جيفارا سمارة
يُدفَع الفلسطيني في الضفة الغربية إلى اقتصاد البقاء، وهو وصف لمجتمع انتقل فيها السلوك الاقتصادي من “تحسين الرفاه” إلى تجنّب الانهيار، والابقاء على ضرورة (الغذاء، الطاقة، السكن) وليس الادخار وتحسين المعيشة، ويتحول التعليم معه الى عبء والصحة كلفة.
وباستمراره 5 سنوات أو 10 سنوات أو أكثر، يتحول لفخ بقاء تفنى معه الطبقة الوسطى، ويُضعف رأس المال البشري، وتزداد الهشاشة السياسية والاجتماعية، فيما الأخطر هو أن السياسات تُدار بعقل اقتصاد طبيعي بينما الواقع اقتصاد بقاء.
طوابير الغاز واذلال المعبر..والتشابه والفرق
في الشكل تعيد مشاهد الطوابير الطويلة على محطات تعبئة الغاز، والإذلال على المعبر مع الأردن والرشوة …الخ، إلى الذاكرة القريبة مشاهد غزة أيام الحصار، حالة تنطبق بمعايير عدة على الحالة في قطاع غزة قبل السابع من أكتوبر 2023، حيث بات الضفاوي يصارع في تفاصيل حياته اليومية منظومة متكاملة من جرائم الاحتلال، والاستيطان، وضم الضفة، والخنق الاقتصادي والاجتماعي، في واقع سقفه فقط النجاة من الشهر، وربما من الأسبوع.
لكن مع تمييزٍ ضروري بين التشابه البنيوي والاختلاف في الدرجة والشكل، فمن ناحية التحكم بالأساسيات: من الكهرباء، الوقود، المعابر، المقاصة، العمالة في أراضي عام 48، تكدس الشيقل وأزمة السيولة…. الخ، الضفة اليوم في اقتصاد معطَّل لا منهار، عجز دائم متسارع غير قادر على النمو أو التخطيط، هذا هو التشابه الجوهري، مع تشابه في نسب البطالة وربما الفقر في غزة ما قبل أكتوبر مع الضفة الآن إلى حد ما.
فيما الفرق الجوهري بين الحالتين، أن غزة ما قبل أكتوبر كانت في حصار مُعلن، كامل، طويل الأمد، بلا أفق، أما الضفة اليوم حصار غير مُعلن، متدرّج، متقطّع، يُسوَّق أمنيًا لكنه اقتصادي–اجتماعي في جوهره، وهذا أخطر سياسيًا، لأنه لا يخلق صدمة واحدة بل استنزافًا طويلًا بلا لحظة انفجار واضحة، ولكن بوضوح في إدارة الفقر بدل حلّه.
خنق معيشي، وسط قيود الحركة والوصول، انكماش حاد الاقتصاد، تآكل قدرة الأسر على الصمود، فخ الاعتماد على المساعدات، ارتفاع معدلات السقوط في الفقر، إنهيار مالي للسلطة (وليس العجز)، وهو غزونة للضفة، عبر استمرار هذا المسار من الاستنزاف الطويل، واستمرار القيود، ما يؤدي إلى انهيار وظيفي وفقدان الشرعية الوظيفية للسلطة، بتآكل الخدمات الصحة، التعليم، الشؤون الاجتماعية، العجز عن دفع الرواتب، وهذا أخطر من الانهيار المفاجئ، لأنه وبحكم التأثير “الجيو_سياسي” تتحول الضفة اليوم إلى نسخة أكثر تعقيدًا.
غزة والضفة: السيناريو والإخراج
بدوره، يقول الخبير والمحلل الاقتصادي طارق الحاج إنّ السيناريو في غزة والضفة هو الحصار الاقتصادي، وشلّ حركة الناس، وتدمير البنية التحتية، والخنق الاقتصادي عبر قطع المقاصة، ومنع العمالة، وأزمة السيولة، وأزمات الوقود… وغيرها من الأزمات، بهدف الضغط والتهجير الصامت.
أمّا الإخراج في غزة، فكان عبر الحروب والحصار المطبق، وصولًا إلى الإبادة وضمّ أجزاء من غزة وتهجير ما يمكن تهجيره، بينما في الضفة يتم الإخراج عبر جرائم القتل شبه اليومية، والاستيلاء على الأراضي، و«تقطيع الأوصال» بالحواجز، والاقتحامات، والاعتقالات… وصولًا إلى ضمّ الضفة، أو معظمها على الأقل، والتهجير الصامت.
ويضيف: بهذا المعنى، فإنّ إسرائيل تسعى فعلًا إلى استنساخ التجربة ذاتها في غزة وإسقاطها على الضفة، بإخراج مختلف نظرًا لاختلاف الواقع بين غزة والضفة، سواء بحكم الجغرافيا، أو بحكم الاستيطان المتغلغل في الضفة الغربية، وبوجود السلطة الفلسطينية أيضًا، التي تتعامل إسرائيل معها وفق اتفاقيات أمنية، ولكن للوصول في نهاية المطاف إلى الهدف نفسه، وهو فرض مخطط إسرائيلي يقضي بالتهجير وضمّ الأراضي والاستيلاء عليها وسرقتها.
ويؤكد أنّ إسرائيل تحاول وضع الفلسطيني أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا التأقلم مع هذا الوضع الكارثي الجديد، وهو ما يعني تغليب لقمة العيش على الوطن، ورؤية حقوقه وإنسانيته وكيانه تُسلب أمام عينيه من دون أن يحرّك ساكنًا، أو الهجرة، وهو ما تريده إسرائيل.
ويتابع الحاج: هذا ما بتنا نراه على الأرض عبر ضمّ المناطق «ج»، التي تشكّل نحو ثلثي الضفة تقريبًا، والقضاء على المخيمات الفلسطينية، وكلّ ذلك يعني إعادة صياغة الواقع بشكل جديد، في ظروف تشابه فعليًا ما كان يجري في قطاع غزة قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وتسعى إسرائيل الآن إلى فرض واقع جديد على الضفة كما حدث في غزة بعد السابع من أكتوبر.
من جانبه يقول المحلل والخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم إنّ التشابه في النتيجة النهائية واضح وجلي، عبر مخططات الاستيلاء، وربما باستخدام الأدوات ذاتها من تجويع وقتل وغيرها، ولكن مع وجود فروق بين الحالتين.
ويؤكد أنّه لا بدّ من التطرق إلى مسألة مهمة في الواقع الاقتصادي في الضفة الغربية، وهي سوء الإدارة وانعدام الكفاءة في إدارة الأزمات الفلسطينية، والمشكلات داخل السلطة الفلسطينية، إضافة إلى نفقات غير ضرورية، كان لا بدّ منذ البداية الالتفات إلى ما يقوله الاقتصاديون والمختصون بشأن ضبط النفقات، والإصلاحات، وإعادة الهيكلة.
ويضيف أنّ كل ذلك أدى إلى تراكم الدين العام، الذي بلغ الآن عشرات المليارات من الشواكل، وهو ما يجري اليوم على حساب الفقراء والطبقات والفئات المهمشة والأقل حظًا ويؤكد أنّ إسرائيل، بالطبع، ستستغل كل ذلك في إطار فرض مخطط سياسي–أمني يهدف إلى ابتلاع الأرض بلا أصحابها.




