loading

لغز الإسبان.. جينات وعلاقات تخطت الـ 3 آلاف عام

جيفارا سمارة

تحكم المصالح ميزان العلاقات بين الدول بمنطق الواقعية السياسية، لكن ضمير الشعوب يبقى أحيانًا قادرًا على ترك بصمة أخلاقية تترك أثرها في التاريخ، كحال المواقف الإسبانية تجاه الاستكبار الغربي على دول وشعوب المشرق، وهو ما بدا واضحًا في حرب الإبادة على غزة، والعدوان على إيران.

نهج إسبانيا المختلف داخل المعسكر الغربي، آخرها “لا” رافضة لاستخدام واشنطن للقواعد العسكرية الإسبانية ضد إيران؛ سبقها مواقف مثيرة للدهشة على المستويات الرسمية والشعبية والمؤسساتية الإسبانية، داعمة للحق الفلسطيني ورافضة لجرائم الاحتلال، تفوقت حتى على الدول العربية الشقيقة. 

الأمر الذي دفع أحد أبرز المفكرين العرب للقول: “إن كان هنالك جانب إيجابي لضياع الأندلس، فهو أن لا حكم عربي في إسبانيا اليوم، يتماشى وينصاع للإرادة الأميركية الإسرائيلية” في إشارة إلى الغياب الشعبي عن رفض الإبادة في غزة، والتواطؤ الرسمي العربي مع الإبادة.

وظهر موقف إسبانيا جليًا في رفضها الحرب الإسرائيلية على غزة منذ أشهرها الأولى وعدم تردد رئيس وزرائها في تسمية ما قامت به إسرائيل في القطاع “إبادة جماعية”، بل ذهبت أبعد من ذلك حين أعلنت عام 2024 اعترافها الرسمي بدولة فلسطين إلى جانب النرويج وأيرلندا، في خطوة اعتبرت من أبرز المواقف الأوروبية الداعمة لحل الدولتين. 

إعتراف دفع وزير خارجية الاحتلال وقتها للتهديد بإغلاق القنصلية الإسبانية في القدس المحتلة، ليرد عليه وزير الخارجية الإسباني: “قنصلية بلادنا في القدس منذ القرن الـ 19، قبل قيام ما تسمى بإسرائيل”.

وفي عجالة سنمر على أبرز المواقف الإسبانية الكثيرة المناصرة للحق الفلسطيني، بدءًا من الملك فيليب السادس الذي ندد بـ “المعاناة التي تفوق الوصف” في غزة، واصفًا الوضع بالأزمة الإنسانية غير المحتملة. ورئيس الوزراء بيدرو سانشيز الذي أكد أن إسبانيا ستحارب من أجل قضايا عادلة حتى لو لم تملك القوة العسكرية الكبرى، واصفًا ما يحدث بـ “الإبادة الجماعية”، بل إنه سيّر قطعًا بحرية إسبانية لحماية “أسطول الصمود” العالمي الذي سيّر لكسر الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة.

انتقلت إسبانيا من التصريحات إلى إجراءات قانونية ملموسة لتقييد القدرات العسكرية الإسرائيلية: عبر حظر السلاح، حيث أقر مجلس الوزراء مرسومًا ملكيًا دائمًا يحظر بيع أو شراء السلاح أو التكنولوجيا “مزدوجة الاستخدام” من وإلى إسرائيل، وإلغاء صفقات ضخمة تقترب من مليار يورو، وفرض حصار لوجستي بمنع عبور وقود الطائرات العسكرية الإسرائيلية عبر الموانئ أو الأراضي الإسبانية، وحظر منتجات المستوطنات.

أما الرأي العام الإسباني فقد أصبح دعم فلسطين قضية جامعة عابرة للانقسامات الحزبية، حيث أظهرت إحصائيات لافتة لمعهد “إلكانو” أن 82% من الشعب يعتبرون ما يحدث في غزة “إبادة جماعية”، و78% يؤيدون الاعتراف بدولة فلسطين، والمثير أن 62% من أنصار “اليمين” الإسباني يتفقون مع وصف الإبادة الجماعية، مما جعل القضية فوق الاستقطاب السياسي التقليدي. 

