جيفارا سمارة
بعد عامين من المقترح المصري، وُلدت اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، بالاستناد إلى خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب على غزة، التي تم الإعلان عنها في 29 سبتمبر 2025 من البيت الأبيض.
يأتي ذلك في إطار خطة الرئيس ترامب، المكوّنة من 20 بندًا، لإنهاء حرب الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة، والتي اعتمدها مجلس الأمن الدولي بموجب قراره رقم 2803 الصادر في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
الجلي أن ما بين المرحلتين الأولى والثانية لم يشهد أي تغيير جذري في الملفات المهمة، فخطة ترامب تضمنت 20 بندًا، نُفّذ بعضها بشكل مجتزأ، فيما لم يُقترب من أغلبيتها، وكأنها ألغام تهدد بنسف كل ما اتُّفق عليه.
أما ما نُفّذ بشكل جزئي، فهو وقف الحرب دون وقف إطلاق النار من جانب الاحتلال، الذي ارتكب منذ دخول قرار وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 وحتى صباح اليوم الخميس 15 يناير 2026، 1244 خرقًا خلّفت 1760 شهيدًا وجريحًا ومعتقلًا، بحسب مركز الإعلام الحكومي في القطاع.
أما البند الثاني، والذي يتضمن أنه على القوات الإسرائيلية أن تنسحب إلى خط متفق عليه (وهو ما بات يُعرف الآن بالخط الأصفر) استعدادًا لإطلاق سراح الرهائن، وتشمل الترتيبات تعليق العمليات العسكرية وتجميد خطوط القتال حتى مواصفات الانسحاب الكامل، فلم يُنفَّذ أيضًا، ليس بمعنى أنها لم تنسحب من كامل قطاع غزة فحسب، بل إنها قلّصت مساحة الخط الأصفر وضمت إليها مناطق داخل هذا الخط، وصفها رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، إيال زامير، بأنها باتت تمثل “الحدود الجديدة” بين إسرائيل وقطاع غزة.
حيث أفادت صحيفة هآرتس بتاريخ 16 يناير/كانون الثاني 2026، أن جيش الاحتلال وسّع مناطق سيطرته داخل الخط الأصفر، ودمّر أحياءً على كلتا جانبي الخط، وبحسب الاتفاق بين مناطق انتشار جيش الاحتلال الإسرائيلي، البالغة أكثر من 50% من مساحة قطاع غزة شرقًا، والمناطق التي يُسمح للفلسطينيين بالتحرك فيها غربًا، تحولت بعد 96 يومًا من الاتفاق إلى أكثر من 54% من أراضي غزة، كما أنشأ الجيش الإسرائيلي 13 موقعًا متقدمًا جديدًا داخل قطاع غزة، من بينها موقعان كبيران في منطقة جباليا.
نسف جيش الاحتلال الإسرائيلي مباني سكنية في محيط أبراج زايد شرقي بلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، تزامنًا مع قصف مدفعي وإطلاق نار في مخيم البريج وشرقي خانيونس جنوبي القطاع. وأمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي عشرات العائلات في منطقة بني سهيلا شرق خانيونس بمغادرة منازلها في أول إخلاء قسري منذ اتفاق وقف إطلاق النار، في حين قالت حركة حماس إن جيش الاحتلال الإسرائيلي يوسّع نطاق المنطقة الخاضعة لسيطرته.
أما بند عودة جميع جثامين الأسرى الإسرائيليين، فإن حكومة نتنياهو التي تجهد لإجهاض الاتفاق، تتمسك به ذريعةً لعودة الحرب، بسبب صعوبة العثور على جثة الجندي الإسرائيلي ران غويلي، الذي اعتبر الوسيط الأميركي ذاته أن العثور عليه شبه مستحيل بفعل الدمار الشامل، وانعدام معدات البحث، والمخاطر الأمنية، وميدان قتالي نشط، واستحالة تحديد الهوية والتمييز بين الهياكل البشرية، في ظل انهيار البنية الطبية.
