًا عن العالم، وأن الكلمة حين تُحاصَر تصبح حمايتها واجبًا لا خيارًا.
وأكد الوزير أن في هذا الفعل انتصر الضمير على المجاملة، وارتفعت الثقافة من منصة العرض إلى مساحة للمساءلة والانحياز للعدالة، كما كشف الحدث أن التضامن مع فلسطين لم يعد هامشيًا.
أبو سيف: علينا أن نركز على أن العالم تعاطف مع ضحايا الإبادة أكثر من أصحاب القضية
في حين أكد وزير الثقافة السابق عاطف أبو سيف أن العالم اليوم يتعاطف مع الضحية (الإبادة في قطاع غزة)، وليس مع القضية ككل (بمعنى التحرر من الاحتلال)، وأن تراجع السردية الصهيونية لا يعني بالضرورة أن الحضور الفلسطيني أصبح أقوى، بل إن ذلك مرتبط بسياق الإبادة، حيث بدأ العالم يتضامن مع الضحية لما تعرضت له من تدمير وتجويع وقتل، وليس مع القضية برمتها، وهذا ما يجب العمل على تعزيزه بوصفه قضية تحرر.
وأضاف: إن إلغاء المهرجان يعني أن ضمير العالم بدأ يستيقظ، وأن الكتّاب الأحرار في العالم لا يمكن لهم أن يصمتوا أمام هذا الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، وبالتالي فإن إلغاء المهرجان خطوة إيجابية ومهمة تجاه تعزيز السردية الفلسطينية، ونقول إنه يجب أن يُذكَر دائمًا في أي مكان يغيب فيه الصوت الفلسطيني.
وقال أبو سيف إن حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني في ازدياد، بعد أن كان يُنظر إلينا على أننا مجرد أرقام أو ضحايا جانبية في رواية توراتية وأساطير «الشعب المختار»، وكأننا مجرد مخلوقات أو أشخاص عابرين في هذه الأرض. واليوم بدأت الرواية الفلسطينية تظهر عبر هذه الجهود التي يبذلها روائيون وأشخاص مثل رندا عبد الفتاح وغيرها، ممن لحضورهم وكتاباتهم أثر واضح وجلي في السردية الفلسطينية ونقلها.
غزاوي: إذا كانت جهود فردية لكاتبة استطاعت التأثير في مهرجان بهذا الحجم، فكيف لو تضافرت كل الجهود؟
وقال وكيل وزارة الثقافة جاد غزاوي: إن حركة التضامن العالمي آخذة في الازدياد والتوسع، وهو برأيي رد فعل طبيعي لكل إنسان شاهد حجم الإبادة التي تحصل في فلسطين، وهذا أمر طبيعي ويُبنى عليه، لكن الاستفادة من هذا التضامن مرتبطة بتطوير أدائنا على المستوى الفلسطيني، ليرقى إلى المستوى العالمي، وتحديدًا في فتح الآفاق أمام الفنانين والكتّاب والأدباء والباحثين ليمارسوا دورهم وتفاعلهم.
وأضاف بأن هذا يحتاج إلى تضافر الجهود، وسعي من الجميع لتوسيع هذا التضامن، ومثال رندا عبد الفتاح والجهد الذي قامت به، والنتيجة التي حققتها بجهودها الذاتية والشخصية، يعكس أهمية هذا المسار، وهذا الجهد الذي يجب أن يُبذل فيه المزيد والمزيد. وإذا كانت كاتبة واحدة أو أديبة واحدة استطاعت أن تُحدث هذا الأثر، فكيف إذا تحدثنا عن جهود مكثفة وجماعية وممنهجة؟ هذا يعكس أهمية بذل المزيد.
وُلدت رندا عبد الفتاح في سيدني بولاية نيو ساوث ويلز لأب فلسطيني وأم مصرية، وبدأ شغفها بالكتابة مبكرًا، فكتبت روايتها الأولى في الصف السادس، ثم شرعت في سن الخامسة عشرة بكتابة مسودة رواية شبه سيرة ذاتية.
عملت كمسؤولة اتصال إعلامي في المجلس الإسلامي في فيكتوريا، قبل أن تنال درجة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة ماكواري عام 2016 بأطروحة عن الإسلاموفوبيا نُشرت لاحقًا في كتاب أكاديمي. وإلى جانب عملها البحثي، أنجزت مشاريع مدعومة بمنح من مجلس البحوث الأسترالي حول أوضاع الشباب في سياق «الحرب على الإرهاب»، ونشرت دراسات أكاديمية ومقالات صحافية، كما ألّفت أكثر من 15 عملاً أدبياً للأطفال واليافعين والكبار، وأسست مبادرات قصصية تعكس التنوع الثقافي، من بينها «11 كلمة للحب».
حصدت عبد الفتاح عددًا من الجوائز الأدبية المرموقة، ورُشحت لأخرى بارزة، ويُعد أحدث أعمالها الروائية «الانضباط» الصادر عام 2025.