 وهو ما تُرجم في مسيرات جابت معظم المدن رفضًا لجرائم الاحتلال ودعمًا للحق الفلسطيني، وتعطيل مسابقات رياضية وثقافية وفنية شاركت فيها إسرائيل، وبحراك طلابي واسع في جامعات مدريد وبرشلونة للمطالبة بقطع العلاقات الأكاديمية مع إسرائيل.

وسعت إسبانيا لتحويل إسرائيل إلى “دولة منبوذة” دوليًا، حيث دعا سانشيز لاستبعاد إسرائيل من كافة المسابقات الرياضية (مثل روسيا)، وهدد وزير الثقافة بانسحاب إسبانيا من “يوروفيجن 2026” إذا شاركت إسرائيل، وانسحاب اللاعبين الإسرائيليين من بطولة إقليم الباسك بعد منعهم من رفع علم إسرائيل، والاكتفاء بعلم فلسطين وأعلام الأقاليم الإسبانية.

 إعلاميًا، وخلافًا للرواية الغربية السائدة، قدّم الإعلام الإسباني تغطية وصفت بـ “الأمانة الاستثنائية”: باستخدام مصطلحات دقيقة مثل “قُتلوا” بدلًا من “ماتوا”، ونشر تقارير مفصلة عن المجاعة والانتهاكات.

أواصر تعدت الثلاثة آلاف عام

وكما عودناكم في “بالغراف” فإننا نسبر أغوار التاريخ بالعودة إلى العام 1100 قبل الميلاد، حيث ارتبطت شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا والبرتغال) بعلاقات قديمة مع شعوب البحر المتوسط، وتحديدًا مع الفينيقيين الذين يُعدّون من أوائل من وصلوا إلى سواحل إسبانيا آنذاك، وأسسوا مراكز تجارية على السواحل الجنوبية لإسبانيا، وكان أشهرها مدينة جادير (قادس الحالية في إسبانيا)، التي تُعد من أقدم المدن المأهولة في أوروبا الغربية، وأصبحت مركزًا تجاريًا مهمًا ومحطة بحرية رئيسية تربط بين شرق المتوسط وغربه.

الوجود الفينيقي في إسبانيا كان في الأساس وجودًا تجاريًا، حيث أقاموا مرافئ صغيرة على الساحل مثل مالقة القديمة لتسهيل التجارة مع القبائل الإيبيرية المحلية. ومع مرور الزمن حدث تفاعل واسع بين الفينيقيين والسكان المحليين، شمل التبادل التجاري والمصاهرة والتأثير الثقافي والديني، مما أدى إلى ظهور مزيج حضاري في جنوب إسبانيا تظهر آثاره في النقوش والآثار وأسماء المدن القديمة.

 ومع ضعف المدن الفينيقية في الشرق بسبب الصراعات مع القوى الكبرى في ذلك العصر، برزت مدينة قرطاج، وهي في الأصل مستعمرة فينيقية في تونس، ومع صعودها انتقل النفوذ الفينيقي في إسبانيا تدريجيًا إليها، فأصبحت المستعمرات القديمة تحت سيطرة القرطجيين، وتحولت من مراكز تجارية صغيرة إلى قواعد استراتيجية مهمة.

 وبذلك يمكن القول إن علاقة إسبانيا بالعالم المتوسطي بدأت مع الفينيقيين، ثم انتقلت إلى قرطاج، ثم إلى روما، قبل أن تدخل مرحلة جديدة لاحقًا مع الفتح الإسلامي، وهو ما يجعل تاريخ إسبانيا القديمة مرتبطًا ارتباطًا عميقًا بحضارات الشرق والغرب معًا.

نصرة سبقت الميلاد بمئات السنين

وفي العام 237 قبل الميلاد عقد القائد القرطاجي حملقار برقا، تحالفًا مع قبائل شبه الجزيرة الإيبيرية، أورثه لابنه القائد المعروف حنبعل الذي تزوج أميرة إيبيرية تدعى إميليكه، لتعزيز عرى التحالف للتصدي المشترك لظلم الإمبريالية الرومانية، عقب الحرب البونيقية الأولى. 

ذاك التحالف لم يكن سوى اللبنة الأولى في سلسلة علاقات ستتوطد عقب ذلك لأكثر من ألفي عام، وصولًا إلى يوم الناس هذا، كما يرى المؤرخ الإسباني داوود روميرو (David Romero) المختص في الدراسات التي تربط بين التاريخ واللغة والهوية الأندلسية والعلاقات الثقافية بين ضفتي المتوسط.