فيما تبقى بنود نزع السلاح، وإعادة التنمية والإعمار، وتدفق المساعدات الإنسانية الشاملة من خدمات المياه والكهرباء والصحة والغذاء وإزالة الأنقاض، مجرد شعارات تكذبها الحقائق على الأرض.
فبعد رفضه تجديد تصاريح العمل لعشرات المنظمات الإنسانية الدولية (وهو بند من البنود العشرين) التي ستشرف بموجب الاتفاق بصورة محايدة عبر الأمم المتحدة، التي تحارب إسرائيل وجودها في فلسطين أيضًا، فإن الاحتلال لم يلتزم بالحد الأدنى من كميات المساعدات المتفق عليها.
حيث لم يدخل إلى قطاع غزة خلال المرحلة الأولى من الاتفاق (95 يومًا) سوى 24,611 شاحنة من أصل 57,000 شاحنة يُفترض إدخالها، بمتوسط يومي 259 شاحنة فقط من أصل 600 شاحنة مقررة يوميًا، أي بنسبة التزام 43%، ما أدى إلى استمرار النقص الحاد في الغذاء والدواء والمياه والوقود، وتعميق مستوى الأزمة الإنسانية الكارثية، حتى إن المواد الغذائية التي دخلت كان أغلبها مواد ذات قيمة غذائية متدنية، ضمن هندسة التجويع والتعطيش الممنهجة.
وفي ظل هذه التطورات الميدانية، تعيش مدينة غزة، منذ أيام، أزمة حادة في المياه، في أعقاب انقطاع الخط الرئيسي الواقع داخل ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو الخط الذي يغذي المنطقة بنحو 70% من احتياجاتها اليومية، فيما حذّرت جهات صحية من تضاعف الإصابات بالتهاب الكبد الفيروسي (أ)، في ظل انعدام المياه النظيفة، واكتظاظ الخيام، وتراكم النفايات ومياه الصرف الصحي التي تحيط بمناطق الإيواء، بالتوازي مع انهيار شبه كامل في المنظومة الصحية.
كما بلغت شحنات الوقود خلال الفترة ذاتها 601 شاحنة فقط من أصل 4,750 شاحنة يُفترض دخولها، وهو ما يُبقي المستشفيات والمخابز ومحطات المياه والصرف الصحي في حالة شبه شلل، إضافة إلى تواصل إغلاق المعابر ومنع إدخال البيوت المتنقلة والكرفانات ومواد الإيواء من خيام وشوادر بلاستيكية، بالتزامن مع فصل الشتاء، ما أسفر عن استشهاد وإصابة العشرات نتيجة البرد وانهيار البنايات فوق مواطنين لجؤوا إليها بعد فقدانهم لمساكنهم، وخراب أكثر من 127,000 خيمة لم تعد صالحة لتوفير الحد الأدنى من الحماية لما يزيد على 1.5 مليون نازح.
وحتى يوم الجمعة الماضية، كان عدد الهياكل المعتمدة لإدارة هذه المرحلة، وفق قرار مجلس الأمن، ثلاثة، هي: مجلس السلام، ولجنة تكنوقراط فلسطينية، وقوة الاستقرار الدولية. إلا أن البيت الأبيض أعلن، في بيان صدر مساء الجمعة، إضافة هيكل رابع تحت مسمى “المجلس التنفيذي لغزة”، بهدف تقديم دعم شامل لمختلف الأنشطة المتعلقة بالحوكمة وتقديم الخدمات في القطاع.
خشية فلسطينية ودولية من مآرب مجلس السلام
كان الهدف من إنشاء “مجلس السلام” في البداية الإشراف على إعادة إعمار قطاع غزة، في بند آخر من البنود الـ20، ينص على أن “مجلس السلام” الدولي سيشرف على التنفيذ الاستراتيجي للخطة، ويضم ممثلين دوليين ورؤساء دول، يترأسه الرئيس الأميركي.
