جيفارا سمارة
في جزيرة ليتل سانت جيمس الواقعة ضمن جزر العذراء الأميركية، أو ما باتت تُعرف بجزيرة إبستين، البالغة مساحتها قرابة 78 فدانًا، يستوقفك مشهد لمبنى خُطِّطت حجارته باللونين الأبيض والأزرق، تعلوها قبة ذهبية، قيل إنه معبد كان يُحظر على أي أحد الاقتراب منه، إلا الملياردير اليهودي جيفري إبستين. فهل المبنى استنساخ لآخر، في مكان آخر، يُخطَّط كل من في الكيان أو من يعمل معه لاستهدافه؟.
في “بالغراف” نحاول النظر إلى ما هو أبعد من فظائع وجرائم لم تقتصر على اغتصاب الأطفال واستغلالهم، أو حتى تعذيبهم وقتلهم، بل وصل الانحراف والتوحش حد أكل لحومهم، في خطوة ربما أُريد منها تركيز الأنظار على الفظائع وحصرها في مالك الجزيرة وزعماء وأمراء ومشاهير، إذ تشير كل الدلائل إلى أن الفدادين الـ78 كانت تُدار بمقدرات دولة، وبأجهزة استخبارات عالية الحرفية، تتخطى قدرة شخص منفرد.
وللفهم أكثر، عدنا في الزمن 2511 عامًا، إلى عهد الملك الفارسي أحشويروش وزوجته اليهودية إستير، بعد أن كان سلفه كورش قد قضى على مملكة بابل وأنهى السبي، ولسنا هنا بصدد إيراد ذلك كسرد تاريخي يُثبت حقًا أو يُغيّر حقيقة، وإنما لعكس ذهنية كانت وما تزال تعمل بذات النهج: الاستغلال الجنسي والتحكم بزعماء الإمبراطوريات لتنفيذ المخططات، بل حتى إن مؤرخين مرموقين، مثل المؤرخ العراقي فاضل الربيعي، يُدلّلون على أن أحداث التوراة دارت في اليمن القديم وليس إسرائيل، وأن اليمن مليء بدور عبادة تُسمى “الهيكل”، ولا وجود لأيٍّ هيكل منها في فلسطين.
وما دمنا في حديث إيران، فإن الخطير هو انتفاضة الغرب وجمعيات حقوق الإنسان والمرأة… إلخ، في أيلول 2022 عقب وفاة مهسا أميني، في حين يسود صمت كصمت القبور، ما خلا الإعلام ووسائل التواصل، حول الفظائع التي جرت في جزيرة الشيطان (إبستين)، والأخطر ليس ما فعله الملوك والزعماء والمشاهير في الجزيرة، وإنما ظهور آلاف الأسماء لشخصيات ومؤسسات في الوثائق، فيما عُرف بالكتاب الأسود لإبستين، التي رُفعت عنها السرية مؤخرا من قبل المحكمة في نيويورك.
وإن ورود اسم شخص في هذه الوثائق وإن كان لا يعني بالضرورة تورطه في الجرائم، إلا أنه يعكس عملا مؤسسيًا واستخباراتيًا يستهدف كل ما يمكن أن يخدم مصلحة من وراء مالك الجزيرة، وهو ما بدا جليًا في طلب إبستين من مساعده ليسلي غروف، في إحدى الوثائق التي نُشرت: “تواصلوا مع كل من تراه ذكيًا”، في صيغة توحي بسعي منظّم إلى بناء شبكة علاقات، أو على الأقل الاستقطاب.
ومن باب المهنية، فإن استغلال النساء أو حتى تطوعهن في الأعمال الجنسية لصالح دولة أو جهة، ليس جديدًا، بل عمره آلاف السنين، والتاريخ زاخر بأسمائهن، كخرافة أو أسطورة شمشون ودليلة، وليس الأمر أيضا حكرًا على إسرائيل، وإنما نوردها لنعكس مخططات غيرت شكل فلسطين والمنطقة والمعادلات الدولية.
