جيفارا سمارة
هَبَةُ علي زبيدات في بلدة سخنين بالداخل المحتل عام 1948، جاءت كمبادرة فردية أطلقها عبر اعتصامٍ وإغلاق محاله رفضًا لفرض «الخاوة» عليه من قبل عصابات الجريمة المنظَّمة، والتي سرعان ما تحوّلت إلى طوفانٍ احتجاجي شمل مختلف مدن وبلدات الداخل، رفضًا لتفشّي العنف والجريمة المنظَّمة.
خطوةٌ لا يمكن قراءتها بوصفها حدثًا طارئًا أو معزولًا؛ فهي أشبه بطفحٍ جلديٍّ ينبئ عن سرطانٍ انتشر في الجسد، وعَرَضٌ خارجيّ لخللٍ بنيويٍّ طويل الأمد.
الحراك غير المسبوق جاء بعد انضمام أولياء أمور الطلاب إلى زبيدات، وإعلان الإضراب في المؤسسات التعليمية، تلاه إعلان المجلس البلدي الإضرابَ وتنظيم مظاهرة أمام مركز الشرطة، وتحولت خيمة الاعتصام إلى نقطة انطلاق لحراكٍ شعبيٍّ واسع شمل بلداتٍ عربية أخرى، وصولًا إلى إعلان لجنة المتابعة واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية الإضرابَ العام، وانضمام سلطات محلية وأطباء وصيادلة إليه، في دولةٍ ترعى الإرهاب والإبادة بحق من تصفهم بـ«الأقلية» العربية فيها.
من جانبها أطلقت أمس المستشارة الاقتصادية نردين أرملي مبادرة “2/2” الداعية لعدم الشراء والاستهلاك ليوم واحد، كخطوة احتجاجية تسلط الضوء على قوة الاستهلاك في أراضي الداخل، ولتكون أداة مؤثرة.
فالأرقام تشخيصٌ لحالةٍ عضال؛ إذ تشير إلى أنه سُجِّل في عام 2015 مقتلُ 66 شخصًا، وهو العام الذي يُعدّ بداية التصاعد الملحوظ، وتكرر العدد نفسه في العام الذي يليه.
وارتفع العدد إلى 77 قتيلًا في عام 2017، وواصل الارتفاع في عام 2018 ليصل إلى 81، قبل أن يشهد عام 2019 أول تجاوز لحاجز المئة قتيل. وفي عام 2020 ارتفع العدد إلى 109 في تصاعدٍ ملحوظ، ثم ازداد بشكلٍ أخطر في عام 2021 ليصل إلى 126 قتيلًا.
وانخفض بشكلٍ طفيف في عام 2022 إلى 111، ليشهد عام 2023 قفزة غير مسبوقة بتسجيل 247 قتيلًا، وهو أعلى رقم مسجَّل حتى ذلك العام. واستمر الانحدار المجتمعي والتصاعد الإجرامي عام 2024 مع تسجيل 239 قتيلًا، ثم بلغ العدد ذروته التاريخية في عام 2025 بتسجيل 267 قتيلًا حتى نهاية العام، ليصل مجموع القتلى خلال الفترة الممتدة من 2015 إلى 2025 إلى 1,489 قتيلًا. ولا تشمل هذه المعطيات محاولات القتل، أو الإصابات غير القاتلة، أو الاعتداءات التي لم تُستخدم فيها أسلحة نارية.
الحراك الجماهيري الذي انطلق مع بداية العام هو الأوسع منذ سنوات، احتجاجًا على التواطؤ الفاضح من قِبل شرطة الاحتلال مع عصابات الإجرام، والإهمال المتعمَّد، وتحويل الجريمة إلى أداةٍ لشرذمة «المكوّن العربي» في الداخل وتدميره.
وهو في الحقيقة ليس إلا انتفاضةً في وجه سياسةٍ أمنية، كشف تقريرٌ للقناة 12 العبرية في يوليو/تموز 2012 عن تسريباتٍ خطيرة لأقوال ضابطٍ كبير في الشرطة الإسرائيلية، أفاد بأن معظم المتورطين من فلسطينيي الداخل عام 1948 في عالم الإجرام هم عملاء للمخابرات العامة (الشاباك)، ويتمتعون بحصانة تحول دون مكافحة الجريمة المستشرية.
وفي وقتٍ سارعت فيه الأحزاب العربية إلى التعهّد بالعمل على إعادة تشكيل «القائمة العربية المشتركة»، وخوض انتخابات «الكنيست» المقبلة، المقرَّرة في تشرين الأول/أكتوبر، بصفٍّ موحّد، في محاولةٍ لما تسمّيه «ضمان التأثير على القرار السياسي الإسرائيلي»، شنّ ما يُسمّى بـ«وزير الأمن القومي» الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، الذي يدعو نهارًا وجهارًا إلى إبادة العرب، هجومًا على القيادات العربية المشاركة في الإضراب والمسيرات، استهدف بشكلٍ خاص رؤساء السلطات المحلية.
ويقول رئيس لجنة المتابعة، جمال زحالقة: «الشرطة ذاتها هي أصل الأمور هنا، خاصةً مع وزير أمنٍ عنصريٍّ متطرّف وفاشي؛ إذ تضاعفت أرقام الجريمة في عهده، نتيجة عدم القيام بأيّ شيء. وعدم قيام الشرطة بواجبها هو فعليًا تورّط ومشاركة في الجريمة. هذا أمرٌ بالغ الأهمية، فالجانب السياسي يرغب في استمرار الوضع الحالي للفلسطينيين في الداخل داخل إسرائيل».
وفي تعليقه على حماية الجانبَين الأمني والسياسي للجريمة ورعايتها، يقول زحالقة: «الدولة في إسرائيل هي الجهة المفترض بها تحمّل مسؤولية الحفاظ على الأمن والأمان، وما ورد في تقرير الشرطة حول مسؤولية الشاباك ليس أمرًا جديدًا.
فإذا أخذنا مثلًا تجربة السلطة الفلسطينية عندما تسلّمت مقاليد الحكم في أراضي عام 1967، سلّمتها إسرائيل ملفات الجنايات كلها، ورفضت تسليمها ملفات تجّار المخدرات، على اعتبار أن هؤلاء التجّار يحظون بحمايةٍ ومظلّةٍ أمنية إسرائيلية. وأنا هنا لا أقول إن كل الجنايات في الداخل تقف وراءها المخابرات الإسرائيلية».
ويشير زحالقة إلى أن الرأي العام داخل إسرائيل قد يكون بعضه متعاطفًا، لكنه في أحسن حالاته تعاطفٌ لا يترجم إلى فعل. ويضيف: «نحن حاليًا موحّدون داخليًا في إطار لجنة المتابعة، وسنبقى نتابع الأمور أولًا بأول، ونرصد المستجدات، حتى نقوم بما يجب لفضح سياسات الدولة الإسرائيلية تجاه مكوّنٍ أساسيٍّ من المكوّن العربي داخل دولة إسرائيل، لأنّه من دون تدخّل الدولة الإسرائيلية لن يكون هناك حل، فالجريمة أصبحت مستفحلة».