إلا أن وكالة بلومبرغ حذّرت من خشية دولية من أن ترامب يسعى إلى إنشاء بديل أو منافس للأمم المتحدة، التي انتقدها مرارًا، ما يعكس نوايا أميركية مبيتة. وحذّر من ذلك وكيل وزارة الخارجية النرويجية، أندرياس كرافيك، في تصريحات لصحيفة “أفتنبوسطن”، قائلًا: “فوجئنا بتحول المجلس من إطار كان من المفترض أن يركز على إعادة إعمار قطاع غزة، إلى هيئة عليا تتمتع بتفويض واسع في قضايا الأمن العالمي”.
وبحسب مسوّدة الميثاق، فإن ترامب سيترأس المجلس مدى الحياة، في حين ستكون عضويته محددة بثلاث سنوات، باستثناء الدول التي تدفع مليار دولار لتمويل الجسم الجديد، والتي ستحصل على عضوية دائمة. حيث أكد مسؤول أميركي، لوكالة بلومبرغ، أن الدول يمكنها الانضمام مجانًا، لكن دفع مليار دولار يمنح العضوية الدائمة. وستُستخدم الأموال مباشرة لتحقيق مهام المجلس لإعادة إعمار غزة، مع ضمان استخدام كل دولار تقريبًا لتنفيذ هذه المهمة.
ويعكس الإصرار الأميركي على فرض الرؤية الأميركية تسارعًا في تنفيذ بعض ملامح الخطة الأميركية خلال المرحلة القادمة، فيما يشكل الغياب الفلسطيني عن التركيبة الأساسية للمجلس، بالضرورة ظرفًا يجعل من اللجنة الإدارية في غزة مجرد لجنة تنفيذية.
أوروبيًا، أعلنت دول عدة رفضها الانضمام للمجلس، حيث ذكرت صحيفة “كورييري ديلا سيرا” الإيطالية، الأربعاء، أن إيطاليا لن تشارك في مجلس يقوده زعيم دولة واحدة، وهو ما يتعارض مع الدستور الإيطالي. كما أعلنت النرويج رفضها الانضمام، معتبرة أن الانضمام إلى هيكل “يتحدى دور الأمم المتحدة والقانون الدولي” أمر غير ممكن، وكذلك فعلت السويد.
ونقلت وكالة رويترز عن مسؤولين دبلوماسيين أوروبيين قولهم إن عدة دول أوروبية تدرس ما إذا كانت ستوقف إرسال أفراد إلى مركز التنسيق المدني العسكري الذي تقوده القوات العسكرية الأميركية بشأن غزة، مشيرين إلى أنه لم يسهم في زيادة تدفق المساعدات إلى القطاع الذي دمرته الحرب أو تحقيق تغيير سياسي.
وكشف الدبلوماسيون أن مسؤولين من بعض الدول الأوروبية لم يعودوا إلى المركز، الذي يقع بالقرب من حدود غزة، منذ عطلتي عيد الميلاد والسنة الجديدة، مشيرين إلى أن عدة دول تشكك في جدوى المركز. وكان وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، قد دعا، أمس، إلى إغلاق مركز التنسيق المدني العسكري الخاص بغزة واقتحامها عسكريًا.
إسرائيليًا، أعلن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو قبوله دعوة ترامب للانضمام إلى مجلس السلام.
عربيًا وإسلاميًا، أعلنت مصر والإمارات والبحرين وأذربيجان قبول الانضمام لـ”مجلس السلام”.
اللجنة الإدارية.. طموحات معلّقة
أما بند اللجنة الإدارية، فيأتي ذلك فيما لا تزال «اللجنة المؤقتة لإدارة قطاع غزة» تواجه عراقيل كبيرة، وسط تمنّع إسرائيلي عن السماح لأعضائها بالدخول إلى القطاع، رغم الاتفاقات المسبقة في هذا الشأن التي تمت برعاية أميركية.
ومن بين الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لتعطيل دخول اللجنة انتظار استعادة رفات آخر جندي إسرائيلي محتجز في غزة، وهي مناورات عنوانها التعطيل أملًا بالعودة إلى الحرب وتهجير الغزيين إلى خارج القطاع.
وأشار مسؤول مصري لصحيفة الأخبار اللبنانية إلى أن الرئيس السيسي سيطرح ملف العقبات الإسرائيلية على هامش «منتدى دافوس»، وسيقدم تقريرًا شاملًا يتضمن رؤية القاهرة بشأن المعوقات أمام تثبيت وقف إطلاق النار، خاصة معبر رفح المغلق بقرار إسرائيلي، فيما يتناقض مع كل ما تم الاتفاق عليه.
كذلك كشف المسؤول أن السعودية «تروّج داخل أروقة المفاوضات لخطط تهدف إلى إخراج قيادات من حماس من القطاع، وتحديدًا إلى تركيا، وهي مقترحات تعتبرها مصر عبئًا على مسار معقد أساسًا».
وتحصر صلاحيات اللجنة في المناطق التي انسحب منها الاحتلال فقط، ولن تكون معنية بالتعامل المباشر مع الفصائل أو بملف سلاح المقاومة، إذ ستندرج هذه القضايا ضمن اختصاص «مجلس السلام الدولي» وإدارته التنفيذية. كما أنها ستتسلّم بشكل مباشر من حركة «حماس» جميع ملفات الوزارات والمؤسسات الحكومية والأمنية، على أن يُعاد تشغيل الوزارات تحت إدارتها، بما في ذلك إعادة العاملين الذين جرى استبعادهم أو تجميدهم خلال فترة حكم الحركة للقطاع.
وتسير اللجنة وسط ألغام، ففيما أبدت «حماس» استعدادها لتوفير المناخ اللازم لتمكين اللجنة من ممارسة مهامها وتسليمها المؤسسات الحكومية كافة، تنظر إليها السلطة وحركة «فتح» بعين الريبة، رغم ترحيب الرئاسة الفلسطينية باللجنة خشية الانسلاخ عن السلطة.
رغم أن رئيس اللجنة علي شعث يوصف بـ”الفتحاوي”، وهو ما يذكّر بما حدث مع رجل الأعمال سمير حليلة، الذي بدأت اتصالات أميركية معه في تموز من العام الماضي لمناقشة خطة ترشيحه لحكم قطاع غزة، حيث أقر حليلة بأن المخطط وصاية عربية – أميركية على القطاع، كونه يفتقر في مرحلته الأولى إلى أي محددات أو مشاريع سياسية. واعتبر حليلة نفسه أداة لتنفيذ هذا المشروع وليس طرفًا سياسيًا، واضعًا موافقة السلطة الفلسطينية شرطًا لتأدية ذلك الدور.
لتصدر السلطة الفلسطينية آنذاك بيانًا تؤكد فيه أن الجهة الوحيدة المخولة لإدارة القطاع هي دولة فلسطين ممثلة بالحكومة أو لجنتها الإدارية المتفق عليها والتي يرأسها وزير في الحكومة، وغير ذلك «يعتبر خروجًا عن الخط الوطني، ويتساوق مع ما يريده الاحتلال الذي يريد فصل غزة عن الضفة وتهجير سكانها»، وشنت هجومًا على حليلة.
وأعلنت الفصائل الفلسطينية، بما فيها حماس، في بيان عقب اجتماعها في القاهرة، دعمها الكامل لجهود الوسطاء في تشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية الانتقالية لإدارة قطاع غزة، وأنها ستواصل العمل على توحيد المواقف الفلسطينية لتجاوز المرحلة الحرجة التي يمر بها القطاع، وصولًا إلى وحدة النظام السياسي والقرار الوطني المستقل، دفاعًا عن حقوق الشعب ومواجهة مخططات ضم الضفة الغربية والاعتداءات على المقدسات في القدس، مع التأكيد على ضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وقال مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، عمار الدويك، في مقال له، إنه “في أعقاب الإعلان عن تشكيل مجلس السلام ولجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة، وتعيين ما أُطلق عليه ممثلًا ساميًا لغزة، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام ترتيبات حكم جديدة تثير مشاعر متناقضة.