أقوى ملك.. طفلة قاصر.. وإبادة جماعية
وتبدأ القصة الأولى مع طفلة قاصر ويتيمة اسمها إستير، قيل إن اسمها اشتُق من ربط الترجمة الآرامية للكتاب المقدس (الترجوم) الاسم بالكلمة الفارسية لـ”star” لكونها جميلة مثل نجمة الصباح، زُيّنت في عيني ملك كان يحكم دولة تمتد من دول البلقان وأوروبا الشرقية في الغرب، حتى وادي السند في الشرق، وقدمت له بديلًا عن زوجته التي فضلت الاحتشام ورفضت المشاركة في حفل ماجن.
إستير التي أصبحت ملكة أثيرة عند ملك فارس (إيران) أحشويروش، وهامسة في أذنيه في وقت كان يقتل أي شخص يطلب مقابلته دون أن يرغب هو في ذلك، كانت هي ذات نفوذ واسع بسبب هيام الملك بها وتنفيذه لرغباتها، وإستير الملكة كانت تأتمر بأمر ابن عمها مردخاي بنيامين، الذي يرى بعض المؤرخين أن الوزير هامان في عصر الملك آنذاك حاول التصدي لنفوذه في إمبراطورية هي أكبر من أي إمبراطورية سابقة في التاريخ، تمتد 5.5 مليون كم مربع، لينتهي الصراع بينهما بقتل الإمبراطور لوزيره هامان، بعد أن دخلت عليه إستير عقب أن تغيب عنها 30 يومًا، في ثيابها الملكية التي حاول الفنان الشهير رامبرانت وغوستاف دوريه رسم سحرها الأنثوي، وطلبت منه أن يقتله.
لم ينتهِ الأمر عند حد قتل الوزير وصلبه على خشبة كبيرة، بل انتقلت كل ثروته وأملاكه لليهود في إطار “تعويضات”، وهو مصطلح سيرافق لاحقًا أي مجتمع يقع بينه وبين اليهود أي خلاف حتى يوم الناس هذا، ثم أُعطي الملك أمرًا، بناء على رغبة الملكة إستير، الفرصة لليهود بالانتقام من كل من عاداهم يومًا، لتُنفذ “الإبادة” بحماية أقوى جيش في العالم آنذاك، في 127 ولاية هي تعداد المدن الفارسية آنذاك، حيث يشير سفر إستير إلى أن عدد الضحايا وصل إلى أكثر من 75 ألف قتيل.
رئيس أقوى دولة.. علاقة محرّمة.. وهامسة غيّرت شكل العالم العربي
يقول وليام كوانت، العضو الفاعل بمجلس الأمن القومي الأميركي في فترتين حرجتين: الأولى بين (1972–1974) والثانية (1977–1979)، والمستشار الرئيسي لشؤون الشرق الأوسط للرئيس جيمي كارتر، والمهندس الفعلي والكاتب الرئيسي خلف كواليس اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 بين مصر وإسرائيل: “إن تأثير السيدة ماتيلدا كريم، أميركية الجنسية يهودية الديانة، كان هائلًا على الرئيس الأميركي ليندون جونسون، فلم يكن يستمع لأي أحد كما كان يستمع لها”.
ويضيف الكاتب والإعلامي الكبير محمد حسنين هيكل: “ماتيلدا كانت فائقة الجمال، لعبت دورًا شديد الأهمية في حرب سنة 67، وأظن أنه ليس هناك مؤرخ أو أحد كتب عن 67 إلا وأشار إلى الدور الخطير جدًا الذي قامت به.