الفلسطينيون أول من أدخل المسيحية إلى إسبانيا

يقول روميرو في إحدى اللقاءات الصحفية: الذاكرة لا تُمحى، فمدينة غرناطة الأندلسية سميت بهذا الاسم عربيًا، ولكن كان اسمها قبل ذلك البيرة على اسم مدينة البيرة بمحافظة رام الله بالضفة الغربية؛ ففي القرن الأول الميلادي، نزل الفلسطينيون غرناطة وساحلها وسكنوها، وكانوا من أتباع السيد المسيح جاءوا لنشر الرسالة المسيحية في إسبانيا، وأول حاكم لتلك المدينة كان اسمه ابن العطار، لذا علاقتنا مع الفلسطينيين قديمة جدًا وهناك كتابات كثيرة عن هذا الموضوع.

وحدة الدم والجينات

ويضيف روميرو أن منبع التضامن الإسباني والنصرة لعدالة القضية الفلسطينية وغيرها من قضايا الشعوب في الشرق، هو الجينات التي صبغت إسبانيا لحوالي ألف سنة من الحكم الإسلامي، فنحن لا نجد فرقًا بين أشكالنا كإسبان وأشكال الفلسطينيين، فنحن كأننا أولاد عم شكلًا خاصة الشعب الأندلسي الحالي. 

فعندما نرى المجازر والظلم الواقع بالشعب الفلسطيني نتذكر بشكل أو بآخر الظلم والمجازر التي حصلت في أجدادنا، فإن 70 إلى 80% من الإسبان ليس عندنا وثائق حتى عن ألقابنا ومحرومون من معرفة أصولنا كإسبان، يسموننا بـ”الموريسكيين” والموريسكي هو الذي أجبر على التحول إلى المسيحية بالقوة وهذا معظم ما جرى مع الشعب الإسباني، وأصبحوا عبيدًا ووزعوهم في العائلات الإسبانية النبيلة وفي المزارع كعبيد.

ويتابع المؤرخ الأندلسي: أنت تمشي في غرناطة التي أسكنها، فترى علم فلسطين يتدلى من كل نافذة، الشباب يخرجون إلى الشارع يوميًا، والمسيرات والمواقف الشعبية والمؤسساتية الداعمة بقوة وحتى الرسمية، نحن جيناتنا ذاكرة الجينات، يعني هم في يقظتها نحن أولاد عم.

القرن العشرين

وعرف القرن العشرون محطات مهمة في تشكيل العلاقة الحالية بين الإسبان ودول المنطقة انطلاقًا من القضية المركزية (فلسطين)، نعرج على أبرزها:

1945 الحلفاء رفضوا انضمام إسبانيا بقيادة فرانكو للجمعية العامة للأمم المتحدة، بسبب صلاتها وعلاقاتها الوثيقة السابقة مع دول المحور.

1946 الجمعية العامة للأمم المتحدة مدفوعة من الغرب، أدانت إسبانيا ورفضت انضمامها، الدول العربية آنذاك رفضت الضغوط الغربية بالإدانة وامتنعت عن التصويت، في تلك اللحظة بدأت الدبلوماسية الإسبانية تسعى للخروج من حالة التهميش التي فُرضت عليها، وفي إطار سعيها هذا قررت التركيز على تقوية علاقاتها بدول أمريكا اللاتينية وبدول العالم العربي.

1948 الإسبان لعبوا دورًا مهمًا خلال حرب النكبة من خلال دعم العرب بالسلاح والمتطوعين والمال والإمدادات الطبية.

1949 وأثناء انعقاد الدورة الثالثة للجمعية العامة، إسرائيل المنضمة حديثًا للأمم المتحدة، صوتت ضد مشروع قرار يدعو لإلغاء العقوبات الدبلوماسية المفروضة على إسبانيا، وهاجمت بشدة إسبانيا متهمة نظام فرانكو بأنه فاشي ومعادٍ للحضارة. 

 تصريحات تسببت في قطيعة حاسمة في العلاقات بين الإسرائيليين والإسبان لعشرات السنين وجعلت إسبانيا تتخلى عن حيادها السياسي المعلن في مسألة فلسطين، خصوصًا وأن الإسرائيليين لم يكتفوا برفض القرار وإنما حاولوا إقناع دول أخرى برفض انضمام إسبانيا.