فمن جهة، يسود شعور واسع بالإهانة والقلق من وضع غزة عمليًا تحت شكل من أشكال الوصاية الدولية، بما يحمله ذلك من انتقاص للسيادة وتهميش للإرادة الفلسطينية، ومن جهة أخرى، يبرز أمل حذر بأن تسهم هذه الترتيبات في وقف المعاناة الكارثية، ومنع التهجير، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار، وخلق حد أدنى من الاستقرار يسمح بعودة الحياة إلى مستوى معقول من الطبيعية بعد حرب إبادة مدمرة”.
بدوره قال الأمين العام للمبادرة الوطنية، مصطفى البرغوثي، إن الأمر مليء بالألغام، ومن الواضح أن الذي يقرر في كل شيء هو الرئيس الأميركي، فما معنى أن يعود بلير بعد أن أُخرج من الباب أن يعود من الشباك واضطروا إلى استبداله بميلادينوف؟ هذا مثير للاستغراب والقلق. وأيضًا ما معنى أن يكون رجل أعمال إسرائيلي في مجلس السلام هذا، ونحن نعرف أن كثيرًا من الأسماء التي ذُكرت يغلب عليها دعم إسرائيل.
وأضاف: أمامنا أيضًا قضيتان واضحتان، فما معنى الاعتراض الإسرائيلي على هذا المجلس؟ الأمر لا يُفسَّر إلا برغبة احتلال كامل قطاع غزة وتنفيذ التطهير العرقي. والنقطة الجوهرية الثانية: هل ستتولى اللجنة الإدارية فعليًا المسؤولية أم سيجري التعامل معها بالإملاءات؟ وفكرة وجود مندوب سامٍ خطيرة وغير مقبولة، وتذكر الفلسطينيين بفترة الاحتلال البريطاني والمندوب السامي في حينه، وبرأيي هذا كله يجب التأكيد عليه.
فيما ترى أستاذة الدبلوماسية وحل النزاعات بالجامعة العربية الأميركية، دلال عريقات، أن التقييم الحقيقي غير ممكن الآن إلا بعد دخول هذه اللجنة إلى أرض غزة، وهذا ما يتطلب موافقة إسرائيلية غير متوفرة حتى اللحظة.
والجدل الدائر حول اللجنة الإدارية لا يمكن فصله عن السياق الذي وُلدت فيه، وهو سياق بنيوي متخيل هدفه القضاء على القرار الفلسطيني وحرمان الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره. السياق مختل سياسيًا وأمنيًا منذ لحظته الأولى، فالحديث عن وقف لإطلاق النار وخطة ترامب للسلام وقرار مجلس الأمن 2803، الذي استُند إليه لتبرير تشكيل اللجنة، يتجاهل كون وقف إطلاق النار لم يحقق دخول المساعدات الإنسانية ولم تنسحب القوات الإسرائيلية من غزة، وهي حالة هشة غير قابلة للبناء عليها.
وأشارت عريقات إلى أن التدخل الإسرائيلي المباشر في تشكيل اللجنة، عبر الرفض والتهديدات الأمنية الصادرة عن ميليشيات مرتبطة بإسرائيل، يطرح علامات استفهام جدية حول مدى استقلالية اللجنة وقدرتها على العمل بوصفها إطارًا فلسطينيًا فعليًا، لا مجرد أداة إدارية خدماتية محدودة الصلاحيات. وما يُقدَّم على أنه اختلاف في الرؤى هو في حقيقته تصادم مشاريع سياسية.