فجونسون، والذي كان قد أكمل عقده السادس، وكان يُوصف بأنه مولع بالنساء، وهي تصغره بنصف عمره تقريبًا، ووصلت العلاقة حد أن تخرج من غرفة نومه أمام طاقم البيت الأبيض جهارًا نهارا دون أي صفة رسمية لها، سوى أن زوجها الأول كان يهوديًا بلغاريًا وصهيونيًا متزمتًا، اصطحبها معه إلى إسرائيل حيث تهودت، وانضمت معه إلى جمعية “الأرغون تسفاي” الإرهابية، واشتركت في عمليتين إرهابيتين كبيرتين: عملية اغتيال اللورد سنة 1945، ونسف فندق الملك داوود، والتي وصفتْهما ماتيلدا لاحقًا بأنهما عملان بطوليان. ليهربا بعد ذلك من الكيان إلى جنيف بسبب مطاردة بريطانيا لهما، ليفترقا هناك، وتتزوج من يهودي آخر هو آرثر كريم، صاحب وكالة إعلانات في هوليوود ومنتج أفلام، ونشيط في حركة جمع التبرعات لإسرائيل”.
ويشير هيكل، استنادًا إلى عشرات المؤرخين، إلى أن ماتيلدا كانت تقرأ المذكرات الرئاسية وتؤشر عليها وتبدي آراء فيها، ويُقبل منها إلى درجة أن مشروع جونسون، الخمس نقاط الشهيرة لتسوية ما بعد 67، كان من تعديلها في أربعة مواقع على أقل تقدير، حيث كانت ماتيلدا على علاقة قوية جدًا مع بن إفرون، الممثل الدائم للموساد في واشنطن، وأنها في أيام الحرب الحاسمة لم تفارق الرئيس، والذي كان يطلعها ويشاورها في كل ما يرد، بل إن الحاشية كانت تحرّضها على الهمس في أذنه.
ويتابع: وفي ليلة الخامس من يونيو، كل التقارير تقول إن ماتيلدا كانت قرب الرئيس في البيت الأبيض، وعند بدء الحرب كانت ماتيلدا أول من كان جونسون يناقشها في الأمر، وهما بثياب النوم، في حرب استطاعت أن تساهم في أن توفر لإسرائيل أجهزة مخابرات لديها كل وسائل الفعل، وأجهزة إنذار مبكر، وأجهزة دفاع داخلي على كامل الجبهة الداخلية، ووفرت أجهزة حل شيفرة، وساهمت في إبرام صفقة سلاح خلال الحرب بقيمة 70 مليون دولار، رغم معارضة وزارة الدفاع الأميركية، ليتدخل جونسون بعد طلب ماتيلدا، وأصدر الأوامر باستئناف الصفقة.
وينقل هيكل كلامًا عن ريتشارد هيلمز، رئيس الـ(CIA)، له شخصيًا، قال فيه: إن إسرائيل، في داعي العجلة، لم تطلب الأسلحة بأسمائها، بل طلبتها بالرقم السري، المعطى لكل سلاح في مخازن الجيش، بمعنى أنهم كانوا يعرفون كل المعلومات السرية داخل المستودعات، لاستعجال الأمور.
رئيس أقوى دولة.. وميريام الهامسة المتحكمة بعقله
وبالعودة إلى طلب إبستين من مساعده: «اتصل بكل من تراه ذكيًا»، فإن واحدة من أبرز سياسات الموساد هي استدراج كل ذكي في أي مكان يهمهم، ويعتقدون أن له مستقبلًا في بلده، والإيقاع به وابتزازه عندما يحين الحين.
وبحسب الوثائق، فإن ترامب وزوجته خير دليل على ذلك، حيث صرّح مايكل وولف، الذي ألّف سيرة ذاتية عن ترامب، أن علاقة جنسية جمعت إبستين وميلانيا ترامب، واصفًا إياها بـ”نقطة الضعف الأخطر” لدى ترامب، الذي تناولت الوثائق 13 شكوى جنائية بحقه تتعلق باعتداءات جنسية بحق طفلات تتراوح أعمارهن بين 13 و14 عامًا.
جزيرة الشيطان كانت أشبه بما يُعرف بتلفزيون الواقع، حيث كل شيء مُسجَّل، حتى قضاء الحاجة في الحمام، ليتحوّل كل شيء إلى ملف ابتزاز عالمي مفتوح، يُستخدم عند الحاجة لإعادة ضبط المشهد السياسي، أو إسقاط شخصيات، أو حماية أخرى. ولعل هذا ما يفسر انبطاح أمراء وزعماء عرب وردت أسماؤهم في الوثائق، أمام الرغبات والمصالح الإسرائيلية.
الوثائق المنشورة تضمنت أيضا شهادة مصدر سري من داخل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، بأن ترامب وصهره جاريد كوشنر كانا أدوات اختراق إسرائيلية، وأن ترامب كان عرضة للابتزاز الإسرائيلي، بارتباطات مالية وسياسية لعائلة كوشنر، وعلاقته الوثيقة بحركة «حباد» اليهودية.
الملفات طالت أسماء بارزة أخرى، من بينها إيلون ماسك (الداعم لإسرائيل)، وستيف بانون، مستشار ترامب السابق، الذي طلب منه إبستين تعيين جون بولتون في إدارة ترامب، محذرًا إياه من أن بولتون لا يتحرك خطوة دون كلام شيلدون أديلسون (الملياردير المؤيد لإسرائيل)، كما وصف زوجة أديلسون (ميريام) بأنها “تتحكم في عقل دونالد ترامب”، وتعد من أكبر المتبرعين له، في إشارة إلى مدى النفوذ الإسرائيلي في إدارته.
جيلين وإبستين.. وجزيرة تعج بالإستيرات والماتيلدات
لم تكن صبيحة العاشر من آب 2019، في سجن متروبوليتان في نيويورك، عندما عُثر على إبستين ميتًا في زنزانته، نهاية لفصل من الفظائع وغواية الشيطان إبستين، بل كانت فصلًا جديدًا لرجل أُريد التخلص منه لا لأنه مجرم، بل لأنه سيفضح جهات تتحكم بصنع القرار العالمي.
لم تكن سيرة الرجل في بدايتها تختلف كثيرًا عنها في نهاية حياته؛ فبعد خروجه من الجامعة دون التخرج، رغم ذكائه الحاد، وعمله كمدرس وطرده بعد القبض عليه أكثر من مرة يتلصص على حمامات القاصرات، أو غرقه بعد ذلك في مستنقع الأموال القذرة وغسيل الأموال، ما يهمنا هو التحول في مسيرة إبستين وعمله مع رجل الأعمال اليهودي ليزلي ويسنر، مالك “فيكتوريا سيكريت”، حيث استطاع إبستين خلال فترة قصيرة الحصول منه على توكيل كامل لإدارة ثروته المقدَّرة بمليارات الدولارات، إضافة إلى قصر فاخر في نيويورك بيع له مقابل دولار واحد فقط، وهو الذي يُقدَّر ثمنه في الواقع بأكثر من 78 مليون دولار. هذه العلاقة لم تكن قائمة على الثقة وحدها، بل على شبكة ابتزاز جنسي منظم، استُخدمت فيها فتيات قاصرات جرى استدراجهن تحت غطاء عروض الأزياء والفرص المهنية.
لكن ما هو خطير فعلًا هو ارتباطه بجيلين ماكسويل بعد وفاة والدها روبرت ماكسويل، الذي كان يوصف بأنه بارون الإعلام البريطاني والصندوق الأسود، رجل الإعلام البريطاني المرتبط بالاستخبارات الإسرائيلية، في ظروف غامضة عام 1991، اتُّهم الموساد بالوقوف وراءها عقب فضيحة إيران–كونترا.
وبدأت العلاقة بين إبستين وعائلة ماكسويل في الثمانينيات، عندما كان الوالد بحاجة إلى إخفاء أمواله، فساعده إبستين بإخفائها في حسابات مصرفية خارجية (بنوك إسرائيلية)، ليتبين لاحقًا أن كل أملاكه وثروته، التي تخطت عند وفاته ملياري دولار، حُوّلت إلى البنوك الإسرائيلية، بعد دفنه في القدس عقب جنازة حضرها مختلف القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين.
دخلت جيلين ماكسويل حياة إبستين لتصبح شريكته ومديرة عملياته الاجتماعية والسياسية، انخرطت معه في علاقة عاطفية وشراكة، لتكون لاحقًا، بحسب المدّعية الرئيسة في قضية إبستين فيرجينيا جوفري، التي عُثر عليها هي أيضًا “منتحرة”، هي من تشرف على استدراج الفتيات القاصرات، وتكون مفتاحه لأبواب الرؤساء، والأمراء، والوزراء، ورجال الأعمال، والأكاديميين، والمشاهير.
وكان أول رئيس أميركي وطدت جيلين علاقة إبستين به هو بيل كلنتون، حيث كان أبرز الداعمين والمتبرعين لحملته الانتخابية، وكذلك فعلت ذات الشيء مع ترامب.
وكانت هي من اقترحت فكرة الجزيرة في جزر العذراء الأميركية، بعيدًا عن الأعين، وتحويلها إلى مركز عمليات الاستغلال الجنسي والتصوير والابتزاز.
وفي عام 2005، أسفر بلاغ عن اغتصاب طفلة قاصرة تبلغ من العمر 14 عامًا عن كشف جريمة اغتصاب 80 طفلة تتراوح أعمارهن بين 14 و16 عامًا، كلهن اغتُصبن في قصر إبستين في نيويورك. وبعد أن اكتُفي بالحكم عليه بدفع 3 آلاف دولار غرامة، هرب إلى إسرائيل، حيث كان يرافقه هناك رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، ليعود بعدها إلى الولايات المتحدة ضمن صفقة ضمنت له ألا يُلاحق قضائيًا، بعد أن يقضي سنة في السجن، يُسمح له بموجبها بالخروج يوميًا من السجن 12 ساعة كاملة.
عام 2019 أُعيد اعتقال إبستين، لكن قبل أن يبدأ بالكلام، وُجد ميتًا في زنزانته، والمفاجأة أنه قد ظهرت وصية باسمه، بموجبها انتقلت كل ثرواته وأمواله إلى جمعيات خيرية يهودية في إسرائيل.
“شيطان الحِيَل”
جهاز الاستخبارات الخارجي الإسرائيلي “الموساد”، أو كما يُترجَم: مؤسسة الاستخبارات والمهام الخاصة، والتي يُشار في بعض المصادر إلى أن مرجعيتها التوراتية مأخوذة من كلمة “تحبولوت” الواردة في الآية 11:14 من سفر الأمثال، ومعناها: الحِيَل والتخطيط.
وادّعى ضابط الموساد السابق آري بن ميناشي – في حديث مع قناة روسيا اليوم – أن إبستين ووالد جيلين ماكسويل كانا عميلين للجهاز، وأن كل ما جرى كان بهدف جمع معلومات استخبارية من شخصيات بارزة لصالح الموساد، وأن جميع الفضائح المذكورة في قضية إبستين قد تم تدبيرها لصالح الموساد بهدف جمع المعلومات وابتزاز الشخصيات المشهورة، وهذا ما أكدته الباحثة والصحافية الاستقصائية ويتني ويب في كتابها المرجعي *One Nation Under Blackmail*.
ووفقًا لويب، فإن إبستين لم يكن مجرد قوّاد، بل جزءًا من منظومة بدأت منذ الحرب العالمية الثانية، دمجت شبكات الجريمة المنظمة مع الاستخبارات الغربية، ضمن منظومة هدفها السيطرة على النخبة عبر الابتزاز الجنسي، والتجنيد المالي، والتواطؤ السياسي، أو ما تسمّيه ويب “تعفّن النخب”. وبحسب ويب، فإن ما يُميّز شبكة إبستين هو اعتمادها على آليات مبتكرة في الابتزاز وترويض النخبة.
