محمد عبد الله
أنهى جيش الاحتلال الإسرائيلي قبل أيام، عملية عسكرية واسعة في المنطقة الجنوبية من مدينة الخليل، استمرت أربعة أيام، بذريعة ضبط ما وصفه بـ”الفلتان الأمني” والنزاعات العائلية.
غير أن العملية، التي ترافقت مع اقتحامات واعتقالات وتخريب واسع للممتلكات، أثارت تساؤلات فلسطينية جدية حول أهدافها الحقيقية، في ظل اتهامات بأنها تندرج ضمن سياسة ممنهجة لتوسيع السيطرة الاستيطانية وفرض واقع أمني جديد في المدينة.
وبحسب شهود عيان ومصادر محلية، انسحبت قوات الاحتلال بعد أن اعتقلت ما لا يقل عن 10 فلسطينيين، وأجرت تحقيقات ميدانية مع عشرات آخرين عقب مداهمة منازلهم وتفتيشها والعبث بمحتوياتها، إلى جانب إغلاق شوارع رئيسية وفرعية وإلحاق أضرار بعدد من المركبات.
في المقابل، ذكرت القناة 12 الإسرائيلية أن الجيش “أنهى الحملة العسكرية في الخليل”، مشيرة إلى تفتيش نحو 350 منزلاً واعتقال 14 فلسطينياً خلال العملية.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، بدء العملية بمشاركة جهاز الأمن العام (الشاباك) وحرس الحدود، مدعيًا أنها تستند إلى “تقديرات أمنية” تتحدث عن تصاعد “ظاهرة المسلحين”، وخروج النزاعات العشائرية عن السيطرة وانتشار السلاح غير القانوني، خاصة في منطقة جبل جوهر جنوبي المدينة.
إلا أن منسق “شباب ضد الاستيطان” عيسى عمرو أكد في حوار خاص مع “بالغراف” أن العملية، منذ يومها الأول، لم تصب في مصلحة المواطن الفلسطيني، معتبرًا أنها تهدف إلى إرهاب السكان وتخويفهم ودفعهم إلى الرحيل.
وقال عمرو إن الاقتحامات طالت مدارس ومنازل، وتم خلالها تخريب ممتلكات وإزالة الأعلام الفلسطينية، إضافة إلى اقتحام دواوين عائلات في المنطقة الجنوبية.
وأضاف عمرو أن “ما يجري هو محاولة لخلق واقع جديد يجعل هذه المنطقة متنفسًا للمستوطنين مستقبلًا، وهي عملية تهجير مقنّعة تخدم المشروع الاستيطاني”، معتبرًا أن العملية تمثل أيضًا استعراض قوة ورسالة سياسية للسلطة الفلسطينية بأن هذه المناطق باتت خاضعة لسيطرة الاحتلال الإدارية والأمنية.
وأشار عمرو إلى أن قوات الاحتلال حاولت خلال العملية خلق قنوات تواصل مع بعض المخاتير، إلا أن هؤلاء رفضوا التعاون، ما ساهم – بحسبه – في إفشال أهداف العملية.
وشدد على أن معالجة أي نزاعات داخلية شأن فلسطيني داخلي، وأن المجتمع الفلسطيني يمتلك آلياته الخاصة لحل الخلافات دون تدخل الاحتلال.
وحول ادعاءات “الفلتان الأمني”، أكد عمرو أن هذه الظاهرة موجودة في معظم مناطق الضفة الغربية، لكنها أشدّ حضورًا داخل أراضي عام 1948، حيث تسجل معدلات جريمة وقتل أعلى بكثير، محمِلًا الاحتلال المسؤولية المباشرة عن تفشي العنف عبر حماية مجموعات إجرامية وتغذية الخلافات العائلية.
وأوضح أن النزاع القائم بين فخذين من عائلة الرجبي لم يُحل، ولم يعتقل الاحتلال أي شخص من طرفيهما، رغم استخدامه هذه القضية كمبرر للحملة. وتساءل: “لو كان الهدف فعلاً إنهاء المشكلة، لماذا لم يُسمح لقوات الأمن الفلسطينية بالدخول وفرض القانون؟”.
كما أشار إلى وجود بؤر معروفة لتجارة المخدرات قرب حواجز الاحتلال، “تعمل على مرأى الجنود”، دون أي تحرك فعلي، ما يعزز – بحسبه – القناعة بأن الاحتلال يوظف حالة الفلتان لخدمة أجندته.
وفي سياق متصل، عبّر عمرو عن تخوفات متزايدة من توسيع المنطقة المغلقة في الخليل، لافتًا إلى أنه ومنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، أقام الاحتلال أكثر من ألف بوابة وحاجز في الضفة الغربية، ما أدى إلى محاصرة تجمعات فلسطينية كاملة، وفرض قيود خانقة على نحو 50 ألف مواطن.
وتوقع أن يسعى الاحتلال إلى التمدد باتجاه الجنوب الشرقي من المسجد الإبراهيمي، لتوسيع نطاق حركة المستوطنين وتسهيل حياتهم على حساب الحقوق الأساسية للفلسطينيين.
من جهتها، شددت عائلات المنطقة الجنوبية في بيان لها على أهمية التمسك بوحدة المجتمع وتماسك النسيج الاجتماعي باعتباره “السلاح الأقوى في مواجهة الاحتلال”.
وأكدت العائلات، على أن أي شجار أو خلاف فردي أو عائلي يجب أن يحل بالطرق العشائرية والدينية والقانونية، بعيداً عن استخدام السلاح وإطلاق النار.
ونفذت هذه العمليات في الجزء الخاضع للسيطرة الإسرائيلية من مدينة الخليل، المعروف بمنطقة “H2”، وفق “اتفاق الخليل” الموقع عام 1997، والذي قُسمت بموجبه المدينة إلى منطقتين:
H1: تخضع لإدارة السلطة الفلسطينية وتشكل معظم مساحة المدينة.
H2: تضم البلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي، وتبقى تحت السيطرة الإسرائيلية.
وبينما يصر الاحتلال على تسويق عمليته باعتبارها إجراءً أمنيًا لضبط الفلتان، يرى الفلسطينيون فيها حلقة جديدة من سياسة السيطرة التدريجية وتهيئة الأرض لتوسيع الاستيطان، في مدينة تعد من أكثر المناطق حساسية وتعقيدًا في الضفة الغربية.