1950 الجمعية العامة للأمم المتحدة صوتت لصالح مشروع قرار يلغي المقاطعة الدبلوماسية لإسبانيا ويسمح لها بالانضمام للأمم المتحدة، القرار صوتت لصالحه 38 دولة من ضمنهم كل الدول العربية الأعضاء في الأمم المتحدة، وصوتت ضده 10 دول من ضمنهم إسرائيل.

1955 الزعيم الإسباني فرانكو وضع شرطين لتقارب بلاده مع إسرائيل: الأول تحسن العلاقات بين اليهود في فلسطين والدول المجاورة لهم، والثاني هو قبول الإسرائيليين لتدويل القدس.

1972 افتتاح مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة الإسبانية مدريد.

1975 ومع وفاة فرانكو دخلت إسبانيا في مرحلة انتقالية، وعلى الرغم من أن مواقف إسبانيا من قضايا كثيرة تغيرت خلال الفترة الانتقالية، إلا أن موقفها من قضية فلسطين بقي ثابتًا.

1979 رئيس الوزراء الإسباني وقتها أدولفو سواريز كان أول زعيم من زعماء أوروبا الغربية يستقبل ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية بصفته رئيس دولة؛ بدعوة من الحكومة الإسبانية.

1981 فيليب غونزاليس رئيس وزراء إسبانيا في فترة الانتقال الديمقراطي قال إنه غير مستعد لمناقشة مسألة اعتراف إسبانيا بإسرائيل قبل أن ينسحب الإسرائيليون إلى ما وراء الحدود التي كانت قائمة قبل حرب 1967.

1985 الحكومة الإسبانية ترضخ للضغوطات الغربية لإقامة علاقات مع إسرائيل بعد مساومتها على عضويتها في الجماعة الاقتصادية الأوروبية التي أصبحت لاحقًا الاتحاد الأوروبي، وكان الخيار إما أن تعترف بإسرائيل أو تُطرد، وهو ما دفع الملك خوان كارلوس لزيارة عدد من الدول العربية بهدف شرح موقف إسبانيا من الاعتراف بإسرائيل. 

 وأعلنت الحكومة الإسبانية عزمها الراسخ مواصلة دفاعها عن القضايا العربية العادلة في المحافل الدولية مستقبلاً، ورفض الاحتلال ودعمها للتطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني.

1991 نجحت مدريد في تقديم نفسها كوسيط موثوق فيه لما استضافت مؤتمر مدريد للسلام.

1995 زار رئيس الوزراء الإسباني غونزاليس قطاع غزة، تبعتها زيارة رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا أثنار للرئيس الراحل ياسر عرفات في فلسطين سنة 1999، لدعم الموقف الفلسطيني.

القاعدة الشاذة

مع ظهور تنظيم القاعدة الإرهابي (أمريكي النشأة والتكوين) أخذت العلاقة بين إسبانيا والعرب منحنى خطيرًا، في ظل حكومة إسبانية يمينية، لم تراعِ قواعد العلاقة بين الدول العربية وبلادها، ففي عام 2003 انضمت حكومة خوسيه ماريا أثنار إلى التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لغزو العراق، في خطوة أثارت آنذاك احتجاجات واسعة داخل الشارع الإسباني.

بداية العام 2004، ضربت تفجيرات محطة قطارات في مدريد نُسبت إلى خلية مرتبطة بتنظيم القاعدة أودت بحياة نحو 200 شخص، وقد ربطت التحقيقات الإسبانية آنذاك بين هذه الهجمات ومشاركة البلاد في غزو العراق؛ حيث سعى المنفذون بحسب القضاء إلى معاقبة مدريد والضغط عليها لسحب قواتها. 

هذه التفجيرات حدثت قبل أيام من الانتخابات العامة وشكلت لحظة مفصلية سياسيًا، إذ أطاحت باليمين ووضعت الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني على سدة الحكم، لتتحول بذلك تفجيرات مدريد إلى لحظة مفصلية كرست في إسبانيا مزاج “لا للحرب” وسرعت قرار سحب القوات في نظر كثير من الباحثين.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني