محمد عبد الله
في خطوة جديدة تندرج ضمن سياسة إسرائيلية متصاعدة تجاه الإعلام الفلسطيني، وقّع وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس أمرًا عسكريًا يقضي بتصنيف عدد من المنابر الإعلامية الإلكترونية الفلسطينية كـ”أذرع لحركة حماس”، تمهيدًا لحظرها وملاحقتها قانونيًا.
وبينما لم تنشر إذاعة الجيش الإسرائيلي أسماء هذه المنصات رسميًا، جرى تداول أسماء عدة مواقع عبر وسائل إعلام إسرائيلية، في خطوة يراها مختصون جزءًا من تحضير أمني وسياسي لمرحلة قادمة في مدينة القدس، بالتزامن مع شهر رمضان.
وأفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس وقّع أمرًا عسكريًا يصنّف عددًا من المنصات الإعلامية الإلكترونية الفلسطينية كمنظمات إرهابية، بزعم أنها تعمل كواجهات إعلامية تابعة لحركة حماس، لا سيما تلك التي تُدار من تركيا.
وبحسب الإذاعة، فإن أجهزة الأمن الإسرائيلية رصدت ما وصفتها بمحاولات من حركة حماس في تركيا وقطاع غزة لإشعال التوتر في مدينة القدس خلال شهر رمضان، عبر شبكات إلكترونية ومنصات إعلامية اعتبرتها إسرائيل جزءًا من “البنية الدعائية” للحركة.
وأشارت التقارير إلى أن القرار جاء بناءً على توصية من جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، الذي أوصى بتصنيف هذه المنصات كمنظمات إرهابية، ما يتيح للسلطات الإسرائيلية ملاحقتها قانونيًا، وإغلاق مكاتبها، وحظر نشاطها، ومصادرة أموالها إن وجدت ضمن مناطق السيطرة الإسرائيلية.
ومن بين المنصات التي جرى تداول اسمها في الإعلام: العاصمة، القدس، ميدان القدس، البوصلة، والمعراج، دون صدور بيان رسمي إسرائيلي يحدد طبيعة الإجراءات التنفيذية بحقها.
ويأتي هذا القرار في ظل بيئة تشريعية إسرائيلية توسّعت منذ السابع من أكتوبر، استهدفت وسائل إعلام تصنّفها إسرائيل بأنها “معادية”.
وكان الكنيست الإسرائيلي قد أقر سابقًا ما يُعرف إعلاميًا بـ”قانون الجزيرة”، الذي أتاح للحكومة حظر عمل قنوات أجنبية تعتبرها “قنوات عدو”، وعلى رأسها الجزيرة، ومنح الأجهزة الأمنية صلاحيات أوسع لاتخاذ إجراءات إدارية سريعة دون تعقيدات بيروقراطية كبيرة.
ويرى مراقبون أن هذه البيئة القانونية سهّلت تمرير قرارات مشابهة بحق منصات فلسطينية، ضمن مسار أوسع لإحكام السيطرة على الفضاء الإعلامي، خصوصًا الرقمي منه.
المختص في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع قال إن القرار يحمل أكثر من بعد، ويأتي ضمن إطار عام تسعى فيه إسرائيل إلى “ضبط الإعلام المضاد”، سواء العربي أو الفلسطيني، مشيرًا إلى أن الإجراءات الأخيرة لا يمكن فصلها عن سياق ما بعد السابع من أكتوبر.
وأوضح مناع في تعقيب لموقع “بالغراف”، أن القرار يحمل طابعًا خاصًا بمدينة القدس، معتبرًا أن الاحتلال يسعى إلى عزل المدينة ليس فقط جغرافيًا أو إداريًا، بل إعلاميًا أيضًا، عبر منع التغطية الفلسطينية أو الحد منها، وفرض سردية إسرائيلية أحادية بشأن ما يجري فيها.
وأضاف أن استهداف المنصات الإعلامية في هذا التوقيت، خلال شهر رمضان، يعكس استعدادًا إسرائيليًا لسيناريوهات تصعيد محتملة في القدس، خاصة في ظل تكرار التصريحات والمخططات المتعلقة بتغيير الوضع القائم في المدينة، وتعزيز حضور المستوطنين في المسجد الأقصى، سواء من حيث الزيارات أو الصلوات أو فرض وقائع جديدة على الأرض.
ويرى مناع أن حظر هذه المنصات لا يمكن قراءته كإجراء أمني بحت، بل كخطوة استباقية لتقليل أي تغطية أو ضجة إعلامية عالمية قد ترافق خطوات إسرائيلية مستقبلية في القدس، سواء على مستوى المسجد الأقصى أو الأحياء الفلسطينية في المدينة.
ويضع مناع القرار في سياق أوسع يتعلق بمحاربة المحتوى الفلسطيني عمومًا، ومحاولة الحد من وصول الرواية الفلسطينية إلى العالم، لا سيما في ما يتعلق بالقدس.
وأشار إلى أن إسرائيل، وفق قراءته، تعتبر أن الفضاء الرقمي بات ساحة مركزية في الصراع، وأن المنصات الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي لعبت دورًا بارزًا في نقل ما يجري ميدانيًا إلى الرأي العام الدولي.
وأضاف أن إسرائيل خلال الحرب على قطاع غزة واجهت انتقادات دولية واسعة، وأنها تسعى اليوم إلى تقليص أي مساحة قد تُستخدم لنقل صورة مغايرة للرواية الرسمية الإسرائيلية، عبر الحظر، والملاحقات، والاعتقالات، وتوجيه تهم “التحريض” للنشطاء والصحفيين.
كما أشار إلى أن مجرد اتهام منصة إعلامية بالانتماء إلى حماس أو تصنيفها كـ”قناة عدو” يكفي قانونيًا لفرض إجراءات صارمة بحقها، في ظل قوانين توسعت صلاحياتها مؤخرًا، معتبرًا أن خلف كل قرار من هذا النوع أبعادًا سياسية واستيطانية تتجاوز الذريعة الأمنية المعلنة.
في المحصلة، يرى مختصون أن القرار الإسرائيلي الأخير لا ينفصل عن مسار أوسع لإعادة تشكيل المشهد في القدس، سواء على المستوى الميداني أو الإعلامي، وأن حظر المنصات الإلكترونية الفلسطينية قد يكون خطوة تمهيدية لإجراءات أكبر، تسعى إسرائيل إلى تمريرها بأقل قدر ممكن من التغطية والضغط الدولي.
ومع بدء شهر رمضان، الذي لطالما شكّل محطة توتر مركزية في القدس، يبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت هذه الخطوات تمهيدًا لواقع جديد في المدينة، تحاول إسرائيل تثبيته ميدانيًا وإعلاميًا في آنٍ معًا، وسط تضييق متزايد على أي صوت فلسطيني يسعى إلى نقل ما يجري إلى العالم.