وعندما أُعيد فتح ملف صفقة التسوية التي حصل عليها إبستين عامي 2008 و2009، أُبلغ المدعي العام ألكسندر أكوستا من جهات عليا، بحسب شهادته، بأن إبستين “أصل استخباراتي أميركي وأخرى تابعة لدول حليفة”، ما أدى إلى تخفيف الإجراءات بحقه. وتُظهر الوثائق أن محاميه آنذاك، آلان ديرشوفيتز، أَبلغ الموساد بأن “الأمر تحت السيطرة”.
ومما أورده التقرير، بالاستناد إلى وثائق تُظهِر مضمون المحادثات بين إبستين وإيهود باراك، التي تزخر بإشارات إلى “الموساد” في أكثر من موضع، هو أن الأول تمتّع بعلاقات وثيقة مع الثاني، بخاصة خلال فترة تولّيه رئاسة الحكومة الإسرائيلية (بين عامَي 1999 و2000)، حيث جرى إعداد ابستين وتأهيله للقيام بأنشطة استخباراتية لصالح “الموساد”.
فعلى سبيل المثال، تتضمّن إحدى الرسائل التي بعث بها إبستين عبر البريد الإلكتروني، والمؤرّخة في 17 كانون الأول 2018، طلبًا من صديقه الإسرائيلي بأن “يوضح بشكل صريح بأنه لا يعمل لمصلحة الموساد”، وهي رسالة ردّ عليها باراك بتحفّظ، مكتفيًا بطلبه من إبستين الاتصال به.
كما أماطت دفعة جديدة من الوثائق اللثام عن تسجيل صوتي وُصف بـ”الخطير” بين الرجلين، حيث تحدّث باراك صراحة لإبستين عن حاجة إسرائيل إلى “مليون روسي إضافي لاسرائيل لإحداث تغيير في بنية الدولة”، معتبرًا أن هذا الرقم كفيل بإحداث تغيير “دراماتيكي للغاية” ليس فقط على المستوى الديمغرافي، بل وفي البنية الاقتصادية والثقافية للمجتمع الإسرائيلي.
إبستين وآل روتشيلد
ويُنقل في أحد الإيميلات أن إبستين كتب إلى بيتر ثيل (ممثل عائلة روتشيلد)، يتحدث فيه عن أنشطة بنوكهم وأعمالهم، ويُربط الحديث عن شركات التكنولوجيا بالشراكة الاستراتيجية التي وقعتها وزارة الدفاع الإسرائيلية مع شركة “بالانتير” التابعة لبيتر ثيل في يناير 2024، والتي تزود الجيش الإسرائيلي بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وساهمت في الابادة بغزة، حيث إن إبستين هو من قدّم إيهود باراك إلى بيتر ثيل.
ولعل وصف جاكوب روتشيلد، وعد بلفور بـ”المعجزة”، قائلًا: “كان هذا الحدث الأهم في تاريخ الحياة اليهودية منذ آلاف السنين، معجزة حقيقية.. لقد استغرق تحقيق هذا الهدف ثلاثة آلاف عام”، أبرز ما يوضح دعم هذه العائلة اليهودية لإسرائيل، وهي عائلة يُشاع أنها تحكم العالم من جزيرتها المحصنة والمعزولة.
وبنظرة سريعة على تاريخ دعم العائلة لإسرائيل، يتضح لنا أن ألفونس جيمس روتشيلد (1827–1905): من الفرع الفرنسي، جمع بين النفوذ المالي (خاصة في مجال النفط) والنشاط الدبلوماسي. كان من أوائل الداعمين الماليين للهجرة اليهودية إلى فلسطين في سبعينيات القرن التاسع عشر.
إدموند دي روتشيلد (1845–1934): يُعتبر “الأب الروحي” للاستيطان الزراعي الصهيوني في فلسطين. موّل وأشرف شخصيًا على إنشاء وتطوير المستوطنات الزراعية الأولى (الموشافوت)، واشترى مساحات كبيرة من الأراضي، وأسّس صناعات مثل النبيذ، وبنى بنية تحتية، وكان داعمًا رئيسيًا لـ”جمعية الاستعمار اليهودي في فلسطين”.
ليونيل والتر روتشيلد (1868–1937): بصفته رئيس الاتحاد الصهيوني الإنجليزي وصديق حاييم وايزمان، كان المتلقي الرسمي لوعد بلفور عام 1917. لعب دورًا محوريًا في المفاوضات التي أدت إلى إصدار الوعد بإنشاء “وطن قومي للشعب اليهودي” في فلسطين.
جيمس أرماند دي روتشيلد (1878–1957): واصل مسيرة والده إدموند في دعم المشروع الصهيوني. ترأّس مؤسسة “بيكا” الاستيطانية، وساهم في تجنيد اليهود للجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى. لاحقًا، قدّم تمويلًا لبناء الكنيست في القدس بعد قيام إسرائيل.
جاكوب روتشيلد (1936–2024): مثّل الجيل الحديث من الداعمين، واصل إرث العائلة من خلال الدعم المالي والمؤسسي لإسرائيل. ركّزت مؤسساته على تمويل مشاريع البنية التحتية، والبحث العلمي، والتعليم العالي في إسرائيل، معتبرًا إنشاء الدولة “فرصة استثنائية”.
جزيرة الشيطان.. ووحوش سدي تيمان
الرئيس الأميركي الـ41 للولايات المتحدة، جورج بوش الأب، ظهر اسمه لاحقًا في ملفات جيفري إبستين، بعد أن اغتصب طفلًا ذكرًا، ثم قطع أطرافه بسيف، في مشهد من جملة مشاهد طقوس شعائرية ضد الأطفال، من إلقاء رُضّع في البحر، إلى تعذيبهم وتقطيع أوصال آخرين، وحتى أكل لحومهم.
طقوس مستمدة من جرائم مماثلة ارتُكبت قبل آلاف السنين، حيث يروي سفر أخبار الأيام الثاني وسفر إرميا كيف أن بني إسرائيل أقاموا في وادي “هنوم” وهو ما يُعرف اليوم باسم وادي النار في القدس، معابد لآلهة وثنية للفلسطينيين القدماء مثل “بعل” و”مولوخ”، وكانوا يقدمون لها أضحيات بشرية من الأطفال يُحرقون على مذابحها. ويُعرف الوادي أيضًا باسم وادي توفث أو توفة، واسم توفث يعني “الدُّفّ”، لأن صرخات الأطفال كانت تُغطّى بطبول كهنة بعل ومولوخ قبل أن يُضحّى بهم ذبحًا أو حرقًا.
لكنّ هذا العنف ليس بعيدًا عن الفظائع والأهوال التي جرت وتجري في إبادة غزة، من قتل عشرات الآلاف من الأطفال، وتعذيبهم، والاغتصاب، وهي جرائم تعكس عنصرية استعلائية مفتونة بالإذلال الجنسي والجسدي، بحيث يصبح العنف مقبولًا حين يُمارس على أجساد جرى نزع إنسانيتها مسبقًا، وهو ما أكده تقرير نشره مركز بتسيلم الحقوقي الإسرائيلي بعنوان “إبادتنا”، إذ إن نزع الإنسانية عن الفلسطينيين كان هدفًا إسرائيليًا منذ البداية.
ولعل المشاركة الأميركية في الجرائم في غزة، إما بجيشها كما فعلت على الأرض، أو بدعمها بالعتاد والسياسة، هو استمرار لهذه الطقوس الوثنية كتعبير عن الهيمنة على حياة الآخرين، ما يعكس أن ما جرى في جزيرة الشيطان ليس مجرد فظائع أو فضائح جنسية، بل نموذجًا مصغّرًا لما يحدث في عالم تسيطر عليه أميركا وإسرائيل.