فبينما تُطرح اللجنة من بعض الأطراف كمدخل انتقالي يمهّد لمسار سياسي، تتعامل معها أطراف أخرى كحل تقني لإدارة الأزمة، أو كأداة لضبط الوضع الأمني دون معالجة جذور الصراع. هذا التناقض البنيوي يجعل المرحلة الثانية مهددة بالفشل قبل أن تبدأ، لغياب مرجعية سياسية موحدة وتعريف واضح للسيادة والصلاحيات. كما أن المرحلة تفتقر إلى إطار زمني وتسلسل إجرائي مربوط بمسؤوليات، وتفتقر إلى آليات التقييم والمحاسبة، وتحتاج فعلًا إلى ضمانات ودور أعظم للوسطاء والإدارة الأميركية صاحبة الخطة، ممثلة بالرئيس ترامب.
وأضافت: أما ما يُعرف بـ”مجلس السلام” ترامب، أي إطار يُمنح سلطة القرار بينما تُحصر اللجنة في دور تنفيذي محدود، فلا يمكن اعتباره حياديًا. فالحياد غير ممكن في ظل اختلال ميزان القوة، وأي صيغة لا تنطلق من القانون الدولي والعدالة والمساءلة تكون غير مستدامة ولا تعالج واقع الاحتلال، ما سيؤدي عمليًا إلى إعادة إنتاج شكل جديد من الوصاية، مهما اختلفت تسمياته.
الحلول المؤقتة والمجتزأة لا تخدم الحلول الاستراتيجية، بل تخدم استراتيجيات المماطلة التي تصب في خدمة المشروع الكولونيالي الاستيطاني القائم على التهجير والاستحواذ على الأرض.
وختمت عريقات بالتساؤل: السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت اللجنة قادرة على النجاح تقنيًا، بل ما إذا كان مسموحًا أصلًا بقيام إدارة فلسطينية تمتلك حدًا أدنى من الاستقلال السياسي والقدرة على الفعل، في ظل شروط إسرائيلية وإقليمية ودولية لا تزال تتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها أزمة تُدار لا قضية تحرر.
ما يقودنا في الختام لبند إعادة الإعمار وعدم إجبار أحد على مغادرة القطاع، وفتح مسار حوار بين إسرائيل والفلسطينيين لوضع إطار سياسي للتعايش، حيث أجاب السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، عن ذلك كله، في تصريحات له الأسبوع الماضي، بالقول: إن خطة تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة ما تزال مطروحة، ولا أعتقد أنه الآن أيضًا أُزيلت عن الطاولة. وإذا أراد الناس مغادرة غزة، سيُمنحون فرصة بالمغادرة، وهذا سيكون متعلقًا بالدول التي قررت أنها مستعدة لاستقبالهم.
وأضاف: لست متأكدًا أن الإسرائيليين سيفتحون معبر رفح قبل عودة الأسير الأخير، ولا علم لي بضغط أميركي على إسرائيل من أجل فتح المعبر. وأميركا تنظر إلى نزع سلاح حماس وإعادة الأسير، وهذه هي الأمور الموجودة في أولوية عليا.
أما فيما يتعلق بتنفيذ مخطط ضم الضفة الغربية، فهذه قضية يقرر فيها الإسرائيليون بأنفسهم، ولا علم لي بوجود قيود زمنية بهذا الخصوص. وأعلم فعلًا أن إسرائيل أقامت مؤخرًا 19 مستوطنة في المناطق “سي”، وللإسرائيليين الحق بالعيش، وهذا أمر أساسي. وإدارة ترامب اعترفت بأن هذا ليس خرقًا للقانون الدولي.
وحول إقامة دولة فلسطينية، قال هاكابي إنه “ليس مهمًا من سيكون الرئيس الأميركي، وعندما يقولون إنه ستكون دولة فلسطينية، فإنني أقول إن هذه نظرة طموحة. وأطلب أن يطلعوني أين ستكون الحدود على الخريطة، ومن يسيطر على الحدود ومن يدافع عن الإسرائيليين. وإلى حين يجيبون على هذه الأسئلة، لا أعلم إذا كان هناك بحث بالإمكان إجراؤه حول هذا الموضوع”.