ولعل مقولة إن تصوير المعاناة لا يمنع تكرارها، بل يفضح فقط ما حاولوا إخفاءه، هي أفضل ما يُعبَّر عنه في سجون إسرائيلية تزيد فظائعها عما جرى في جزيرة الشيطان، كما حدث في سجن سدي تيمان من اغتصاب سجناء، بل وجعل كلاب تغتصبهم أيضًا، واغتصاب بعضهم حتى الموت بالعصي الحديدية، وصعق الأعضاء التناسلية بالكهرباء، وإجبار الأسرى على الشرب من مياه المراحيض.
وهو ما أكدته المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في فلسطين، فرانشيسكا ألبانيز، بمنشور لها عبر منصة “إكس”، إذ قالت إن اغتصاب وتعذيب الأسرى من الجنسين في السجون الإسرائيلية بات واسع النطاق وممنهجًا، وأحد المكونات الأساسية لجريمة الإبادة الجماعية، مؤكدة أن ما وُثّق في مركز اعتقال سدي تيمان ليس حالة فردية، بل يمثل جزءًا من نمط متكرّر من الانتهاكات داخل السجون.
وبالعودة إلى تقرير بتسيلم “إبادتنا”، الذي نُشر في تموز من العام الماضي، فإن المجتمع الإسرائيلي كله أصبح مصابًا بداء العنصرية الاستعلائية التي تؤهله لارتكاب أقذر الأفعال بحق فلسطينيين انتُزعت عنهم صفة الإنسانية. فإن كانت مساءلة الكلاب عن ارتكابها لجريمة اغتصاب الأسرى غير عقلانية لكونها مجرد حيوانات بلا عقل، فكيف يُصنَّف مجتمعٌ كامل يدعو إلى ممارسة الاغتصاب كعقوبة؟
أما الحاخام مئير مازوز، صاحب النفوذ الكبير في السياسة الإسرائيلية، الذي ظهر في مقطع فيديو وهو يضع كفّه على رأس مائير بن شتريت (المتهم الرئيسي بالاغتصاب في سدي تيمان)، ويقرأ عليه نصوص التناخ والتوراة لمباركته على اغتصاب بشر آخرين، فقد توجّه إلى الجمهور قائلًا: “يجب تكريمهم”. وبحسب هيئة البث الإسرائيلية، حاول أحد محامي الجنود المغتصبين الرد على الحاخام قائلًا: “تلقيت وجهة نظر من أحد الأطباء بأن الأسير الذي تعرّض للاعتداء كان يكذب”، فأجابه الحاخام: “أليس لدينا الحق في القيام بذلك؟”، ثم توجّه إلى الجنود قائلًا: “سيتم تبرئتكم تمامًا. ماذا فعلتم؟ ضربتم العدو، فماذا؟ كل شيء على ما يرام، ففي أي بلد آخر كانوا سيقدّمون لكم الجوائز”.
مازوز تونسيّ الأصل، وهو أحد أكثر الحاخامات نفوذًا بين الحريديم (اليهود المتشدّدين) وفي السياسة الإسرائيلية، ولصوته ثقل كبير لدى صانعي القرار. فكبار الوزراء وأعضاء الكنيست من حزب الليكود يأتون للتبارك به والتشاور معه، وعلى رأسهم نتنياهو. وقد خرجت مسيرات لمتطرّفين رفضت مساءلة أي جندي يغتصب الأسرى، شارك فيها وزراء ونواب، واصفين هؤلاء بـ”الأبطال”.
أما الأكثر بشاعة، فكان ما كشفه استطلاع للرأي أجرته القناة 12 العبرية، حيث أظهر أن 47% من “الإسرائيليين” يؤيدون اغتصاب الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.




